قد يشكل مدخلا لإعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني وتأكيد الوحدة ما بين الضفة وغزة وقد يصبح مدخلا لمزيد من التشرذم الفلسطيني
صدوره دون توافق يعرضه لتعديلات دستورية مبكرة قد تزعزع الاستقرار المؤسسي
إطلاق حملة وطنية شاملة للدفاع عن القانون الأساسي الفلسطيني بات استحقاقا وطنيا بامتياز
أقرب إلى دستور دولة مستقرة في أوروبا وليس دستور شعب واقع تحت استعمار استيطاني
تساؤلات حول هل يُستخدم كأداة لتوحيد النظام السياسي أم لإعادة هندسة موازين القوى؟
الحدث – إبراهيم أبو كامش/الخطيب
يشهد الشارع الفلسطيني جدلا عميقا حول طرح مشروع الدستور الفلسطيني حاليا في ظل انقسام سياسي حاد واجتزاء أو تشظٍ جغرافي خطير وظروف ميدانية غير مواتية، إذ تهدد الخلافات الفلسطينية احتمالية إقراره حتى لو تم طرحه للاستفتاء الشعبي في ظل تغييب المجلس التشريعي وتركز الصلاحيات بيد الرئاسة، وبالتالي إصداره كقرار بقانون كما باقي سلسلة القوانين الصادرة بعد تجميد عمل التشريعي وغياب الانتخابات العامة. فالخلافات حول مشروع الدستور الفلسطيني ليست قانونية فقط، بل هي انعكاس مباشر للصراع السياسي الداخلي والانقسام بين القوى الفلسطينية، إضافة إلى تأثير الواقع تحت الاحتلال وعدم اكتمال السيادة.
الدستور في السياق الفلسطيني ليس مجرد وثيقة قانونية، فهو عقد سياسي لإنهاء الانقسام، وإذا صدر دون توافق واسع، فقد يزيد الاستقطاب، ويخلق أزمة شرعية جديدة، وربما يؤخر المصالحة بدل أن يسرّعها. أما إذا جاء نتيجة حوار شامل واستفتاء حر، فيمكن أن يصبح مدخلًا لإعادة توحيد النظام السياسي. وفي كثير من الأحيان الدساتير التي تُقرّ دون توافق تتعرض لتعديلات مبكرة أو تدخل الدولة في دورة متكررة من التعديلات الدستورية، ما يزعزع الاستقرار المؤسسي.
الخلافات السياسية والقانونية
ويجمع قانونيون وحقوقيون وخبراء الاختصاص على تركّز الخلافات حول قضايا سياسية وقانونية حساسة تتعلق بطبيعة النظام السياسي، توزيع الصلاحيات، والهوية الوطنية. وأبرزها شكل النظام السياسي (رئاسي أم برلماني؟)، وأحد أهم الخلافات كان حول طبيعة النظام: فريق يدعم نظاما رئاسيا قويا يمنح الرئيس صلاحيات واسعة. وفريق آخر يفضل نظاما برلمانيا أو مختلطا يقلّص صلاحيات الرئيس ويعزّز دور الحكومة والمجلس التشريعي. إذ أصبح موضوع توازن السلطات أكثر حساسية.
ومن أهم أوجه الخلافات بحسب القانونيين والحقوقيين هي تلك المتعلقة بصلاحيات الرئيس والحكومة، فهناك خلاف حول: سلطة الرئيس في تعيين وإقالة رئيس الوزراء، وحق حلّ المجلس التشريعي، وقيادة الأجهزة الأمنية، وطُرحت تساؤلات حول حدود الصلاحيات الدستورية وآليات الرقابة. كما أن هناك خلافا حول مكانة الدين والشريعة، حيث ينصّ القانون الأساسي على أن الإسلام هو الدين الرسمي وأن مبادئ الشريعة مصدر رئيسي للتشريع. لكن الجدل دار حول: هل تكون الشريعة المصدر الرئيسي أم أحد المصادر؟ إضافة إلى خلاف حول ضمان حقوق الأقليات الدينية والحريات العامة. فهذا الخلاف يعكس تباينا أيديولوجيا بين التيارات الإسلامية والعلمانية/الوطنية.
ومن بين الخلافات هو توقيت إقرار الدستور، فهناك رأيان: رأي يقول بضرورة إقرار دستور دائم قبل قيام الدولة لتعزيز الجاهزية المؤسسية. ورأي آخر يرى أن الدستور الدائم يجب أن يُقرّ بعد قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة، حتى لا يُقيَّد مستقبل الدولة بواقع الاحتلال. إضافة إلى العلاقة بين الضفة وغزة بعد الانقسام، وكيف ينظم الدستور وحدة النظام السياسي؟ إلى جانب الخلاف المتعلق بدور منظمة التحرير الفلسطينية والعلاقة بين مؤسسات الدولة المستقبلية ومنظمة التحرير الفلسطينية: فهل ستبقى المنظمة مرجعية عليا؟ أم تُدمج في مؤسسات الدولة؟ إلى جانب الحقوق والحريات واستقلال القضاء وضمان حرية التعبير والعمل السياسي واستقلال السلطة القضائية. وآليات الرقابة على السلطة التنفيذية. فبعض القوى تخشى من تركيز السلطة بيد جهة واحدة في ظل غياب توازن فعّال بين السلطات.
آلية إقرار الدستور
وحتى لا يشعر أي طرف بالإقصاء، فإن القانونيين والحقوقيين يتفقون على وجوب تشكيل لجنة صياغة تمثل جميع الفصائل، والشروع بحوار مجتمعي واسع، وإجراء استفتاء شعبي نهائي، حيث يمنح الاستفتاء النص شرعية تتجاوز الانقسام الفصائلي.
ويرون أن الحلّ التوافقي يقوم على توزيع السلطة بدل احتكارها والرقابة بدل الثقة المطلقة، واعتماد النصوص الواضحة بدل الصياغات الفضفاضة وكسب شرعية شعبية عبر الاستفتاء.
خطوة استباقية لإعادة تشكيل قواعد اللعبة السياسية، لماذا الآن؟
ويؤكدون أن طرح مشروع الدستور في هذا الوقت يُفهم عادة أنه يأتي في سياق سياسي أكثر منه قانوني. فلا يوجد إجماع وطني مُعلن على استعجال إقرار دستور دائم، لكن تُطرح تفسيرات محتملة لِمَن يرى أن هناك اندفاعة في هذا التوقيت، تتمثل في: إدارة مرحلة انتقالية طويلة حيث ترى بعض الأطراف أن إقرار دستور دائم من شأنه أن يُنهي حالة "الانتقال الدائم". ويحدّد الصلاحيات بوضوح لتفادي أزمات تفسيرية بين الرئاسة والحكومة، وإعادة ترتيب مراكز القوى داخليا في ظل استمرار الانقسام بين حركتي (فتح) و(حماس)، فقد يُنظر إلى الدستور كأداة لإعادة توزيع الصلاحيات (تعزيز الرئاسة أو تقويـة البرلمان) لحسم جدل تداخل السلطات الذي تفاقم بعد 2007. منتقدو "العجلة" يخشون أن تتحول الصياغة إلى وسيلة لترجيح كفة طرف على آخر.
الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب/الأزمة
ويرى البعض أن التحولات الميدانية والسياسية الأخيرة وخاصة ما يرتبط بقطاع غزة، تدفع بعض النخب إلى التفكير بإطار دستوري ينظم إعادة الإعمار والحكم، ويضبط العلاقة بين الضفة وغزة، ويحدد آليات توحيد المؤسسات. وهناك من يرى أن وجود دستور دائم يعزّز صورة الجاهزية المؤسسية أمام المجتمع الدولي، ويدعم مساعي الاعتراف بالدولة في المحافل الدولية.
وفي المقابل، يرى آخرون أن الدستور الدائم يفترض سيادة كاملة وحدودا محسومة، وهو ما لم يتحقق بعد، وانتقال القيادة وتجديد الشرعيات وغياب الانتخابات العامة منذ سنوات يخلق نقاشًا حول: تجديد الشرعيات، وتنظيم انتقال السلطة مستقبلاً بشكل واضح، فقد يستخدم الدستور لضبط هذه المسائل، لكن العجلة قد تُفسَّر كخطوة استباقية لإعادة تشكيل قواعد اللعبة السياسية.
لماذا يعارض البعض التسرّع؟
أما لماذا يعارض البعض التسرع، فلغياب توافق وطني شامل، خصوصًا مع استمرار الانقسام، والخشية من تثبيت واقع سياسي مؤقت في نص دائم. ويرون أن الأولوية لدى قطاعات واسعة هي إنهاء الانقسام وإجراء انتخابات قبل أي دستور دائم، كما أن الظروف الاستثنائية قد لا تسمح بحوار مجتمعي حرّ وعميق.
ماذا يحدث لو أُقرّ الدستور دون توافق شامل؟
إذا أُقرّ الدستور من دون توافق وطني شامل، فالنتائج غالبا لا تكون قانونية فقط، بل سياسية ومؤسسية عميقة، وقد تكون أزمة شرعية مزدوجة وقد يرفض الطرف/الأطراف غير المشاركة الاعتراف بالدستور. واحتمال ظهور "شرعيتين" واحدة تستند إلى الدستور الجديد، والأخرى تستند إلى "القانون الأساسي" أو إلى أمر واقع سياسي. والنتيجة: صراع على مصدر السلطة، لا على تفسير النص فقط. وتعميق الانقسام الجغرافي وإذا لم يكن هناك قبول متبادل قد يُطبَّق الدستور في الضفة الغربية دون قطاع غزة، ويتحول النص من أداة توحيد إلى أداة تكريس للانقسام، وطعون دستورية وتشكيك قضائي بإمكانية الطعن في إجراءات الإقرار (غياب استفتاء، غياب نصاب، ظروف استثنائية). وإذا لم تكن هناك محكمة دستورية متوافق عليها، قد تتفاقم الأزمة بدل حلّها، وقد تقاطع قوى رئيسية الانتخابات أو المؤسسات التي تُجرى وفق الدستور الجديد. وضعف المشاركة الشعبية يُضعف الشرعية السياسية حتى لو كان النص سليما قانونيا وذي انعكاس دولي سلبي حيث يفضل المجتمع الدولي نصوصا ناتجة عن عملية توافقية شاملة، ومشاركة واسعة في الاستفتاء، وإن إقرارا أحاديا قد يُضعف الحجة بأن الدستور يمثّل "الإرادة الوطنية الجامعة".
الانقلاب الدستوري الشامل
ووصف المحامي الدكتور عصام عابدين/ الخبير في الشؤون القانونية والحقوقية/ المستشار القانوني السابق لرئاسة المجلس التشريعي الفلسطيني، مشروع الدستور بالانقلاب الدستوري الشامل مع استمرار الانهيار في النظام السياسي الفلسطيني، وفي لحظةٍ يتقاطع فيها الانقسام الداخلي مع الإبادة الجماعية وسياسات التهجير القسري.
يقول د. عابدين الذي يعكف على إعداد سلسلة أوراق دراسية انتقادية على بنود مشروع الدستور بصيغته الحالية: "يتحدث الرئيس المنتهية ولايته الدستورية عن "الإصلاح" و"الانتقال من السلطة إلى الدولة" دون تفويض شعبي، في انتهاكٍ صارخٍ للقَسَم الدستوري (مادة 35 من القانون الأساسي) الذي يفرض احترام النظام الدستوري والقانون ويلقى بظلاله الثقيلة على الحقوق والحريات العامة والكرامة الإنسانية، بإعلان الانقلاب الدستوري الشامل، عبر تشكيل لجنةٍ لصياغة "دستورٍ مؤقتٍ" يُعيد إنتاج نظام الفرد الممتد منذ سنوات طويلة، ويُشرعن الاستبداد باسم "الانتقال من السلطة إلى الدول وما يجري اليوم ليس انتقالاً نحو الدولة، بل انتقالٌ من الدستور إلى المرسوم، ومن الإرادة الشعبية إلى سلطة الفرد، ومن حكم القانون إلى حكم الأشخاص، عبر دستورٍ مُفصّلٍ على المقاس".
ويتابع د. عابدين: "يستكمَل اليوم مشهد الإطاحة بالنظام السياسي والانقلاب الدستوري تحت العنوان ذاته "الإصلاح"، على حساب دولة القانون واحترام الحقوق والحريات والكرامة الإنسانية والحكم الرشيد. وذلك عبر مرسوم رئاسي رقم (4) لسنة 2025 بتشكيل لجنة لصياغة الدستور، وقرار رئاسي رقم (73) لسنة 2025 بتسمية أعضائها مِن بين مستشاريه ووزرائه ومساعديه السابقين وآخرين من المجتمع المدني والجامعات، في فراغٍ مؤسسيٍّ مُخطّطٍ له لتكريس التفرد بالسلطة، بعد أن حُلّ المجلس التشريعي بقرارٍ غير دستوري صادر عن المحكمة الدستورية في 12 كانون الأول/ديسمبر 2018. وهكذا استُخدم تغييب البرلمان ذريعة للاستفراد الكامل بالسلطة والقرار، وذريعة لتأجيل الانتخابات العامة الشاملة التي أعلن عنها في المرسوم الرئاسي رقم (3) لسنة 2021، ثم أجّلها بالمرسوم رقم (12) لسنة 2021 الصادر في 30 نيسان/أبريل 2021 إلى أجلٍ غير مسمّى، في تكريسٍ ممنهجٍ لحالة التعطيل الدستوري وإقصاء الإرادة الشعبية".
ويقول عابدين مستدركا: "ليست المشكلة في تشكيل لجنة صياغة الدستور بحدّ ذاتها، بل في طبيعتها وتوقيتها وتشكيلتها، وفي البيئة السياسية والقانونية التي وُلدت في ظلّها ومن رحمها، بلا تفويضٍ شعبيٍّ أو مؤسسيّ، وفي ظلّ استمرار تغييب المجلس التشريعي الفلسطيني ورقابته، وتعطّل الإرادة الشعبية، واستفرادٍ كاملٍ شاملٍ بالسلطة والقرار، تحت غطاء المطالب الدولية بالإصلاح الإداري والسياسي".
ويضيف د. عابدين: "لقد تحوّل "الإصلاح" إلى غطاءٍ للانقلاب الدستوري، يُدار بقراراتٍ ومراسيم تصدر في فراغٍ مؤسسيٍّ مُخطّط له، في محاولةٍ لإنتاج دستورٍ إقصائيّ يُكرّس التفرد، وهنا تكمن أخطر مفاصل الانقلاب، وأوضح تجلياته القانونية والسياسية".
فلسفة النُظم الدستورية والمرسوم والقرار الرئاسي
يقول د. عابدين: "في فلسفة النُظم الدستورية، لا تُولد الدساتير بمرسومٍ ولا تُعدَّل بقرارٍ إداري، لأنها تمثّل التشريع الأعلى (الأسمى) في الدولة، وتعكس إرادة الشعب بوصفه مصدر السلطات وأصل السيادة. لذلك، فإنّ التأسيس الدستوري لا يكون إلا بتفويضٍ شعبيٍّ أصيلٍ، عبر هيئةٍ تأسيسيةٍ منتخبة، أو برلمانٍ شرعيٍّ منتخب، أو استفتاءٍ حرٍّ ونزيه. فالدستور هو التعبير الأسمى عن الإرادة العامة، لا امتدادٌ لإرادة السلطة التنفيذية القائمة، منتهية الولاية الدستورية منذ سنوات طويلة".
