يبرز فيلم 'فلسطين 36' كعمل درامي تاريخي ضخم من تأليف وإخراج آن ماري جاسر، حيث يجمع في إنتاجه تحالفاً دولياً شمل فلسطين والأردن والسعودية وقطر وعدة دول أوروبية. يضم العمل نخبة من أبرز الوجوه السينمائية العربية مثل هيام عباس وصالح بكري وظافر العابدين، مما منحه زخماً فنياً أهله للمنافسة العالمية.
انطلقت رحلة الفيلم من مهرجان تورنتو السينمائي الدولي، حيث حظي بعرضه العالمي الأول قبل أن يطوف بمهرجانات دولية أخرى حاصداً جوائز وترشيحات مرموقة. وقد توجت هذه المسيرة باختياره ليكون الممثل الرسمي لدولة فلسطين في سباق جوائز الأوسكار الثامن والتسعين عن فئة أفضل فيلم دولي.
تتمحور أحداث الفيلم حول حقبة مفصلية في التاريخ الفلسطيني، وهي الثورة الكبرى عام 1936 ضد الانتداب البريطاني. ولا يكتفي العمل برصد الجوانب العسكرية، بل يغوص في تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين في القرى والمدن، مبرزاً رغبتهم الفطرية في الحرية والعيش الطبيعي بعيداً عن قيود الاحتلال.
يسلط الفيلم الضوء على الضغوط المزدوجة التي واجهها السكان آنذاك، والمتمثلة في تعنت جنود الانتداب البريطاني من جهة، وتصاعد موجات الهجرة اليهودية من أوروبا من جهة أخرى. ويصور العمل كيف أُجبر الفلسطينيون على دفع أثمان باهظة لنتائج صراعات دولية لم يكونوا طرفاً فيها، في إشارة إلى تداعيات الحرب العالمية الثانية.
تتداخل في السرد السينمائي حياة الفلاحين مع رجال المقاومة والطبقة البرجوازية، مما يخلق لوحة اجتماعية متكاملة للمجتمع الفلسطيني في الثلاثينيات. ويسعى الفيلم لتحويل المادة التاريخية الجافة إلى تجربة إنسانية ملموسة، تركز على التحولات النفسية والأخلاقية التي طرأت على الشخصيات تحت وطأة الاستعمار.
تحاول المخرجة آن ماري جاسر الإجابة عن تساؤل جوهري حول كيفية تحول فلسطين من بلد تحت الانتداب إلى أرض مسلوبة تواجه خطر الإبادة. وتستعرض السنوات التي سبقت النكبة لتكشف عن التراكمات السياسية والاجتماعية التي مهدت الطريق للكارثة الكبرى التي وقعت في عام 1948.
يبرز الشاب 'يوسف'، الذي يؤدي دوره الفنان كريم داود، كحلقة وصل درامية بين عالمي المدينة والقرية في الفيلم. ورغم انجذابه لمظاهر الرخاء والحياة المخملية في المدينة، إلا أن جذوره الريفية تظل تشده بقوة نحو الأرض والمقاومة، مما يعكس الصراع الداخلي للهوية الفلسطينية.
على الصعيد الفني، يرى نقاد أن محاولة الفيلم تغطية كافة جوانب الحياة اليومية والسياسية أدت إلى ازدحام السرد بالشخصيات الثانوية. هذا التوسع أثر أحياناً على عمق بعض القصص الجانبية، مما جعلها تبدو مبتسرة ولم تمنح المشاهد فرصة كافية للتفاعل النفسي العميق مع كافة الخطوط الدرامية.
رغم هذا الازدحام، نجح الفيلم في تقديم بانوراما واسعة للمجتمع الفلسطيني، وإن كان ذلك قد جاء على حساب تطوير بعض الشخصيات المحورية. وقد أدى هذا التوجه إلى عدم استغلال كامل الطاقات التمثيلية للفريق الموهوب، حيث ظهر بعض النجوم في مشاهد محدودة قبل أن يتواروا عن مسار الأحداث الرئيسي.
يقدم 'فلسطين 36' المقاومة كفعل أخلاقي وفطري يتجاوز حدود العمل العسكري المنظم، حيث يشارك فيها الفلاح والمرأة والصحفية والطفل. وتظهر الثورة هنا كبنية حياة كاملة، تعبر عن رفض الظلم ومحاولة التصدي لمشروع استعماري صُمم بإحكام لفرض واقع جديد على الأرض.
يؤكد العمل أن النكبة لم تكن حدثاً مفاجئاً وقع في ليلة وضحاها، بل كانت نتيجة لسياسات ممنهجة بدأت تحت مظلة الانتداب البريطاني. ويبرز الفيلم كيف تم توفير الغطاء القانوني واللوجستي للمشروع الصهيوني من خلال التشريعات المنحازة وتسليح العصابات وتسهيل الهجرات المنظمة.
من خلال هذه الرؤية، يعيد الفيلم ترتيب الوعي الزمني للمأساة الفلسطينية، مشدداً على أن الخلل في ميزان العدالة بدأ مبكراً جداً. فالاحتلال المتلون الذي بدأ بالسيطرة على مفاصل الإدارة والأمن، كان يمهد الأرض لعملية إحلال شاملة ستنفجر آثارها لاحقاً في التهجير الجماعي.
في الختام، يظل فيلم 'فلسطين 36' وثيقة سينمائية هامة تسلط الضوء على مرحلة التأسيس للصراع المعاصر، متجاوزاً بعض العثرات الفنية في الكتابة. إنه عمل يحاول استعادة الذاكرة الجمعية وتوثيق الصمود الفلسطيني في وجه قوة استعمارية تفوقت في التنظيم والتسليح والدعم الدولي.
المصدر:
القدس