لم يفلح إعلان وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ قبل أربعة أشهر في إحداث تغيير حقيقي في المشهد الإنساني المتدهور بقطاع غزة، حيث لا تزال آلاف العائلات تتكدس في خيام متهالكة على أطراف المدن. ويستمر الحصار المشدد في تقييد تدفق المساعدات الإنسانية الضرورية، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات المعيشية والطبية بوتيرة تفوق بكثير حجم الاستجابة الدولية المحدودة.
في منطقة مواصي خان يونس جنوبي القطاع، يبرز واقع مأساوي لعائلات نزحت من رفح ومناطق أخرى، حيث تعيش بين مطرقة الخوف المستمر وسندان العوز المتفاقم. وتؤكد شهادات ميدانية أن الهدنة المعلنة لم تنعكس على التفاصيل اليومية للسكان، الذين لا يزالون يواجهون ظروفاً قاسية تجعل من البقاء على قيد الحياة معركة يومية مضنية.
أفادت مصادر محلية بأن أصوات الرصاص والتحركات العسكرية لم تغادر محيط مناطق النزوح، مما يبدد أي شعور بالأمان لدى النازحين الذين كانوا يأملون في عودة الهدوء. وتتحدث نازحات عن عجزهن الكامل عن توفير الدواء لأطفالهن المرضى أو تأمين وجبات غذائية تسد الرمق، في ظل انعدام الدخل وتوقف عجلة الحياة الاقتصادية.
تتحول تفاصيل اليوم في الخيمة إلى معاناة مضاعفة، حيث يضطر النازحون للبحث لساعات طويلة عن علاج أو تدبير وجبة بسيطة، وسط اكتظاظ شديد داخل المخيمات. وقد رصدت مصادر ميدانية تقاسم أكثر من سبعة أشخاص لمساحات ضيقة جداً تفتقر لأدنى مقومات الخصوصية أو الكرامة الإنسانية، مما يؤدي إلى تآكل القدرة على الاحتمال.
مع حلول شهر رمضان المبارك، اتخذت المعاناة أبعاداً أكثر قسوة، حيث باتت التكيات الخيرية هي الوجهة الوحيدة والأساسية لآلاف العائلات لتأمين وجبة الإفطار. ويعتمد السكان بشكل شبه كامل على العمل الإغاثي المتواضع الذي تقدمه مؤسسات محلية، في ظل غياب الحلول الجذرية لأزمة الغذاء التي تضرب القطاع المحاصر.
تبدأ هذه التكيات عملها منذ الساعات الأولى للصباح لإعداد وجبات تعتمد غالباً على المعلبات أو أصناف محدودة جداً من الطعام، وهو ما لا يلبي الاحتياجات الغذائية الأساسية. وكان النازحون يأملون أن تشهد فترة ما بعد الحرب تدفقاً أكبر للمساعدات النوعية، إلا أن الواقع جاء مخيباً للآمال مع استمرار القيود على المعابر.
تشير البيانات الميدانية إلى أن عدد الشاحنات التي تدخل القطاع يومياً لا يمثل سوى 'نقطة في بحر الاحتياج'، حيث يدخل عدد أقل بكثير مما نصت عليه البروتوكولات الإنسانية. وبينما كان من المفترض دخول نحو 600 شاحنة يومياً، لا تزال مئات الشاحنات مكدسة في الجانب الآخر من الحدود بانتظار السماح لها بالعبور.
أدى تقليص عمل العديد من المؤسسات الدولية إلى زيادة الضغط على المنظومة الإغاثية المحلية المنهكة أصلاً، مما جعل التكيات الشريان الوحيد المتبقي للأسر التي فقدت مدخراتها. وتعجز الغالبية العظمى من السكان عن شراء السلع المتوفرة في الأسواق المحلية بسبب ارتفاع أسعارها الجنوني الذي لا يتناسب مع قدرتهم الشرائية المعدومة.
في حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، تبرز أزمة الحصول على المياه كواحدة من أكبر التحديات التي تواجه المخيمات التي أُنشئت بجهود فردية على أراضٍ غير مهيأة. ويضطر الأطفال والصائمون لقطع مسافات طويلة وشاقة يومياً لجلب كميات محدودة من المياه، في مهمة تزيد من أعباء النزوح الجسدية والنفسية.
يعيش حالياً أكثر من 900 ألف نازح في خيام مهترئة، في ظل منع الاحتلال لآلاف العائلات من العودة إلى مناطق سكناها الأصلية في شمال القطاع. وتتكرر خروقات وقف إطلاق النار بشكل دوري، حيث تصل الأعيرة النارية أحياناً إلى محيط الخيام، مما يبقي السكان في حالة استنفار دائم وخوف من تجدد القصف.
تؤكد مصادر مطلعة أن المواد التي يُسمح بدخولها أحياناً توصف بأنها 'كماليات'، في حين يمنع دخول الأساسيات والمعدات الثقيلة اللازمة لإزالة الركام وتحسين ظروف الإيواء. هذا الخلل في نوعية المساعدات يزيد من تعقيد المشهد الإنساني ويجعل من عملية إعادة تأهيل الحياة اليومية أمراً شبه مستحيل في الوقت الراهن.
على الصعيد الصحي، حذر مدير جمعية الإغاثة الطبية في غزة، الدكتور محمد أبو عفش، من حالة بؤس وإعياء عام تجتاح السكان نتيجة النقص الحاد في الأغذية والأدوية. وأوضح أن مراكز الإيواء المكتظة أصبحت بيئة خصبة لانتشار الأمراض المعدية، خاصة مع تراكم النفايات وصعوبة إدخال المعدات اللازمة لمعالجتها.
نبهت التقارير الطبية إلى أن تراجع كميات ونوعية الغذاء الموزع يهدد بعودة مظاهر سوء التغذية الحاد وفقر الدم، لا سيما بين فئة الأطفال الذين يمثلون الشريحة الأكبر. وأكدت الكوادر الطبية أن ما يتم توزيعه حالياً من مساعدات غذائية لا يكفي لضمان حالة صحية مستقرة للنمو البدني للأطفال في هذه المرحلة الحرجة.
شدد المختصون على أن استمرار إدخال المساعدات بمعدلات أقل من المتفق عليه دولياً يعني عجز النظامين الإغاثي والطبي عن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات. وطالبت المؤسسات المحلية بضرورة الضغط لفتح المعابر بشكل كامل وإدخال الإمدادات المقررة لتمكين الطواقم من أداء دورها الإنساني ومنع وقوع كارثة صحية شاملة.
المصدر:
القدس