ويتابع: "في الحالة الفلسطينية، انقلبت القاعدة رأساً على عقب؛ فالقانون الأساسي الفلسطيني المعدل (الدستور المؤقت) ينصّ صراحة في المادة (120) على أن تعديل أيّ من أحكامه لا يكون إلا بموافقة أغلبية ثلثي أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني، أي عبر انتخاباتٍ حرةٍ تفرز برلماناً شرعياً مُنتخباً يُمارس سلطته التأسيسية في الإقرار والتعديل ضمن النصاب الدستوري المقرر في القانون الأساسي والمعبّر عن إرادة المشرّع الدستوري. ومع ذلك، استخدم الرئيس مرسوماً وقراراً رئاسيين بشكلٍ مُنفرد لإنشاء دستور جديد والانتقال من "السلطة إلى الدولة" في سابقة تُطيح بمبدأ سموّ الدستور وسيادة الشعب".
وأضاف: "فقد صدر المرسوم الرئاسي رقم (4) لسنة 2025 بشأن تشكيل لجنة صياغة الدستور المؤقت بتاريخ 16 آب/أغسطس 2025، تلاه القرار الرئاسي رقم (73) لسنة 2025 في اليوم التالي لتسمية أعضاء اللجنة، ونُشرا في الجريدة الرسمية في 25 آب/أغسطس 2025، لتدشين ما أسماه "الانتقال من السلطة إلى الدولة" في محاولةٍ واضحة لتفصيل دستورٍ جديدٍ على المقاس".
وقال: "لجأ في ذلك إلى أداتين قانونيتين تُعدّان من أدنى درجات التدرّج التشريعي، هما المرسوم الرئاسي والقرار الإداري، لاستخدامهما كأداة لإسقاط التشريع الأعلى في الدولة، أي القانون الأساسي المعدّل (الدستور المؤقت). فالمرسوم والقرار، في هرم القواعد القانونية، أدنى مرتبة من النظام أو اللائحة التنفيذية من حيث القوة الإلزامية، ولا يُتصور عقلاً أو قانوناً أن يُنشئا دستوراً أو يُعدّلا أحكامه. ومع ذلك، أُريد لهذين الأداتين الأدنى أن يتقدّما على مصدر الشرعية الأعلى، وفي انتهاك صريحٍ للمادة (120) من القانون الأساسي الذي يحظر تعديل أي نص دستوري إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس التشريعي المنتخب".
ووفق عابدين؛ الرئيس يعلم جيداً أنه لا يستطيع أن يُضيف إلى نفسه أي صلاحية جديدة إلا عبر تعديلٍ دستوريّ وفق المادة (120) من القانون الأساسي المعدل، وهي من أبرز المواد التي جرى تعديلها عام 2003، وأدت مع غيرها إلى تحوّل جوهري في النظام السياسي الفلسطيني نحو النظام البرلماني. ومع ذلك، يسعى اليوم، تحت شعار "الإصلاح"، إلى إحياء نظام رئاسي بصلاحياتٍ مطلقة".
تُكرّس تفكيك النظام الدستوري
يقول د. عابدين: "يُعيد هذا المرسوم إنتاج منهج ما وصفه "الغرف المظلمة" الذي هيمن على العملية التشريعية الفلسطينية طيلة العقدين الماضيين، باحتكار السلطات كافة بيد الرئيس خلافاً للقانون الأساسي، ومصادرة صلاحيات الرقابة والمساءلة، واستبدال المؤسسات المنتخبة بمراسيم وقرارات تصدر باسم "الإصلاح" وهي تُكرّس فعلياً تفكيك النظام الدستوري وتقويض مبدأ سيادة القانون. وبناءً على ذلك، فإنّ المرسوم الرئاسي رقم (4) لسنة 2025 بشأن تشكيل لجنة صياغة الدستور المؤقت يُعدّ مُنعدماً من الناحية الدستورية، لصدوره خارج حدود الصلاحيات الحصرية المقررة في القانون الأساسي الفلسطيني المعدّل، ولاغيا في آثاره القانونية كافة. فهو لم يصدر استناداً إلى تفويضٍ شعبي أو مؤسسة منتخبة أو سندٍ دستوريٍّ مشروع، بل استند إلى سلطة فردية منتهية الولاية منذ سنوات طويلة، ما يجعله عملا منعدم الأثر لا يُنشئ التزاماً ولا يُرتّب نتيجة. والقاعدة المستقرة في الفقه الدستوري أنَّ ما بُني على باطل فهو باطل لا محالة، وأن ما صدر عن غير ذي ولاية هو والعدم سواء".
غياب أي عملية تشاورية أو آلية ديمقراطية
ويؤكد عابدين على أن بنية القرار وطريقة صدوره تكشف غياب أي عملية تشاورية أو آلية ديمقراطية أو شفافية في الاختيار، إذ تمّ إقصاء القوى السياسية والمجتمعية، والاتحادات والنقابات، والنساء والشباب، وإقصاء الخصوم والمعارضين السياسيين، في مقابل تمكين دائرة ضيقة من صياغة "دستورٍ على المقاس". وهو بذلك يُكرّس منطق الولاء بدل الشرعية، والطاعة بدل المشاركة، ويحوّل فكرة الدستور إلى امتداد للمرسوم الذي وُلد خارج رحم الشرعية الدستورية".
