آخر الأخبار

حديث في الاقتصاد (1): قيود السوق/ بقلم: علي حمدالله

شارك

يكتسب النقاش حول نموذج السوق الحر في الحالة الفلسطينية أهمية مضاعفة، خصوصاً عند الحديث عن الضفة الغربية تحديداً، نظراً لخصوصية الوضع الكارثي والاستثنائي في قطاع غزة، الذي تحكمه أولويات إنسانية وإغاثية ملحّة تختلف جذرياً عن السياق الاقتصادي التنموي الممكن - ولو جزئياً - في الضفة الغربية. ومن هنا، يصبح من الضروري إعادة توسيع الحوار حول طبيعة النموذج الاقتصادي المعتمد في الضفة الغربية، خاصة في ظل الهجمة الاستيطانية المتسارعة ومشروع تقويض الكيانية الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين من أرضهم.

السوق الحر في الضفة الغربية: اقتصاد بلا سيادة

رغم تبني نموذج السوق الحر في الضفة الغربية خلال العقود الأخيرة بوصفه أداة لتحقيق النمو الاقتصادي وجذب الاستثمار، إلا أن هذا النموذج يتجاهل البنية الاستعمارية التي تحكم الاقتصاد الفلسطيني. فالسوق الحر يفترض وجود سيادة على الموارد، وحرية حركة للبضائع ورؤوس الأموال، وقدرة على التحكم في السياسات المالية والتجارية، وهي شروط غائبة في الحالة الفلسطينية، كما أنّ الاستمرار في تبني نموذج السوق الحر يتنكّر لتجارب التاريخ الحديث، والذي ينبؤنا أنّ معظم التجارب التنموية الناجحة في العالم اعتمدت على التخطيط القومي للاقتصاد والذي يراعي خصوصية السياق والميزات التنافسية الوطنية، أي اعتمدت على نماذج تناقض نموذج السوق الحر.

في الواقع، أدى تطبيق نموذج السوق الحر في الضفّة الغربية إلى تكريس نمط اقتصادي استهلاكي وخدماتي، حيث يتجه رأس المال إلى الاستثمار في المشاريع منخفضة المخاطر ومنخفضة الاعتماد على الأيدي العاملة والتي يقع معظمها في المراكز الحضرية، في المقابل، يبتعد عن القطاعات الإنتاجية طويلة الأمد أو عن الاستثمار في المناطق المهددة بالتوسع الاستيطاني، رغم أنّ هذه المناطق تمثل العمق الاستراتيجي للصمود الفلسطيني.

إنّ ترك الاستثمار لمنطق الربح الفردي وحده يؤدي إلى إعادة إنتاج التركز الاقتصادي في مناطق آمنة نسبياً، ويترك الأطراف الجغرافية في حالة هشاشة اقتصادية، الأمر الذي يسهم بشكل غير مباشر في تسهيل التوسع الاستيطاني وإضعاف الوجود الفلسطيني على الأرض.

الدولة الفلسطينية: بين الشكل والجوهر

منذ انطلاق مشروع بناء الدولة الفلسطينية، جرى التركيز بدرجة كبيرة على بناء الشكل المؤسسي للدولة؛ مثل المؤسسات الرسمية، والرموز السيادية كالعلم والنشيد وجواز السفر، والحصول على الاعترافات الدولية. غير أن هذا التركيز على الشكل لم يرافقه بناء متكامل لجوهر الدولة، المتمثل في الأرض والإنسان والاقتصاد المنتج.

فالجوهر الحقيقي لأي دولة يتمثل في سيادة الشعب على أرضه وموارده، وفي قدرته على تنظيم اقتصاده وفق مصالحه الوطنية. ومن دون قاعدة اقتصادية إنتاجية متماسكة، تتحول الدولة إلى إطار إداري بلا مضمون سيادي فعلي. وكانت النتيجة الحتمية لهذا الاختلال بين مراعاة الشكل على حساب الجوهر هي واقع السلطة الفلسطينية الحالي، والذي يمكن وصفه بأنّه واقع مكبّل ومرتهن ومعتمد على الخارج إلى حد كبير.

