وسط أنقاض حي الكرامة المدمر، يقف المواطن أحمد منصور (45 عاماً) مكافحاً لإزالة ركام منزله بيديه المجردة، في مشهد يختصر واقع آلاف العائلات التي ضاقت بها سبل السكن والمخيمات المكتظة. يضطر منصور لهدم ما تبقى من جدران منزله الآيلة للسقوط بنفسه، تمهيداً لنصب خيمة تأويه وعائلته فوق الأرض التي نشأ فيها، معتبراً أن العودة إلى الركام هي إعلان تمسك بالمكان ورفض للتهجير.
تتحول مناطق شمال قطاع غزة، مثل الشيخ رضوان والتوام والكرامة، إلى ورش عمل شعبية لا تهدأ تحت شمس لاهبة وغبار كثيف. هناك، لا ينتظر المواطنون قرارات دولية أو خطط إعمار رسمية، بل يبدأون صياغة حياتهم الجديدة بجرار بلاستيكية ومقصات حديدية يدوية، محولين 'إسمنت الموت' إلى لبنات أولى في صرح صمودهم اليومي.
المشهد الميداني يضج بحركة الشباب الذين يرفعون قوالب الطوب الثقيلة وكأنهم يرممون شظايا ذكرياتهم، بينما تدق المطارق اليدوية كتل الخرسانة بإيقاع رتيب يمثل صوت المقاومة الحقيقي. هؤلاء الرجال يحولون سواعدهم إلى رافعات بشرية، وأصابعهم التي أدمتها الحواف الخشنة إلى أدوات هندسية دقيقة تستخلص الأمل من قلب الألم.
تشير البيانات الإحصائية إلى كارثة عمرانية غير مسبوقة، حيث بلغت كمية الركام الناتج عن الحرب نحو 57.5 مليون طن وفقاً لتقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادر في ديسمبر 2025. هذا الرقم الضخم يعكس تدمير أو تضرر قرابة 80% من مباني القطاع، مما حول أحياء كاملة إلى طبقات متراكمة من الخرسانة المفتتة التي تسد الشوارع وتخنق الحياة.
الزيادة في حجم الأنقاض كانت مرعبة، فقد قفزت الكمية بنسبة تجاوزت 133% خلال أشهر قليلة، بعدما كانت تقدر بـ22.9 مليون طن في مطلع عام 2024. وتعكس هذه الأرقام تسارع وتيرة التدمير الممنهج الذي يمارسه الاحتلال، مما يضع غزة أمام واحدة من أعقد أزمات إدارة النفايات الإنشائية في التاريخ الحديث.
تؤكد التحليلات الأممية أن حجم الركام الحالي يفوق ما خلفته جميع الحروب الإسرائيلية على غزة منذ عام 2008 مجتمعة، وهو ما يضع السكان أمام تحدٍ يفوق القدرات التقليدية. ومع استمرار منع دخول المعدات الثقيلة، يجد الغزيون أنفسهم مضطرين للتعامل مع مواد مختلطة ومعقدة تحتاج لتقنيات فصل متطورة غير متوفرة حالياً.
في ظل هذا الواقع، برزت مبادرات محلية مثل فريق 'روافد' الذي أسسه باسم المدهون، والذي بدأ بمحاولة تنظيف منزله الخاص قبل أن تتحول الفكرة إلى عمل جماعي. يهدف الفريق إلى مساعدة الأهالي على تطهير حطام بيوتهم لتبدأ الحياة من جديد، معتمدين على أدوات بدائية وجرافات بسيطة لا تفي بحجم الكارثة.
على مقربة من مواقع الهدم، ينشط تجار الركام المعاد تدويره مثل 'أبو نائل'، الذي يعمل على استخراج أسياخ الحديد الملتوية وتقويمها يدوياً لبيعها بأسعار زهيدة. يقول أبو نائل إنهم يبحثون عن رزقهم وسط الموت، ويحاولون توفير بدائل للبناء في ظل انقطاع الإسمنت وإغلاق المصانع، لعل المواطن يجد جداراً يستند إليه بدلاً من الخيمة.
الواقع الاقتصادي المرير انعكس حتى على تجارة الركام، حيث ارتفع سعر قالب الطوب المستعمل من شيكل واحد قبل الحرب إلى أربعة شواكل حالياً بسبب ندرة المواد وتكاليف استخراجها يدوياً. ورغم هذا الارتفاع، يجد الكثير من النازحين أنفسهم عاجزين عن دفع الثمن، مما يفاقم من معاناة العيش في العراء أو تحت أقمشة الخيام المهترئة.
وصلت القسوة في غزة إلى حد استخدام الحجارة المستعملة والمنظفة من الركام لبناء القبور وتجهيزها للشهداء، في ظل انعدام المواد الإنشائية الجديدة. هنا تختلط ضرورة البقاء بوجع الوداع، حيث يصبح الحجر المستخرج من منزل مدمر هو نفسه المادة التي تواري جسد صاحب المنزل الذي ارتقى في القصف.
إن عمليات إزالة الركام في غزة ليست مجرد إجراء تقني لإفساح الطريق، بل هي فعل سيادي صغير تمارسه الأيادي العارية في مواجهة قرارات دولية وإقليمية تحاول إبقاء المكان معلقاً. كل حجر يُنقى من الغبار هو وعد بجدار مستقبلي، وكل سيخ حديد يُقوّم هو عصب جديد يشد أزر الأرض الممزقة بفعل الصواريخ.
تستمر الملحمة الشعبية في غزة لتقول للعالم إن الناس حين يُحرمون من مواد البناء الأساسية، فإنهم يصنعون إعمارهم بما تيسر من حطام الأمس. هذا المشهد الذي قد يبدو بدائياً، يمثل السردية الفلسطينية المضادة لفكرة التهجير، حيث يصر الغزيون على أن يولد البيت من الحطام، وتولد المدينة من جديد ولو بعد حين.
بين مقص يقطع الحديد وجرة تنقل الحصى، تتشكل يومياً ملامح صمود أسطوري يتجاوز لغة الأرقام والإحصائيات الباردة. إنها معركة إرادة يخوضها الإنسان الفلسطيني ضد محاولات محو وجوده العمراني، مؤكداً أن جذور البقاء في هذه الأرض أعمق من أن تطالها آلات الدمار أو سياسات الحصار.
المصدر:
القدس