ويقول عابدين: "الإصلاح الحقيقي لا يُملى من فوق، ولا يُدار بقراراتٍ في غرفٍ مُظلمة، ولا يقوم على الإقصاء، بل ينبع من إرادةٍ وطنيةٍ جادّةٍ وجامعة، منبثقة من الشعب، ففي فلسفة القانون الدستوري، لا يُنشئ الباطل حقاً، ولا تُبنى الشرعية على العدم. إنّ الدستور هو التشريع الأعلى في الدولة، لا يصدر بقرارٍ أو مرسوم، بل بعمليةٍ تأسيسيةٍ تشاركيةٍ تُعبّر عن الإرادة العامة للشعب، مصدر السلطات وأصل السيادة".
ويتابع: "إنّ ما يجري اليوم ليس انتقالاً من السلطة إلى الدولة، بل انتقالٌ من الدستور إلى المرسوم، ومن الشرعية إلى الفردانية، ومن حكم القانون إلى حكم الفرد، وتلك ليست أزمة نصوص بقدر ما هي أزمة احترام لجوهر الدستور وروحه ومقاصده، وتحويله من وثيقةٍ للحرية إلى أداةٍ لتأبيد سلطة الفرد".
نحو استعادة الشرعية الدستورية وبناء الأمل
ويرى د. عابدين: "أنّ المخرج من هذا الانهيار الدستوري لا يكون بمرسومٍ جديد، ولا بقراراتٍ فوقية، بل بعودة الوعي الوطني والتنظيم والمشاركة المجتمعية إلى أصلها، إلى إرادة الشعب، مصدر السلطات وأساس الشرعية. فاستعادة النظام السياسي لا تتحقق إلا من خلال انتخاباتٍ عامةٍ وشاملةٍ وحرةٍ ونزيهة في أقرب فرصة، تُعيد الاعتبار للقانون الأساسي الفلسطيني المعدل بوصفه العقد الاجتماعي الجامع، وتُرسّخ مبدأ الفصل بين السلطات، وتعيد للشعب ثقته بأنّ صوته هو مصدر الشرعية لا إرادة الفرد".
ويؤكد: "لا يمكن لأيّ إصلاحٍ حقيقي أن يتحقق دون ترتيب البيت الداخلي على أسسٍ من المساءلة والشفافية وسيادة القانون ومرتكزات الحكم الصالح، ودون برنامج عدالة انتقالية شامل، ويُعيد الاعتبار لقيم الحرية والمواطنة المتساوية والكرامة الإنسانية، ويضمن الإنصاف للضحايا والمهمّشين والمحرومين من دائرة القرار والسياسة والحياة العامة. كما أكّد إعلان بكين 2024 بالنص الصريح على ضرورة الالتزام بالقانون الأساسي الفلسطيني المعدّل باعتباره المرجعية الوطنية الجامعة لاستعادة الوحدة وإنهاء حالة الانقسام والتشظي".
وقال: "استعادة النظام الدستوري لا تتحقق فقط عبر صناديق الاقتراع، بل تتطلب بالتوازي برنامج عدالة انتقالية شاملا، والعمل على إعادة بناء الثقة بين الشعب والدولة التي يبحث عنها، الدولة التي تُجسّد إرادته، وإنّ طريق الحرية تبدأ من تعزيز صمود الناس المنهكين على أرضهم، لا من استنزاف طاقاتهم في زمن الإبادة الجماعية والتهجير. فالدستور ليس نصّاً يُحفظ في الأدراج، بل عهدٌ بين الناس والأرض، وروحُ عدالةٍ تسري في تفاصيل حياتهم اليومية".
احترام القانون الأساسي المعدّل واجبٌ وطنيٌّ وأمانةٌ تاريخية
ويؤكد د. عابدين: "إنّ احترام القانون الأساسي الفلسطيني المعدّل ليس منّة من أحد، بل واجبٌ وطنيٌّ وأمانةٌ تاريخية، ومن هنا، فإنّ إطلاق حملةٍ وطنيةٍ شاملةٍ للدفاع عن القانون الأساسي الفلسطيني بات استحقاقاً وطنياً بامتياز، ومظلّةً جامعة لكل القوى الحيّة والاتحادات والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني دفاعاً عن الحقوق والحريات والمبادئ والقيم، وفضاءً مفتوحاً للشباب والنساء والطبقات الشعبية للمطالبة باحترام القانون الأساسي وصون الإرادة الشعبية من السقوط. وتحت راية هذه الحملة الوطنية الجامعة، تُجرى انتخاباتٌ عامة وشاملة وحرة في أقرب فرصةٍ ممكنة، وتُعيد إنتاج الشرعية الدستورية على أسسٍ ديمقراطيةٍ تُكرّس مبدأ التداول السلمي للسلطة، وتفتح الطريق أمام برنامج عدالةٍ انتقاليةٍ شاملٍ، ويُعلي قيم الحرية والمواطنة والكرامة".
مشروع الدستور ومشروعية الإعداد
ويتفق د. حسن سليم - أستاذ القانون الدستوري، مع الآخرين حول أنه كان من المتعيّن أن يتم إعداده وإقراره في سياق وطني جامع يرتقي إلى مستوى مكانته كعقد اجتماعي، يقوم على الحوار العام والمشاركة الشعبية الواسعة، ويكفل توافقاً وطنياً حقيقياً، ويحول دون تحويله إلى أداة لتكريس واقع سياسي قائم أو فرض رؤية أحادية على مستقبل النظام السياسي، ضمن مسار دستوري منضبط يستوفي متطلبات الشرعية الإجرائية والموضوعية، ويحمي النص الدستوري من التوظيف السياسي الظرفي.
ويقول د. سليم: "إن أول ما يُؤخذ على المشروع الحالي هو محدودية المشاركة المجتمعية والسياسية في عملية إعداده، إذ اقتصر العمل عليه على لجنة ذات طابع سياسي وقانوني تم تشكيلها بقرار إداري، دون أن تكون نتاج عملية انتخابية أو توافق وطني شامل، الأمر الذي أضعف من الطابع التمثيلي لعملية الصياغة، وحال دون انخراط القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات والجامعات وسائر مكونات المجتمع في مناقشة الأسس الدستورية للدولة المنشودة".
وفي هذا الإطار، يؤكد د. سليم: على أنه تجدر التفرقة بوضوح بين توصيف ما تم إعداده بوصفه مسودة لمشروع دستور صاغتها لجنة فنية سياسية–قانونية، وبين مشروع دستور تعده هيئة تأسيسية منتخبة خصيصاً لهذا الغرض، تستمد شرعيتها من تفويض شعبي مباشر، "وعليه، فإن الإشكالية والجدل المثار لا ينبغي أن يتعلق فقط بمضمون مشروع الدستور، وإنما بالمنهج الذي تم اعتماده في إعداده، وما يجب أن يتم في إقراره".
وعطفا على ما سلف، يقول د. سليم: "إن مشروع الدستور لا يجب أن يكون موضع انقسام جديد، بل فرصة لإعادة بناء التوافق الوطني على أسس دستورية ديمقراطية، ويقتضي ذلك فتح حوار وطني شامل حول مضامينه، وإشراك القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والخبراء القانونيين، وصولاً إلى صيغة تعبر عن الإرادة العامة وتحظى بشرعية شعبية حقيقية، تتم ضمن مسار تشاركي ووطني جامع ليكون الدستور تعبيراً عن الشعب لا عن السلطة".
ضعف التأصيل الوطني والسيادي
وبناءً على تحليله مسودة الدستور يرصد أ. د. زاهر كحيل – رئيس المجلس الفلسطيني للتنمية والإعمار ورئيس جامعة فلسطين الأسبق في قطاع غزة، عددا من نقاط الضعف والنواقص الجوهرية، خصوصاً في ما يتعلق بـ البعد الوطني والقضية الفلسطينية، وذلك على مستويات: ضعف التأصيل الوطني والسيادي حيث هناك غياب تعريف صريح لطبيعة الدولة تحت الاحتلال، ويتعامل الدستور مع فلسطين كدولة مكتملة السيادة، دون معالجة الواقع الحقيقي، فلا يوجد نص يعترف بأن الدولة تحت احتلال عسكري، كما لا يوجد إطار دستوري لإدارة الدولة في ظل الاحتلال.
وقال: "هناك نقص خطير لأن الدستور يجب أن يحدد أن الاحتلال حالة مؤقتة غير شرعية، ويربط كل السلطات بواجب إنهاء الاحتلال لا التعايش معه".
تمييع مفهوم التحرر الوطني
ويؤكد د. كحيل، أن المسودة تختزل القضية في "حقوق مدنية"، وتركز نصوصه على الحريات الفردية، الديمقراطية الإجرائية، والفصل بين السلطات. ويقول: "لكن لا يوجد مفهوم واضح لـمشروع تحرر وطني، ولا ذكر لدور الدولة في مقاومة الاحتلال سياسيا وقانونياً وشعبيا، فالدستور أقرب إلى دستور دولة مستقرة في أوروبا وليس دستور شعب واقع تحت استعمار استيطاني".
ويلاحظ د. كحيل، إهمال حق العودة والشتات وغياب مركزية اللاجئين رغم أن أكثر من 50% من الشعب الفلسطيني في الشتات، ويقول: "مع أن حق العودة هو جوهر الصراع إلا أنه لا يوجد باب دستوري خاص باللاجئين ولا آلية دستورية لتمثيلهم ولا التزام قانوني صريح بإعادتهم، وهذا يعني عمليا أن الدستور يقنن فصل الشتات عن الوطن سياسيا".
ضعف تعريف الهوية الوطنية
ويؤكد د. كحيل، أن الهوية في الدستور فضفاضة بلا مضمون كفاحي، ثقافي، لغوي، ديني، وتفتقر إلى تعريف فلسطين كـقضية تحرر من استعمار استيطاني، وتعريف الشعب كشعب تحت كفاح تاريخي مستمر. ويقول موضحا: "الهوية الدستورية هنا هي "هوية رمزية" لا "هوية صراعية".
تجاهل الصهيونية كخطر بنيوي
ويرى د. كحيل، غياب توصيف العدو فلا يوجد أي ذكر للصهيونية، وأي تعريف دستوري لطبيعة الكيان المحتل، وأي توصيف للعدو كمنظومة استعمارية عنصرية. بينما الدساتير التحررية عادة: تُسمي العدو صراحة (كما في دساتير الجزائر، جنوب أفريقيا سابقاً).
إفراغ منظمة التحرير من بعدها التاريخي
ويؤكد د. كحيل أن مسودة الدستور تفرغ منظمة التحرير من بعدها التاريخي وتهميش مرجعيتها رغم أنها الممثل الشرعي التاريخي للشعب الفلسطيني. إلا أن الدستور لا يربط الدولة بها عضوياً ولا يجعلها مرجعية سيادية فوق السلطة وكأن الدولة تبدأ من الصفر، دون ذاكرة نضالية.
غياب مفهوم السيادة على الأرض
كما ويؤكد غياب مفهوم السيادة على الأرض فلا تعريف واضح للحدود والأرض ولا يوجد نص حاسم حول: فلسطين التاريخية، وحدود 1967 كحد أدنى، والقدس عاصمة أبدية غير قابلة للتفاوض، فالصياغات فضفاضة ومفتوحة للتأويل السياسي.
غياب الاقتصاد التحرري
ويؤكد د. كحيل غياب الاقتصاد التحرري من الدستور وبلا بعد سيادي؛ ليبرالي، سوق مفتوح، استثمار أجنبي. لكن لا يوجد مفهوم للاقتصاد المقاوم وتحرر من التبعية للاحتلال وسيادة على الموارد.
يقول د. كحيل: "الدستور يعاني من خلل جوهري وهو دستور دولة طبيعية بلا قضية وطنية، بينما فلسطين تحتاج إلى دستور دولة تحت استعمار لا دولة ما بعد الاستقلال".
ويتابع: "لكي يكون دستورا وطنيا حقيقيا، يجب أن يضاف باب كامل بعنوان: "الدولة تحت الاحتلال والتحرر الوطني"، نص دستوري صريح يعتبر الصهيونية مشروعاً استعمارياً، ويجرّم التطبيع الدستوري، ويثبت حق المقاومة بكل أشكالها المشروعة، وتمثيل دستوري للشتات مجلس وطني للمهجرين، حق انتخابهم المباشر، ربط الدولة عضوياً بمنظمة التحرير".
التقييم النهائي
ويستنتج د. كحيل من منظور وطني فلسطيني، أن السيادة ضعيفة والهوية النضالية شبه غائبة، وحق العودة مهمّش، ومقاومة الاحتلال غير موجودة، والذاكرة التاريخية مفصولة وتمثيل الشتات غائب، وباختصار: هذا الدستور يصلح لدولة اسمها فلسطين، لكنه لا يصلح لشعب اسمه الشعب الفلسطيني.
ملاحظات على النصوص الناظمة للسلطة القضائية
بدوره يؤكد المحامي إبراهيم البرغوثي- مسؤول الشؤون السياساتية والقانونية في المركز الفلسطيني لاستقلال المحاماة والقضاء – مساواة، مراجعة أحكام ونصوص الباب السادس من مسودة الدستور المؤقت (۱۲۰-۱۳۹) الناظم للسلطة القضائية، وقال: "استوقفنا عدد من الملاحظات الإيجابية، والمآخذ عليها.
الملاحظات الإيجابية، وفق البرغوثي، هي تضمين النصوص آلية اختيار رئيس مجلس القضاء الأعلى بحيث يتم الاختيار من قبل أعضاء مجلس القضاء الأعلى. وتحديد مدة زمنية محددة لولاية النائب العام، وتحديد طريقة اختيار قضاة المحكمة الدستورية بمشاركة متساوية بين رئيس الدولة ومجلس النواب ومجلس القضاء الأعلى بواقع ثلاثة أعضاء لكل منهم.
بينما تتمثل المآخذ على باب السلطة القضائية في خلو النصوص الناظمة للسلطة القضائية على نص صريح يشير إلى ضرورة مصادقة مجلس النواب على تعيين رئيس مجلس القضاء الأعلى. وخلوها لحلف رئيس مجلس القضاء الأعلى المعين لليمين من أدائها بحضور رئيس مجلس النواب باعتباره رئيسا للسلطة التشريعية. وخلوها لتعيين النائب العام من النص صراحة على مصادقة مجلس النواب على التعيين، وحضور رئيس مجلس النواب حلف اليمين القانونية من قبل النائب العام المعين.
ويتابع البرغوثي: "ولم يتضمن الباب الخاص بالسلطة القضائية النص على حق القضاة في حرية الرأي والتعبير وحقهم في تشكيل الجمعيات الخاصة بهم، وهما من أهم الضمانات والحقوق التي كفلتها المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية التي اعتمدت ونشرت بموجب قراري الجمعية العامة للأمم المتحدة ٣٢/٤٠ المؤرخ في ۲۹ تشرين الثاني / نوفمبر ،١٩٨٥ والقرار رقم ٤٠/١٤٦ المؤرخ في (۱۳ كانون الأول ديسمبر ١٩٨٥)، ولا على ضمانات المحاكمة العادلة وفق ما جاء به العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كما لم يتضمن نصا يلغي عقوبة الإعدام الذي لم يرد في أي باب من أبواب الدستور المؤقت، ولم يتضمن نصاً صريحاً يشير إلى مبدأ سرعة الفصل في القضايا خلال مدة معقولة أسوة بما استقر عليه الحال في الكثير من دول العالم، وأكدت عليه المواثيق الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان، ولا على نص صريح يمنح محكمة النقض صلاحية النظر والفصل في الطعون بالأحكام الصادرة عن القضاء العسكري أسوة بما هو معمول به في العديد من الدول العربية ومنها الأردن، ولم يتضمن نصاً صريحاً يشير إلى اختصاص المحكمة الدستورية في الرقابة السابقة على دستورية التشريعات.
وقال البرغوثي: "ما ورد في باب السلطة القضائية والناظم لاختيار رئيس المحكمة الدستورية من قبل الرئيس يمس باستقلالية المحكمة ويجب إسناد اختيار رئيسها بالجمعية العمومية للمحكمة أو هيئتها العامة، ويجب الإشارة إلى أدائه اليمين بحضور رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس القضاء الأعلى".
وأشار البرغوثي، إلى استبدال مصطلح مهنة القضاء إلى الوظيفة القضائية كون القضاء سلطة وكذا الإشارة الصريحة لخضوع العسكريين أو أعضاء قوى الأمن للقضاء النظامي في كل تصرف والتزام يقع عليهم بصفاتهم الشخصية بما يشمل التزاماتهم المدنية وما قد ينسب لهم من أفعال جزائية.
كما ويؤكد البرغوثي، على خلو النصوص من الإشارة إلى اختصاص المحاكم النظامية (القضاء المدني) في النظر والفصل في قضايا التعذيب لا سيما وأن هذه القضايا تنظر حاليا من قبل القضاء العسكري ما يؤثر سلبا على مبدأ حياد القضاء وخاصة أن غالبية هذه الجرائم يتهم بارتكابها أعضاء في قوى الأمن.
(المسودة) تصلح أن تكون أرضية للنقاش والحوار الوطني
أما د. عمار الدويك – عضو لجنة صياغة الدستور/ مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، فيؤكد على ما تبذله لجنة صياغة الدستور من جهود كبيرة جدا في إعداد المسودة والتي يعتبرها متقدمة وجيدة جدا على حد تقييمه ووصفه.
ويقول د. الدويك: "رغم أنني كعضو سجلت بعض الملاحظات والتحفظات على مسودة الدستور، إلا أنها بالمجمل وبصيغتها المنشورة متقدمة وتصلح أن تكون أرضية للنقاش والحوار الوطني وتسجيل الملاحظات عليها تمهيدا لإقرار الدستور في استفتاء شعبي كما هو وارد في مسودته في المادة (162)".
النظام السياسي الفلسطيني يمر الآن في مرحلة خطر وجودي
ولا يريد د. الدويك تحميل وثيقة مشروع الدستور أكثر مما تحتمل في قضية الاستيلاء على الأراضي بموجب قرارات "الكابينت" الإسرائيلي، لكنه يعتقد أن النظام السياسي الفلسطيني الذي يمر الآن في مرحلة خطر وجودي ومحاولة فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة من الممكن إذا أحسن إدارة عملية إقرار الدستور والتوافق عليه، أن يشكل مدخلا لإعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني وتأكيد الوحدة ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
يشكل أرضية لعقد اجتماعي وسياسي جديد
ويؤكد د. الدويك أنه من الممكن أن يشكل هذا الدستور أرضية لعقد اجتماعي وسياسي جديد تتبعه انتخابات عامة لانتخاب برلمان أو مجلس نواب، وبالتالي إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على أسس جديدة، "هذا إذا أحسن إدارة عملية التوافق وهو ما نأمله، لكن لا شك أن هناك مخاطرة إذا لم يحسن عملية إدارة عملية إقراره فقد يصبح مدخلا لمزيد من التشرذم الفلسطيني".
خطوات إعداده وإقراره تسير بشكل صحيح
ويرى د. الدويك، أن خطوات إعداد وإقرار الدستور تسير بشكل صحيح من حيث نشر مسودته للجميع بشفافية ووضعها على منصة ودعوة الجميع لتقديم ملاحظاتهم عليها، ويأمل أن تجرى حوارات وطنية سياسية حوله وإقراره وصولا إلى إعداد مسودة نهائية تخضع للاستفتاء الشعبي العام.
وقال: "عندما تحدثنا مع الرئيس محمود عباس على الاستفتاء الشعبي، فقد رحب بالفكرة ولم نسمع أن هناك من يرفضها رسميا، وبالتالي فإن هذه المسودة جيدة رغم وجود ملاحظات يمكن تطويرها ومن المؤكد هناك ملاحظات يمكن أن يقدمها الخبراء والأكاديميون والمواطنون والمؤسسات ومن المفروض النظر في أية ملاحظات تقدم بجدية ودراستها بهدف تطوير المسودة، ونأمل أن تدار عملية إقرار الدستور بشكل مسؤول من الجميع وأن لا يكون تسرع وحدية من الفصائل ضد الدستور وإنما دراسته بتأنٍ".
ويتابع د. الدويك: "في ظل الخطر الوجودي الذي نواجهه يمكن أن تساهم هذه الورقة ضمن خطوات حوار وطني في تعزيز وحدة الضفة وغزة وإعادة بناء النظام السياسي على أسس ديمقراطية جديدة وهذا ما نأمله وإذا أحسن استخدامه ولكن توجد مخاطرة دائما موجودة".
سيناريوهان متفائل ومتشائم
يقول د. الدويك: "هناك سيناريوهان أحدهما متفائل بأن يحسن إدارة إقرار هذه الوثيقة بحيث تصبح مدخلا لإعادة بناء النظام السياسي على أسس عقد سياسي واجتماعي جديد. والآخر متشائم يمكن أن يؤدي إلى مزيد من الشرذمة نأمل ونضغط باتجاه السيناريو المتفائل وهذا دورنا ومسؤوليتنا ولا نتخذ مواقف مسبقة ونبدأ بالتشكيك ونحن مع التعامل بإيجابية مع هذه الوثيقة".
المصدر:
الحدث