نقلت مصادر إعلامية شهادة إنسانية مؤثرة للكاتبة مجدولين أبو عاصي، وصفت فيها حلول شهر رمضان المبارك في قطاع غزة هذا العام تحت وطأة النزوح والدمار المستمر. وتعرض الكاتبة صورة مزدوجة تجمع بين الحزن العميق على فقدان الحياة الاجتماعية النابضة في المدينة، وبين تمسك السكان بأمل عنيد يتجدد رغم الظروف القاسية التي فرضتها الحرب.
وتشير أبو عاصي إلى أن رمضان، الذي طالما كان ملاذاً روحياً ووقفة مقدسة وسط صخب الحياة، يأتي هذا العام مختلفاً تماماً ومثقلاً بالوجع. فبدلاً من تزيين الشرفات بالفوانيس الذهبية المعتادة، استقبلت الكاتبة الشهر وسط هدير الجرافات التي تعمل على إزالة ركام المنازل المجاورة، في مشهد يختصر حجم المأساة التي حلت بالقطاع.
تعيش الكاتبة حالياً تجربة النزوح المريرة، حيث انتقلت من منزلها في حي الرمال بقلب مدينة غزة إلى غرفة مستأجرة في منطقة الزوايدة. ورغم الحديث عما يوصف بـ 'وقف إطلاق النار'، إلا أنها تؤكد أن هذا الصمت لا يمنح إحساساً حقيقياً بالأمان، بل هو مجرد هدنة هشة يظل معها الخوف من الموت قائماً في كل لحظة.
وتصف الشهادة المشهد اليومي القاسي الذي يواجهه الغزيون، حيث يمتزج صوت الأذان بطنين طائرات الاستطلاع التي لا تغادر السماء، وهدير الآليات التي تنبش الأنقاض. هذا التداخل الصوتي يظل تذكيراً دائماً بأن الهدوء مؤقت وأن الرقابة العسكرية مستمرة، مما يحرم السكان من السكينة الروحية التي تميز هذا الشهر الفضيل.
وتستذكر الكاتبة بمرارة تفاصيل الحياة الرمضانية السابقة في حي الرمال، حيث كانت الموائد تجمع العائلة والأصدقاء في أجواء من الألفة. كما تحن إلى سوق الزاوية والمسجد العمري الكبير، اللذين كانا يمثلان فضاءات للدفء الروحي والاجتماعي، قبل أن تتحول هذه المعالم إلى ذكريات تحت وطأة القصف والدمار الشامل.
وعلى الصعيد المعيشي، برزت تحديات شاقة نتيجة الارتفاع الجنوني في أسعار المواد الغذائية وندرتها، مما جعل تأمين وجبة إفطار متواضعة عبئاً ثقيلاً على كاهل العائلات. وتتساءل الكاتبة بصوت عالٍ عن كيفية الحفاظ على 'شعور البيت' وروحانية الشهر في ظل هذا الخراب المحيط والفقر القسري الذي طال الجميع.
ورغم هذه المعاناة، يسلط المقال الضوء على مظاهر تضامن لافتة بين السكان، حيث يتقاسم الجيران والنازحون ما يتوفر لديهم من عدس أو تمر بكرامة تتجاوز ألم الجوع. وتصف أبو عاصي هذا السلوك بأنه 'مقاومة مقدسة'، مؤكدة أن الروح الإنسانية في غزة لم تهزم رغم تدمير الحجر واقتلاع البشر من بيوتهم.
وفي ختام شهادتها، تؤكد الكاتبة أن السلام الحقيقي لا يكمن في مجرد توقف القصف، بل في استعادة تفاصيل الحياة البسيطة والآمنة. فالسلام بالنسبة للغزيين هو سوق قائم، ومسجد مفتوح، وحي لم يسوَّ بالأرض، ونوم هادئ خالٍ من ترقب الكوارث، مشددة على أن الصيام والصلاة اليوم هما فعل استعادة للأرواح من بين الحطام.
المصدر:
القدس