تتسارع خطى الحكومة الإسرائيلية في فرض هيمنتها على مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية، متجاوزة التقسيمات التي أقرتها اتفاقية أوسلو. ولا تقتصر هذه الإجراءات على المناطق المصنفة 'ج'، بل تمتد لتشمل المناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية في تصنيفي 'أ' و'ب'.
أقرت الحكومة الإسرائيلية المصغرة 'الكابينت' مؤخراً حزمة من القرارات التي تهدف إلى إنفاذ القانون الإسرائيلي داخل مناطق السلطة الفلسطينية. وتتضمن هذه الخطوات ما يسمى بـ 'تسوية الأراضي'، وهو إجراء يهدف لتحويل مساحات شاسعة إلى أراضي دولة تمهيداً لنقل ملكيتها للمستوطنين.
يرى خبراء قانونيون أن إسرائيل تتجنب استخدام مصطلح 'الضم' رسمياً لتفادي الصدام مع القانون الدولي الذي يعتبر ضم الأراضي المحتلة جريمة حرب. وتعتمد تل أبيب استراتيجية 'أكل الكعكة وإبقائها كاملة' عبر فرض السيادة الفعلية دون إعلان سياسي صريح.
تاريخياً، طبقت إسرائيل هذا النموذج في القدس الشرقية عقب احتلال عام 1967، حيث فرضت قوانينها ونفوذها البلدي على مساحات واسعة. ورغم أن الواقع يمثل ضماً كاملاً، إلا أن الوثائق الرسمية الإسرائيلية خلت تماماً من كلمة 'ضم' خشية التبعات القانونية الدولية.
في الوقت الراهن، يتم تطبيق قوانين الكنيست في المستوطنات عبر أوامر عسكرية يصدرها قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال. هذه الطريقة الالتفافية تسمح بجعل المستوطنات بؤراً إسرائيلية تخضع لضرائب الدخل والتأمين الوطني وقوانين الانتخابات الإسرائيلية بشكل غير مباشر.
أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في يوليو 2024 أن الممارسات الإسرائيلية في الضفة والقدس ترقى إلى مستوى الضم الفعلي. ومع ذلك، تواصل إسرائيل المناورة عبر إدخال المجتمع الدولي في تفاصيل إجرائية معقدة لتشتيت الانتباه عن الهدف الاستراتيجي.
يقود وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، من موقعه في وزارة الدفاع، خطة ممنهجة لتعزيز الاستيطان وشرعنة البؤر الرعوية. وتهدف هذه السياسة إلى خلق واقع ميداني لا يمكن الرجوع عنه، بغض النظر عن التوصيفات القانونية الدولية لما يحدث على الأرض.
تعتبر خطوة 'تسوية الأراضي' أخطر من الضم التقليدي، لأنها تمنح الاحتلال غطاءً قانونياً للادعاء بملكية الأرض واستعادتها. هذا التحول يحول أراضي الضفة إلى أملاك تابعة لوزارة العدل الإسرائيلية، مما ينهي أي إمكانية قانونية لاستردادها مستقبلاً.
يشير مراقبون إلى أن إسرائيل تسعى لاستحداث نظام كوني جديد يفرغ المواطنة الفلسطينية من محتواها الفعلي على الأرض. الهدف هو تحويل السلطة الفلسطينية إلى كيان يصدر جوازات سفر ورموزاً شكلية، بينما تسيطر إسرائيل على الموارد والتحركات.
تصريحات المسؤولين الإسرائيليين والداعمين لهم، مثل السفير الأمريكي مايك هاكابي، تعزز الرؤية اليمينية التي تعتبر الضفة جزءاً أصيلاً من 'أرض إسرائيل'. هذه الخطابات تمنح الغطاء السياسي لتنفيذ مخططات التهجير الصامت للفلسطينيين عبر سلب الأمل في إقامة دولة.
منح قائد المنطقة الوسطى صلاحيات طوارئ واسعة مكنه من تجاوز المنظومة القانونية المعتادة ومنع البناء الفلسطيني ومصادرة المعدات. هذه الصلاحيات تهدف إلى شل أي نمو عمراني فلسطيني في المناطق المستهدفة بالاستيطان وتسهيل عمليات الهدم السريعة.
تسجيل الملكية في السجلات الإسرائيلية يعد إجراءً لا يمكن الرجوع عنه، ويأتي استكمالاً لقرار الكنيست برفض قيام دولة فلسطينية. هذا المسار التشريعي والميداني يهدف إلى وأد حل الدولتين نهائياً وتحويل الضفة إلى كانتونات معزولة تحت سيادة إسرائيلية كاملة.
في نهاية المطاف، تراهن إسرائيل على عامل الوقت وفرض الأمر الواقع لتغيير الديموغرافيا والجغرافيا في الضفة الغربية. وتظل استراتيجية 'الضم الزاحف' هي الأداة الأكثر فاعلية للاحتلال لتحقيق أهدافه التوسعية مع تقليل التكلفة السياسية والدبلوماسية في المحافل الدولية.
المصدر:
القدس