يشهد الشرق الأوسط منذ مطلع عام 2025 تحولات جذرية تجاوزت التوترات التقليدية، لتدخل المنطقة في طور إعادة تشكيل شاملة لمعادلاتها الأمنية والسياسية. وتتصدر حكومة الاحتلال برئاسة بنيامين نتنياهو هذا المشهد عبر تصعيد غير مسبوق في الخطاب الموجه ضد طهران، متجاوزةً سياسات الردع المعهودة نحو المطالبة بتغيير جذري في قواعد اللعبة الإقليمية.
ترافق هذا الخطاب التصعيدي مع تحركات عسكرية ميدانية ومناورات جوية بعيدة المدى، تهدف إلى إرسال رسائل واضحة حول جاهزية سلاح الجو الإسرائيلي للوصول إلى العمق الإيراني. وتسعى إسرائيل من خلال هذه التحركات إلى منع طهران من الاقتراب من العتبة النووية، وهو ما يضع المنطقة برمتها على حافة انفجار قد تطلقه أي شرارة غير محسوبة.
في المقابل، لم تكتفِ إيران بموقف المتفرج، بل عمدت إلى تثبيت معادلة ردع مضادة عبر استعراض قدراتها الصاروخية المتطورة وتكثيف المناورات البحرية في الممرات الاستراتيجية. كما فعلت طهران شبكة تحالفاتها الإقليمية لضمان أن أي ضربة عسكرية تستهدفها لن تظل محصورة في جغرافيا واحدة، بل ستمتد آثارها لتشمل جبهات متعددة.
أما الموقف الأمريكي في عهد دونالد ترامب، فقد بدا وكأنه يحاول الموازنة بين الالتزام المطلق بأمن إسرائيل وتجنب الانزلاق نحو حرب شاملة ومستنزفة. وتدرك واشنطن أن الانخراط في صراع واسع مع إيران قد يضعف قدرتها على مواجهة المنافسة الصينية المتصاعدة والتعقيدات المستمرة في الملف الروسي الأوكراني.
اتجهت الإدارة الأمريكية نتيجة هذه الحسابات إلى تعزيز الدفاعات الجوية في المنطقة وتحريك قطع بحرية استراتيجية في مياه الخليج، مع الحفاظ على مساحة رمادية بين الردع والتورط المباشر. وتعتبر هذه المساحة خطرة بطبيعتها، إذ تبقي كافة الاحتمالات مفتوحة أمام أي تصعيد ميداني قد يخرج عن السيطرة في أي لحظة.
مع الانتقال إلى النصف الثاني من عام 2025، تحولت المواجهة إلى مستوى العمليات غير المباشرة والحروب السيبرانية المكثفة بين الطرفين. وشهدت الساحة السورية ضربات إسرائيلية متلاحقة، بالتزامن مع ارتفاع حرارة الاشتباك على جبهة جنوب لبنان بين قوات الاحتلال وحزب الله، مما خلق حالة حرب منخفضة الوتيرة لكنها عالية المخاطر.
عادت فلسطين لتكون في قلب هذه المعادلة المعقدة، ليس فقط كساحة اشتباك يومي، بل كجزء حيوي من منظومة الردع المتبادل في الإقليم. وحاولت سلطات الاحتلال ربط التصعيد الميداني في الضفة الغربية وقطاع غزة بما تصفه بـ 'التحريض الإيراني'، في محاولة مكشوفة لشرعنة توسيع عملياتها العسكرية ضد الفلسطينيين.
من جهتها، ترى فصائل المقاومة الفلسطينية أن أي مواجهة كبرى في المنطقة لن تكون فلسطين بمعزل عنها، بل ستكون جزءاً أصيلاً من تداعياتها. ومع دخول عام 2026، بدأت التصريحات المتبادلة تأخذ طابع التمهيد النفسي والسياسي لاحتمال وقوع مواجهة مباشرة وشيكة بين الأطراف المتصارعة.
تشير المعطيات الميدانية إلى تكثيف المناورات الجوية الإسرائيلية ونشر منظومات دفاعية أمريكية إضافية، يقابلها إعلان إيراني صريح بأن الرد على أي استهداف سيكون مباشراً. وهذا المشهد يضع الكيان الإسرائيلي أمام اختبار داخلي قاسٍ، خاصة مع احتمال فتح جبهات متزامنة تمتد من الخليج وصولاً إلى الحدود اللبنانية والفلسطينية.
تعيش فلسطين في هذه اللحظات التاريخية في عين العاصفة، حيث تواجه تحدي التهميش السياسي في أروقة الدبلوماسية الدولية المنشغلة بالملف النووي. وفي الوقت ذاته، يفرض التصعيد الميداني نفسه بقوة، حيث يتحول أي حدث أمني في الأراضي المحتلة إلى رسالة سياسية وعسكرية ضمن صراع المحاور الكبرى.
يكمن الخطر الأكبر في استغلال الاحتلال لحالة الطوارئ الإقليمية لتنفيذ مخططات الضم والاستيطان وتسريع وتيرة تهويد القدس بعيداً عن الأضواء الدولية. ويخشى مراقبون أن تتحول الحرب مع إيران إلى غطاء مثالي لإعادة رسم الخارطة الديمغرافية والجغرافية في الضفة الغربية وفرض وقائع جديدة يصعب التراجع عنها مستقبلاً.
على الصعيد الدولي، تبرز روسيا كطرف مستفيد من إرباك السياسة الأمريكية في المنطقة، رغم عدم رغبتها في انفجار شامل يهدد مصالحها في سوريا. بينما تلتزم الصين بالحذر الشديد، حيث تضع أمن خطوط الطاقة والتجارة العالمية على رأس أولوياتها، مما يجعل الشرق الأوسط ساحة لتقاطع مصالح القوى العظمى.
يبقى احتمال الانفجار قائماً بقوة نتيجة كثافة التحشيد العسكري والخطاب التحريضي المستمر، حيث قد يؤدي أي خطأ تكتيكي إلى مواجهة شاملة. وأخطر ما في هذه المرحلة هو اعتياد المنطقة على فكرة الحرب وتحول التهديدات إلى واقع يومي، مما يهيئ البيئة السياسية لتقبل الصدام كخيار طبيعي ووحيد.
في الختام، تقف فلسطين بين مطرقة الاحتلال الذي يستثمر في الفوضى الإقليمية وسندان الصراع الذي قد يفتح جبهات متعددة دون ضمانات سياسية واضحة. ومع ذلك، يظل اليقين بأن أي ترتيبات مستقبلية للشرق الأوسط لن تكتمل دون حل عادل للقضية الفلسطينية، التي تظل جوهر الاستقرار أو الانفجار في هذه المنطقة.
المصدر:
القدس