يتسابق جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي في المناطق التي يتوغلون بها داخل قطاع غزة على نشر مقاطع مصورة عبر منصات التواصل الاجتماعي، تظهر تباهيهم بإطلاق الرصاص الحي بشكل عشوائي أو قنص متعمد. هذه السلوكيات التي توصف بـ 'الاستعراضية' تهدف لحصد الإعجابات على منصات مثل 'تيك توك' و'إنستغرام'، دون أي اعتبار لحياة المدنيين العزل الذين يقعون ضحايا لهذه الرصاصات الطائشة.
وأفادت مصادر ميدانية بأن هذه الرصاصات التي تنطلق من فوهات بنادق الجنود على مسافات متفاوتة، غالباً ما تجد مستقرها في أجساد المواطنين الفلسطينيين، مما يرفع أعداد الشهداء يومياً. وتأتي هذه الانتهاكات في وقت يزعم فيه جيش الاحتلال فرض قيود على جنوده لمنع توثيق العمليات العسكرية، إلا أن الواقع يثبت استمرار هذه الظاهرة نتيجة غياب المحاسبة الفعلية.
وأكد الناشط الفلسطيني تامر، المتابع لملف توثيق انتهاكات الجنود أن هذه التصرفات ليست مجرد حوادث فردية، بل هي نهج يومي يؤدي لسقوط ضحايا في مختلف مناطق القطاع. وأوضح أن هذه الأعمال تمثل خرقاً صارخاً لاتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ العمل به في العاشر من أكتوبر الماضي، مما يهدد استقرار الأوضاع الهشة أصلاً.
وفي سياق متصل، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بمقطع فيديو صادم لجندي إسرائيلي يتحدث فيه مع صانع محتوى أمريكي يدعى جيف ديفيدسون. وخلال الحوار، اعترف الجندي بكل غطرسة بقيام قواته بهدم المنازل وقتل الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال، معتبراً ذلك جزءاً من مهامهم العادية في القطاع.
ولم تتوقف اعترافات الجندي عند القتل والتدمير، بل امتدت لتشمل الإقرار بارتكاب جرائم اغتصاب بحق النساء والأطفال الفلسطينيين. وقد أثار هذا الاعتراف الصريح موجة من الغضب العارم دولياً، حيث اعتبره حقوقيون شهادة دامغة على ارتكاب جرائم حرب ممنهجة تتطلب ملاحقة قانونية دولية فورية.
وتشير التقارير إلى أن العديد من الجنود يعمدون إلى حذف هذه المقاطع أو إغلاق حساباتهم بعد تعرضهم لانتقادات أو خوفاً من الملاحقة القانونية في دول أجنبية. ومع ذلك، فإن المؤسسات الحقوقية تواصل رصد هذه المواد واستخدامها كأدلة في المحاكم الدولية لإثبات حجم الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين في غزة.
من جهتها، أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرها السنوي لعام 2025، والذي وجه اتهامات مباشرة لإسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي. وأكدت المنظمة أن الانتهاكات التي وقعت خلال العام الماضي كانت على نطاق غير مسبوق في التاريخ الحديث للصراع، مشيرة إلى تواطؤ قوى دولية في التغطية على هذه الجرائم.
وعلى الصعيد الميداني، يستقبل سكان قطاع غزة شهر رمضان المبارك وسط ركام المنازل المدمرة وبنية تحتية متهالكة لم تتعافَ بعد من آثار الحرب المستمرة منذ عامين. ورغم دخول المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يناير الماضي، إلا أن الواقع المعيشي لا يزال مأساوياً في ظل نقص المساعدات.
وتشير بيانات وزارة الصحة الفلسطينية إلى أن حصيلة ضحايا الخروقات الإسرائيلية منذ بدء سريان الاتفاق في أكتوبر الماضي قد بلغت نحو 611 شهيداً. كما أصيب أكثر من 1630 مواطناً جراء عمليات القنص والقصف المتقطع التي ينفذها جيش الاحتلال في مناطق مختلفة من القطاع، ضارباً بعرض الحائط التفاهمات الدولية.
ووفقاً لآخر الإحصائيات الرسمية، فقد ارتفع إجمالي عدد الشهداء منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 72,069 شهيداً، فيما وصل عدد الجرحى إلى 171,728 مصاباً. وتظهر هذه الأرقام المهولة حجم الكارثة الإنسانية التي خلفها العدوان الإسرائيلي المستمر، والذي لم يتوقف تماماً رغم إعلانات الهدنة المتكررة.
وتطالب الجهات الفلسطينية بضرورة وجود ضغط دولي حقيقي لإلزام الاحتلال بوقف إطلاق النار الشامل وإدخال المساعدات الإغاثية والطبية بشكل كافٍ. ويشدد المسؤولون على أن استمرار الخروقات اليومية يحول دون البدء في أي عمليات إعادة إعمار أو تحسين للظروف المعيشية الكارثية التي يعيشها النازحون في الخيام.
إن ما ينشره الجنود من مقاطع 'لهو بالرصاص' يعكس حالة من الانفلات الأخلاقي والعسكري داخل صفوف جيش الاحتلال، حيث يشعر الجنود بحصانة تحميهم من العقاب. هذه الحالة تعزز من معاناة المدنيين الذين يجدون أنفسهم أهدافاً سهلة لجنود يبحثون عن التسلية عبر فوهات بنادقهم في شوارع غزة المدمرة.
وفي الختام، يبقى ملف توثيق هذه الجرائم عبر وسائل التواصل الاجتماعي سلاحاً ذا حدين؛ فبينما يستخدمه الجنود للتفاخر، تحوله المنظمات الحقوقية إلى وثائق إدانة. وتستمر المطالبات بضرورة تفعيل آليات المحاسبة الدولية لضمان عدم إفلات مرتكبي هذه الانتهاكات الصارخة من العقاب العادل.
المصدر:
القدس