يستعرض الباحث الدكتور شاهر الشاهر في مؤلفه الأحدث 'الجغرافية السياسية' الصادر في برلين، رؤية نقدية ومعمقة حول كيفية إعادة تشكيل الخرائط العالمية بناءً على معطيات القوة والمجال الحيوي. يتجاوز الكتاب المفاهيم التقليدية للتوازن الدولي، ليركز على التحولات الجيوبوليتيكية التي جعلت من جغرافيا الحروب المحرك الأساسي للسياسات المعاصرة.
يتناول الكتاب في فصوله الأولى إشكالية تصنيف الأقاليم السياسية، مشيراً إلى التباين في تحديد عدد دول العالم بين الإحصاءات الأكاديمية وتقارير المؤسسات الإعلامية الكبرى. فبينما سجلت بعض الدراسات وجود 230 دولة، تضع تقديرات أخرى نطاقاً يتراوح بين 168 و254 دولة، موزعة بتباين جغرافي واسع عبر القارات الست.
تعد روسيا الاتحادية الدولة الأكبر مساحة في العالم، في حين تتربع دولة الفاتيكان على قائمة الأصغر مساحة بمساحة لا تتجاوز نصف كيلومتر مربع. هذا التباين المساحي يلعب دوراً جوهرياً في تحديد الثقل الجيوبوليتيكي للدول وقدرتها على المناورة في النظام الدولي القائم على الموارد والمساحات.
يعيد المؤلف قراءة نظرية العوالم الثلاثة التي صاغتها القيادة الصينية خلال الحرب الباردة، موضحاً كيف تحول مفهوم 'العالم الأول' من دلالة سياسية مرتبطة بالرأسمالية إلى معيار اقتصادي يقيس التنمية البشرية والناتج القومي. هذا التحول يعكس تبدل الأولويات العالمية من الصراع الأيديولوجي الصرف إلى التنافس التكنولوجي والاقتصادي.
في المقابل، تُعرف دول العالم الثاني بأنها تلك التي تتبنى اقتصادات مخططة أو اشتراكية، وهي الفئة التي تراجعت دلالتها التقليدية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. أما العالم الثالث، فيشمل الدول النامية التي تكتفي بتصدير المواد الخام دون امتلاك القدرة التقنية لتحويلها، مما يبقيها في حالة تبعية اقتصادية دائمة للدول المتقدمة.
يشدد الكتاب على أن معظم الشعوب العربية تندرج ضمن تصنيف الدول النامية، رغم مظاهر الثراء الاستهلاكي في بعضها، وذلك لافتقارها للإنتاج التقني والاعتماد الكلي على المستهلك النهائي المستورد. هذا الواقع يكرس حالة من التخلف البنيوي الذي يمنع هذه الدول من ممارسة سيادة حقيقية في الفضاء الجيوبوليتيكي العالمي.
وفيما يخص مفاهيم السيادة، يفرق الشاهر بين الدول كاملة السيادة وتلك الناقصة، معتبراً أن السيادة الحقيقية تكمن في قدرة الدولة على ممارسة اختصاصاتها دون تدخل خارجي. ويشير إلى أن الاستقلال الداخلي يتجسد في حرية اختيار نظام الحكم وصياغة الدستور، بينما يتمثل الاستقلال الخارجي في حرية إعلان الحرب وعقد المعاهدات.
يرى المؤلف أن معاهدة ويستفاليا عام 1648 كانت حجر الزاوية في نشأة الدولة القومية الحديثة في أوروبا، حيث أنهت الحروب الدينية وأرست قواعد التعامل بين الكيانات السياسية. ومنذ ذلك الحين، تطور شكل الدولة ليتماشى مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية، من المجتمع الإقطاعي إلى المجتمع الصناعي الرأسمالي.
تطرق الكتاب أيضاً إلى الأنظمة الاتحادية، موضحاً الفرق بين الفيدرالية والكونفدرالية كوسائل لتحقيق مصالح مشتركة وحماية الوحدات السياسية من تغول السلطة المركزية. وتعد التجربة الأمريكية عام 1787 النموذج الأول للدولة الفيدرالية الحديثة، بينما قدمت سويسرا نموذجاً مبكراً للاتحادات الدفاعية بين الكانتونات.
تبرز 'جغرافيا الحرب' أو الجغرافيا العسكرية كفرع حيوي في الكتاب، حيث تدرس دور العوامل المكانية في توجيه النزاعات المسلحة وفك شفرات النسق المكاني للمعارك. فبينما يسرد التاريخ العسكري وقائع الأحداث، تتولى الجغرافيا تفسير 'أين وكيف ولماذا' وقعت تلك الحروب بناءً على تضاريس الأرض وإمكانات التسليح.
يرصد الشاهر فترات 'الانتقال الجيوبوليتيكي' التي تشهد انقلابات مفاجئة في موازين القوى، مثل سقوط جدار برلين وأحداث الحادي عشر من سبتمبر. هذه اللحظات التاريخية تخلق أنظمة دولية جديدة تختلف كلياً عن النظريات التقليدية، وتفرض تحديات تستوجب معالجة عواقبها الاستراتيجية بشكل فوري.
يسلط الكتاب الضوء على المتغيرات المتسارعة في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات حول تايوان. هذه الأحداث تمثل مؤشرات قوية على استعادة الجغرافيا السياسية لمكانتها كأداة للهيمنة وإعادة ترسيم المجالات الحيوية للقوى الكبرى على حساب الشرعية الدولية.
أفرد المؤلف مساحة لتحليل حرب الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي بدعم أمريكي ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023. واعتبر أن هذه الحرب تهدف إلى تهجير السكان بالقوة، وهي تمثل انتهاكاً صارخاً لكل القوانين الدولية وتجسيداً لمنطق القوة الجيوبوليتيكية الغاشمة في أبشع صورها.
يخلص الكتاب إلى أن العالم يعيش ارتداداً نحو فكر القرن التاسع عشر، حيث تعود القوة العسكرية والجغرافيا لتكون في قلب الصراع العالمي. هذا التحول يعكس فشل المنظومات الدولية في كبح جماح الدول المتنافسة، مما يجعل التحليل الجيوبوليتيكي النقدي ضرورة لاستشراف مناطق التصادم المستقبلي وإعداد الخطط الاستراتيجية لمواجهتها.
المصدر:
القدس