هذا وتتعرض الكينونة السياسية الفلسطينية اليوم لتهديد مزدوج؛ فمن جهة هناك مشاريع تسعى إلى إلغاء السلطة الفلسطينية أو تقويضها وتحويل الفلسطينيين إلى مجرد سكان بلا تمثيل سياسي، ومن جهة أخرى تعاني هذه الكينونة من ضعف وجودها العياني على الأرض بسبب غياب السيطرة الاقتصادية والمواردية.

الحاجة إلى التخطيط الاقتصادي التشاركي

لا يعني نقد نموذج السوق الحر الدعوة إلى استبداله باقتصاد موجه بالكامل، كما لا يعني القفز مباشرة من نموذج إلى نقيضه، بل يستدعي تطوير نموذج انتقالي يقوم على التخطيط الاقتصادي التشاركي، الذي يجمع بين دور الدولة التوجيهي ومرونة القطاع الخاص ومشاركة المجتمع المحلي والمؤسسات الأهلية.

يقوم هذا النموذج على إعداد خطة وطنية للاستثمار تحدد أولويات التنمية القطاعية والجغرافية، مع تطوير سياسات تحفيزية لتوجيه الاستثمار نحو المشاريع التي تعزز الصمود الوطني، مثل تقديم إعفاءات ضريبية، أو توفير ضمانات استثمارية، أو إنشاء صناديق لتقاسم المخاطر، بحيث يحصل الاستثمار المنسجم مع الخطة الوطنية على حزمة تسهيلات أو امتيازات، كما سيحظى بدعم وتعاون باقي القطاعات الأهلية والحكومية وغيرها.

الاستثمار في المناطق المهددة كأداة لحماية الأرض

تشكل المناطق المهددة بالتوسع الاستيطاني ساحة مركزية للصراع على الوجود الفلسطيني. غير أنّ الاستثمار في هذه المناطق يظل محدوداً بسبب ارتفاع المخاطر. وهنا يبرز دور التخطيط الحكومي التشاركي في خلق منظومة دعم جماعية تشارك فيها اللجان الشعبية والقطاع الخاص والمؤسسات الحكومية والأهلية.

إنّ الاستثمار في هذه المناطق لا ينبغي أن يُنظر إليه كمشروع ربحي فقط، بل كمشروع وطني يعزز بقاء السكان واستقرارهم، ويخلق بيئة اقتصادية تدعم استمرار الوجود الفلسطيني.

توجيه الاستثمار نحو اقتصاد إنتاجي مقاوم

يتطلب بناء اقتصاد وطني قادر على الصمود توجيه الاستثمارات نحو قطاعات محددة، أبرزها:


*

الاستثمار كثيف التشغيل للأيدي العاملة، لما يوفره من فرص عمل ويعزز الاستقرار الاجتماعي.


*

الاستثمار الذي يعزز إحلال الواردات، خصوصاً تلك القادمة من الاقتصاد الإسرائيلي، بما يحد من التبعية الاقتصادية.


*

الاستثمار القائم على التكامل الإنتاجي المحلي، بحيث تعتمد مدخلات الإنتاج على مخرجات مشاريع فلسطينية أخرى، مثل الربط بين الزراعة والصناعات الغذائية أو بين المحاجر والصناعات الإنشائية، ما يخلق سلاسل قيمة اقتصادية وطنية متكاملة.

خاتمة

إن نموذج السوق الحر، عندما يُطبق في سياق استعماري كالحالة الفلسطينية في الضفة الغربية، يتحول من أداة للنمو إلى عامل يعمق الاختلالات الاقتصادية ويضعف الصمود الوطني. لذلك، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف الاقتصاد الفلسطيني باعتباره جزءاً من مشروع التحرر الوطني وتعزيز الصمود، وليس مجرد مجال للنشاط الربحي.

إنّ بناء الدولة الفلسطينية لا يبدأ من الرموز والمؤسسات الشكلية فقط، بل من بناء قاعدة اقتصادية إنتاجية تعزز السيادة على الأرض والموارد، وتمكّن الشعب الفلسطيني من امتلاك قراره الاقتصادي، باعتباره أحد الشروط الأساسية لتحقيق حق تقرير المصير.

الحدث المصدر: الحدث
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا