تدرك القيادة الإسرائيلية وحلفاؤها أكثر من أي وقت مضى حجم التآكل الذي أصاب صورة الكيان وموقعه الدولي، خاصة مع اتساع نطاق جرائم الإبادة في قطاع غزة وتكريس نظام الفصل العنصري في عموم فلسطين المحتلة. هذا الوعي يدفع نحو محاولات يائسة لترميم السردية الصهيونية عبر استخدام القوة الغامرة كأداة هيمنة مدعومة برؤية أمريكية يمينية متطرفة.
تتجلى هذه الرؤية في تصريحات سفير إدارة ترامب في تل أبيب، مايك هاكابي، الذي لم يتوانَ عن تفسير الصهيونية وفق معتقدات توراتية تمنح إسرائيل حقاً مزعوماً في الأرض من الفرات إلى النيل. هذه التوجهات تكشف زيف الوعود الأمريكية السابقة بالسلام، وتؤكد أن الجهد المشترك الحالي يتركز على فرض واقع جديد يتجاوز كافة الحقوق الفلسطينية المشروعة.
في هذا السياق، يأتي حديث بنيامين نتنياهو عن مساعي حكومته لتشكيل حلف إقليمي لمواجهة ما وصفه بالمحورين 'السني والشيعي'، في محاولة لضمان متانة إسرائيل المستقبلية. هذا الطرح يعكس مأزقاً عميقاً ناتجاً عن الملاحقات الدولية بتهم جرائم الحرب، ويهدف لإيجاد مظلة إقليمية تحمي مشروع السيطرة النهائية على الأرض.
يشير المحور الذي يبشر به نتنياهو إلى احتمالية وجود ترتيبات أمريكية لتوجيه ضربات عسكرية أو ضغوط قصوى على إيران لإحداث تغيير في النظام القائم. ويبدو أن واشنطن تستخدم بوارجها وحاملات طائراتها لفرض مهل زمنية محددة، مما يمهد الطريق لتحالف 'وليد' يخدم المصالح الإسرائيلية والأمريكية على حساب الأمن القومي العربي.
المفارقة تكمن في غياب الردود العربية القوية تجاه تصريحات السفير الأمريكي التي تمس سيادة دول عربية وتلغي وجودها السياسي من الخارطة. وفي الوقت ذاته، يسرب نتنياهو معلومات عن قرب انضمام دول عربية لمحوره الخاص، مستغلاً حالة التشتت والمخاوف الداخلية التي يتم تضخيمها لصالح مشاريع لا تخدم سوى بقاء الأنظمة أو إضعاف القضية الفلسطينية.
إن محاولات إسرائيل بناء محور يحميها لن تكون بديلاً حقيقياً عن إرادة المقاومة التي تصدت لمشاريع التصفية طوال العقود الماضية. ورغم تفاخر الاحتلال بقدرته على حسم الصراع، إلا أن الواقع الميداني والسياسي يثبت أن القوة العسكرية وحدها لا يمكنها كسر إرادة الشعوب الساعية للتحرر واستعادة حقوقها المسلوبة.
تعتمد السياسة الإسرائيلية الحالية على تضليل ممنهج يروج لمنفعة متبادلة وتقارب بين الشعوب عبر بوابات الاقتصاد والأمن والمياه. لكن هذه الأوهام دُفنت عملياً تحت ركام غزة وأشلاء ضحاياها، حيث أثبتت آلة الحرب الإسرائيلية أن هدفها الحقيقي هو الاستيطان ومنع قيام أي كيان فلسطيني مستقل.
لقد حوصرت الرواية الإسرائيلية التي حاولت شيطنة الفلسطينيين وتصويرهم كـ 'وحوش بشرية' داخل أروقة محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية. وأصبح كل من يسعى لتوفير غطاء لهذه الجرائم مهدداً بالملاحقة القانونية كشريك في حرب الإبادة، مما أفقد الاحتلال ميزة 'الضحية' التي استثمرها لسنوات طويلة.
أثبتت التجربة الفلسطينية قدرة عالية على فضح المخططات المزعومة حول السلام الموهوم، وكشفت زيف المجتمع الدولي الذي ينافق سياسة الغطرسة الصهيونية. هذا الصمود هو ما يدفع نتنياهو اليوم للبحث عن محاور رديفة تحاول إغلاق دائرة النكبة الجديدة وتكريس نظام الأبارتايد كأمر واقع لا يمكن تغييره.
إن التضليل الإسرائيلي الأمريكي المكشوف أمام الشارع العربي سيعيد بناء حالة من العداء المرير والوعي بجسامة الخطر الصهيوني وأطماعه التوسعية. فالمشاريع التي تستهدف 'إسرائيل الكبرى' لم تعد مجرد نظريات، بل أصبحت سياسات معلنة يروج لها سفراء ودبلوماسيون في وضح النهار.
ستبقى القوى الحية في المنطقة في حالة تكاثر ووعي مستمر لمواجهة الأوهام الصهيونية التي تعتقد بقدرتها على سحق أصحاب الأرض والتاريخ. فالتاريخ لا يصنعه المتواطئون، بل تكتبه الشعوب التي ترفض تزييف إرادتها أو التنازل عن سيادتها الوطنية والقومية مهما بلغت التضحيات.
القلق الوجودي الذي يبديه قادة الاحتلال وإكثارهم من الحديث عن 'محاور تأمين الوجود' هو الدليل الأكبر على فشل مشروعهم في الاندماج بالمنطقة. فالمحور الذي يُبنى على دماء الأبرياء وأنقاض المدن لا يمكن أن يوفر أمناً مستداماً، بل يزرع بذور انفجار قادم يطيح بكل هذه الترتيبات الهشة.
في نهاية المطاف، يظل الرهان على الوعي الشعبي الفلسطيني والعربي هو الصخرة التي تتحطم عليها كل محاور التضليل الإسرائيلية. فالحقيقة التي كشفتها دماء غزة أقوى من أي ماكينة إعلامية، والعدالة الدولية وإن تأخرت، بدأت تضيق الخناق على المجرمين الذين ظنوا يوماً أنهم فوق القانون.
المصدر:
القدس