أكد الصحفي البريطاني مهدي حسن، مؤسس شركة «زيتيو» الإعلامية أن المقابلة الأخيرة التي أجراها الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون مع السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي لم تكن مجرد مادة إعلامية عابرة، بل تحولت إلى شرارة لأزمة دبلوماسية عالمية. المقابلة التي تجاوزت مشاهداتها الملايين على منصتي «إكس» و«يوتيوب»، أثارت ردود فعل غاضبة من أكثر من اثنتي عشرة دولة ذات أغلبية مسلمة، وصفت تصريحات السفير بالتحريضية والخطيرة.
وأوضح حسن في قراءته التحليلية أن جوهر الأزمة يكمن في دفاع هاكابي عن ما أسماه «الحق التوراتي» لإسرائيل في السيطرة على مناطق واسعة في الشرق الأوسط. هذا الطرح الديني والسياسي المتطرف دفع دولاً عديدة لإصدار بيان مشترك يحذر من تداعيات هذه التصريحات على الاستقرار الإقليمي، معتبرين أنها تعكس توجهاً يتجاوز الأعراف الدبلوماسية الدولية.
ورغم إشادة حسن بجرأة كارلسون في طرح بعض الأسئلة التي تتجنبها وسائل الإعلام التقليدية، إلا أنه انتقد بشدة فشل المذيع في تفنيد سلسلة من الادعاءات الكاذبة التي ساقها هاكابي خلال اللقاء الذي استمر لساعتين ونصف. واعتبر حسن أن السفير الأمريكي قدم إحصاءات مزيفة وجداول زمنية مضللة تخدم الرواية الصهيونية بالكامل دون مراجعة دقيقة.
ومن أبرز المغالطات التي رصدها حسن، ادعاء هاكابي بأنه لم يُسأل قط عن جوناثان بولارد، المحلل الاستخباراتي المدان بالتجسس لصالح إسرائيل. ووصف حسن هذا التصريح بأنه «كذبة صارخة»، مذكراً بأن المراسلة نيريا كراوس كانت قد واجهت هاكابي بهذا الملف في يناير الماضي، مما يعكس محاولة السفير تزييف الواقع الإعلامي المحيط به.
وفي الجانب التاريخي، فند حسن مزاعم هاكابي بأن إسرائيل كانت في حالة دفاع عن النفس خلال حروب 1956 و1967. وأوضح أن أزمة السويس بدأت بهجوم إسرائيلي مخطط له مسبقاً على سيناء، بينما بدأت حرب الأيام الستة بضربة جوية إسرائيلية مباغتة للمطارات المصرية، وهو ما أكده قادة إسرائيليون سابقون مثل مناحيم بيغن في تصريحات لاحقة.
وتطرق التحليل أيضاً إلى الخلط التاريخي الذي وقع فيه السفير بشأن «إعلان بلفور»، حيث أوضح حسن أن الإعلان صدر عام 1917 حين كانت فلسطين تحت الحكم العثماني، وليس خلال الانتداب البريطاني كما لمّح هاكابي. كما شدد حسن على أن الإعلان نفسه تضمن نصاً يحمي الحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية، وهو ما يتجاهله الخطاب اليميني المتطرف عادة.
وعلى صعيد الأرقام، كشف مهدي حسن عن عدم دقة معلومات هاكابي بشأن الوجود المسيحي في المنطقة، حيث زعم السفير أن عدد المسيحيين في إسرائيل يفوق عددهم في قطر. وبالعودة إلى البيانات الرسمية، تبين أن عدد المسيحيين في قطر يتجاوز 340 ألفاً، وهو ما يمثل ضعف عددهم تقريباً في إسرائيل البالغ نحو 182 ألفاً وفقاً لإحصاءات عام 2022.
واعتبر حسن أن أداء هاكابي في المقابلة يجعله يبدو «سفيراً لإسرائيل في واشنطن» بدلاً من كونه ممثلاً للمصالح الأمريكية في تل أبيب. هذا الانحياز الكامل، بحسب المقال، يضعف من مصداقية الدور الدبلوماسي الأمريكي ويؤجج المشاعر المناهضة للسياسات المنحازة في العالم الإسلامي، خاصة في ظل حساسية ملف القدس والأراضي المحتلة.
كما انتقد حسن صمت وسائل الإعلام السائدة تجاه الادعاءات «الخيالية» التي يطلقها المسؤولون المؤيدون لإسرائيل، متسائلاً عن غياب أسئلة المتابعة الجادة التي تضع هؤلاء المسؤولين أمام مسؤولياتهم القانونية والتاريخية. ورأى أن تجربة كارلسون، رغم ثغراتها، كشفت عن فجوة كبيرة في كيفية تغطية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إعلامياً.
وخلص الصحفي البريطاني إلى أن تصريحات هاكابي تجاوزت حدود الجدل السياسي الداخلي لتصبح عبئاً دبلوماسياً حقيقياً، حيث تعكس هذه التصريحات رؤية أيديولوجية تصادمية لا تعترف بالحقوق الفلسطينية المشروعة. وأشار إلى أن مثل هذه المواقف تعزز حالة الاحتقان الدولي وتصعب من فرص الوصول إلى تسويات سياسية عادلة في المنطقة.
وفي ختام مقاله، شدد مهدي حسن على ضرورة توخي الدقة في نقل الحقائق التاريخية المتعلقة بالصراع، محذراً من خطورة تبني الروايات الدينية لتبرير التوسع السياسي. وأكد أن الأزمة الدبلوماسية التي تسببت فيها المقابلة هي نتيجة طبيعية لتجاهل الحقائق الميدانية والقانونية لصالح أيديولوجيات متطرفة تجد طريقها الآن إلى أروقة الدبلوماسية الرسمية.
المصدر:
القدس