آخر الأخبار

ما هي البطاقة الممغنطة وكيف تقيد وصول الفلسطينيين للأقصى؟

شارك

مع إطلالة شهر رمضان المبارك من كل عام، تتجدد أشواق الفلسطينيين في الضفة الغربية للوصول إلى المسجد الأقصى المبارك، إلا أن هذه الرغبة تصطدم بجدار من الإجراءات الإسرائيلية المعقدة. وتأتي على رأس هذه القيود ضرورة الحصول على 'البطاقة الممغنطة'، التي تحولت من مجرد وثيقة تعريفية إلى أداة سياسية وأمنية تتحكم في حق العبادة والوصول إلى المقدسات.

تُعرف البطاقة الممغنطة بأنها بطاقة بلاستيكية مزودة بشريط إلكتروني يضم كافة البيانات الحيوية لصاحبها، بما في ذلك بصمات الأصابع والسجل الأمني. ولا يمكن لأي فلسطيني التقدم بطلب للحصول على تصريح دخول للقدس دون امتلاك هذه البطاقة، التي يتطلب استصدارها الوقوف في طوابير طويلة أمام مكاتب الإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال، والخضوع لفحص أمني دقيق.

تعتبر هذه البطاقة الركيزة الأساسية للمنظومة الرقمية التي يعتمدها الاحتلال عند الحواجز العسكرية، مثل حاجزي قلنديا و'قبة راحيل'. فمن خلال قراءة بيانات البطاقة إلكترونياً، يحدد الجنود إمكانية مرور الشخص من عدمه، وهو ما يحول عملية الوصول إلى الصلاة من قرار ديني فردي إلى إجراء إداري خاضع لمزاجية المنظومة الأمنية وتصنيفاتها.

أفادت مصادر مطلعة بأن سلطات الاحتلال تسعى من خلال فرض هذه البطاقة إلى تقليص أعداد المصلين بشكل ممنهج، حيث انخفض عدد المصلين في الجمعة الأولى من رمضان الحالي إلى نحو 80 ألفاً. ويعد هذا الرقم ضئيلاً مقارنة بالأعوام السابقة التي سبقت الحرب على غزة، حيث كانت الأعداد تتراوح ما بين 120 إلى 180 ألف مصلٍ.

تتجاوز أهداف البطاقة الممغنطة مجرد التنظيم المروري لتصل إلى منع الاعتكاف داخل المسجد الأقصى، إذ تشترط التصاريح المرتبطة بها عودة المصلين إلى الضفة الغربية قبل صلاة المغرب. هذا الإجراء يضمن للاحتلال خلو المسجد من مصلّي الضفة خلال صلوات التراويح، مما يحول دون تشكيل أي تجمعات اعتكافية كانت تشكل تاريخياً وسيلة لحماية المسجد.

يرى باحثون في شؤون القدس أن ما يجري هو محاولة لفرض واقع جديد يهدف لتهويد المسجد الأقصى وتحويله من مقدّس إسلامي خالص إلى مكان خاضع للتقاسم الزماني والمكاني. وتتجلى هذه السياسة في سحب الصلاحيات تدريجياً من دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن، وجعل شرطة الاحتلال هي المرجعية الإدارية والأمنية العليا داخل ساحات الحرم.

شهد العام الحالي إجراءات غير مسبوقة طالت أبسط الخدمات المقدمة للمصلين، حيث منعت سلطات الاحتلال إدخال وجبات الإفطار والسحور للصائمين وحراس المسجد. كما شملت التضييقات منع نصب المظلات الواقية من الشمس وعرقلة تشغيل العيادات الطبية الميدانية التي تخدم آلاف المصلين خلال أيام الجمع، في خطوة تهدف لإظهار السيادة الإسرائيلية المطلقة.

ما يحصل الآن هو فرض حقائق جديدة وتتويج لمسار طويل من تغيير طبيعة إدارة المسجد، لمحاولة القول إن شرطة الاحتلال باتت هي المدير الفعلي للأقصى.

أشارت مصادر مقدسيّة إلى أن الاحتلال حاول جرّ رئاسة دائرة الأوقاف الإسلامية لمراجعة مراكز الشرطة الإسرائيلية، وهو ما قوبل بالرفض القاطع للحفاظ على المرجعية العربية والإسلامية للمسجد. ورداً على هذا الموقف، صعدت سلطات الاحتلال من عقوباتها الجماعية ضد الدائرة وموظفيها، وعرقلت أعمال الصيانة والتجهيزات الروتينية لاستقبال شهر رمضان.

لم تقتصر القيود على أهالي الضفة الغربية، بل امتدت لتشمل سكان القدس والداخل المحتل عبر سياسة 'الإبعاد العشوائي'. فقد سلمت شرطة الاحتلال أوامر إبعاد لمئات المصلين، خاصة أولئك الذين يحرصون على الصلاة في الصفوف الأولى بالمصلى القبلي، وذلك لضمان تفريغ المسجد من الشخصيات الفاعلة والمؤثرة خلال الشهر الفضيل.

تعتمد استراتيجية الاحتلال الحالية على تصنيف المصلين إلى فئات، تهدف لترويض الشخصية الفلسطينية وفرزها بين 'مصلٍ مطيع' يسمح له بالدخول، و'مصلٍ مشاغب' يُمنع ويُلاحق أمنياً. هذا التصنيف يهدف لزرع شرخ اجتماعي داخل المجتمع الفلسطيني وتحويل قضية العبادة إلى مسألة 'طاعة' للمنظومة الأمنية الإسرائيلية مقابل الحصول على حقوق أساسية.

إن التحول من السيطرة الميدانية المباشرة عبر الجنود إلى الضبط الإداري الرقمي يعكس رغبة الاحتلال في مأسسة القمع وجعله جزءاً من قاعدة بيانات إلكترونية. فالبطاقة الممغنطة ليست مجرد وسيلة عبور، بل هي قيد رقمي يلاحق الفلسطيني في حركته وسكنه، ويجعل من حقه في الصلاة رهينة لموافقة 'الشاباك' وتحديثات أنظمته البرمجية.

في الجمعة الأولى من رمضان، مُنع مئات الفلسطينيين من تجاوز الحواجز العسكرية بحجة عدم سريان مفعول البطاقة الممغنطة أو عدم الحصول على التصريح الإلكتروني اللازم. وترافق ذلك مع اعتداءات ميدانية وتدقيق مهين في الهويات، مما أدى إلى حالة من التوتر الشديد على المداخل الرئيسية لمدينة القدس المحتلة.

تؤكد التقارير الميدانية أن هذه الإجراءات تندرج ضمن مسار طويل لانتزاع إدارة الوجود الإسلامي في الأقصى، وتحويل دائرة الأوقاف من جهة مديرة للمسجد إلى أداة تنفيذية تعمل تحت إمرة الشرطة. هذا التغيير الشامل في 'الوضع القائم' (Status Quo) يمثل خطورة بالغة على مستقبل المسجد الأقصى كونه يمهد لفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليه.

يبقى الصمود الفلسطيني في وجه هذه المنظومة الرقمية والأمنية هو العائق الوحيد أمام مخططات الاحتلال، حيث يصر الآلاف على الوصول للأقصى رغم كل المعوقات. وتظل البطاقة الممغنطة شاهداً على محاولات الاحتلال المستمرة لتحويل العبادة إلى عبء إداري، في صراع إرادات لا يتوقف عند بوابات القدس وحواجزها العسكرية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا