آخر الأخبار

المسحراتي في غزة: تقاليد رمضان تتحدى دمار الحرب في خيام النز

شارك

بين أزقة الخيام الممتدة في منطقة المواصي غربي مدينة خان يونس، يتردد صدى طبول المسحراتي معلناً استمرار تقليد شعبي لم تكسره آلة الحرب الإسرائيلية على مدار عامين. هذا الصوت الذي يصدح قبيل السحور، يأتي ليؤكد أن رمضان لا يزال يجد طريقه إلى قلوب الفلسطينيين الذين أثقلتهم الجراح، رغم سريان وقف إطلاق النار منذ أكتوبر الماضي.

تحولت منطقة المواصي الساحلية، التي كانت فيما مضى أراضٍ رملية مفتوحة، إلى تجمع سكاني مكتظ بعشرات آلاف النازحين الذين فقدوا منازلهم. وتفتقر هذه المنطقة لأدنى مقومات الحياة الكريمة، حيث تغطي خيام النايلون والقماش البالي الرمال الممتدة، في ظل نقص حاد في الخدمات الأساسية والبنية التحتية المنهارة.

ورغم قسوة هذه الظروف، لم تغب المظاهر الرمضانية عن مخيمات النزوح، حيث يجوب المسحراتيون بملابسهم التقليدية وعماماتهم البيضاء الممرات الضيقة. يقرعون طبولهم بإيقاع ثابت، مرددين نداءات شعبية اعتادها أهل غزة، مثل 'يا نايم وحد الدايم' و'قوموا على سحوركم إجا رمضان يزوركم'، في محاولة لاستعادة روح الشهر الفضيل.

يسعى الفلسطينيون من خلال هذه المبادرات البسيطة إلى تخفيف وطأة الأوجاع التي خلفتها حرب الإبادة، ومحاولة إضفاء أجواء من الفرح تعينهم على تجاوز آثار الفقد والدمار. وتعد زينة رمضان المتواضعة التي علقت على بعض الخيام رسالة صمود تعيد للمكان شيئاً من طمأنينته المفقودة وسط واقع النزوح المرير.

في مشهد يستحضر ذاكرة الأحياء القديمة في غزة قبل تدميرها، يتجمع الأطفال حول المسحراتي مرتدين معاطفهم الشتوية، ويرددون خلفه الأناشيد ببهجة عابرة. يحمل المسحراتي طبلاً مزخرفاً يتدلى من كتفه، بينما يسير رفيقه بجانبه مردداً الدعوات والأهازيج التي تكسر صمت ليل المخيمات الموحش.

تعتبر شخصية المسحراتي جزءاً أصيلاً من التراث الاجتماعي والديني في غزة، حيث يجسد روح التكافل والجماعة التي تميز المجتمع الفلسطيني. ويصر الغزيون على الحفاظ على هذا الموروث رغم تبدل المكان من بيوت آمنة إلى خيام مؤقتة، ورغم تغير ملامح المدن التي سويت مربعاتها السكنية بالأرض.

يأتي رمضان هذا العام والقطاع لا يزال يلملم جراحه من دمار واسع طال 90% من البنية التحتية المدنية جراء الحرب التي بدأت في أكتوبر 2023. ومع أن القصف قد توقف، إلا أن الأوضاع المعيشية لم تتعافَ بعد، حيث لا تزال آثار الإبادة الجماعية واضحة في كل زاوية من زوايا القطاع المنكوب.

يا غزة نوارة.. طبعك دوم جبارة، رمضان كريم.. يلا اصحوا يا نايمين.

تشير الإحصاءات إلى أن الحرب خلفت أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد على 171 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء، مما جعل كل عائلة فلسطينية تعيش حالة من الفقد. وفي ظل هذه الأرقام الثقيلة، يصبح إحياء شعائر رمضان نوعاً من المقاومة النفسية والتمسك بالحياة في وجه الموت والخراب.

المسحراتيون الذين اعتادوا التجول في الأحياء السكنية العامرة، يجدون أنفسهم اليوم يؤدون ذات الدور بين أنقاض أحياء دمرت بالكامل. لقد عاش أكثر من مليوني فلسطيني موجات نزوح متكررة وقسرية، مما دفع مئات الآلاف منهم للاحتماء بمراكز الإيواء والخيام في ظروف إنسانية بالغة التعقيد.

يقول أحد المسحراتيين إن دافعهم الأساسي هو إدخال السرور على قلوب النازحين، وخاصة الأطفال والأمهات الذين عانوا الأمرين خلال سنوات الحرب. ويؤكد أن جولات التسحير ستستمر من الليلة الأولى وحتى نهاية الشهر، كرسالة تهنئة وصمود لأهل غزة الأبية الذين يواجهون واقعاً معيشياً صعباً.

تتداخل في أناشيد المسحراتي عبارات التهنئة مع رسائل الصمود الوطني، حيث يردد الأطفال أغاني تمجد غزة وجبروت أهلها في وجه المحن. هذه الأهازيج لا تهدف فقط لإيقاظ الناس للطعام، بل لإيقاظ الأمل في نفوسهم بأن الفرج قريب وأن الإعمار سيعيد بناء ما دمره الاحتلال.

رغم الوعود الدولية واتفاقيات وقف إطلاق النار، لا تزال إسرائيل تتنصل من التزاماتها بفتح المعابر بشكل كامل وإدخال المساعدات الضرورية. ويعاني نحو 1.9 مليون نازح من نقص حاد في المواد الغذائية والطبية ومواد الإيواء، مما يجعل تأمين وجبة السحور بحد ذاته تحدياً يومياً للعائلات.

دخلت غزة في مرحلة جديدة منذ منتصف يناير الماضي، مع إعلان واشنطن بدء المرحلة الثانية من الاتفاق التي تتضمن انسحابات إضافية وجهوداً للإعمار. ومع ذلك، فإن وتيرة العمل لا تزال بطيئة جداً مقارنة بحجم الدمار الهائل، مما يبقي مئات آلاف الأسر رهينة الخيام في هذا الشهر الفضيل.

يبقى صوت طبل المسحراتي في مواصي خان يونس شاهداً على إرادة شعب يرفض الانكسار، ويصر على ممارسة طقوسه الدينية والاجتماعية مهما بلغت التضحيات. إنها قصة صمود فلسطينية تكتب فصولها كل ليلة بين رمال الساحل وخيام النزوح، بانتظار عودة حقيقية إلى الديار التي هجروا منها قسراً.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا