د. أحمد رفيق عوض: إسرائيل تعمل على تصوير رمضان شهر عنف وإرهاب لتسويغ إجراءاتها القمعية وتكثيفها والتضييق على الفلسطينيين
د. رهام عودة: التصعيد في رمضان رسالة تهديد بأن سيناريو الحرب قد يتكرر في الضفة بما فيها القدس إذا استمر دعم المقاومة
سري سمور: تعمّد التضييق في رمضان يعكس سياسة إسرائيلية تستهدف منع الفلسطينيين من التمتع بلحظات الاستقرار الاجتماعي
د. جمال حرفوش: تكرار التصعيد في رمضان يحمل رسالة مفادها أنه لا يوجد زمن محصن من السيطرة ولا مناسبة خارج المعادلة الأمنية
محمد أبو علان دراغمة: سياسة التضييق خلال رمضان ترتبط بمحاولة الحد من قدرة الفلسطينيين على أداء شعائرهم والوصول إلى الأقصى
رام الله - خاص ب"القدس"- يترافق دخول شهر رمضان المبارك مع موجة تصعيد ميداني في الضفة الغربية، خاصة في مدينة القدس، حيث تتكثف الإجراءات الأمنية والانتشار العسكري بالتوازي مع قيود إضافية على الحركة وبشكل خاص الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك، وسط تحذيرات من أن يكون ذلك تمهيداً لإعادة رسم المشهد في الضفة الغربية بما فيها القدس.
ويرى الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات أن الهدف أيضاً يتمثل في احتواء الاحتلال أي حراك محتمل وفرض واقع ميداني أكثر إحكامًا، مستفيدًا من مبررات أمنية تُطرح مع حلول الشهر.
كما يُنظر إلى التصعيد وفق الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات، بوصفه جزءًا من استراتيجية أوسع تستخدم الضغط الأمني والاقتصادي لإضعاف البيئة الاجتماعية.
ويشيرون إلى أن استهداف المواسم الدينية يهدف إلى توجيه رسائل ردع سياسية ومعنوية، وتحويل فترة يفترض أن تكون للعبادة والتماسك الاجتماعي إلى ساحة إضافية لإدارة الصراع.
جعل الحياة اليومية للفلسطينيين أكثر قسوة وتعقيدًا
يرى الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض أن إسرائيل غيّرت بشكل واضح أسلوب تعاملها مع الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة خلال الفترة الأخيرة، عبر تكثيف الاقتحامات والاعتقالات والمداهمات المتواصلة ليلًا ونهارًا، إضافة إلى عمليات المصادرة وهدم المنازل وتشديد القيود على الحركة، بالتوازي مع دفع المستوطنين للعب دور رديف لقوات الاحتلال.
ويؤكد عوض أن هذه السياسات تشكل ملامح استراتيجية جديدة تهدف إلى جعل الحياة اليومية للفلسطينيين أكثر قسوة وتعقيدًا.
ويشير عوض إلى أن هذا التصعيد يترافق مع أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة، تتمثل في ارتفاع معدلات البطالة، والاكتظاظ، وتراجع مستوى الخدمات، إلى جانب حالة "قمع شاملة ومستمرة"، فضلًا عن سلب الموارد والمقدرات.
جني ثمار عامين من التصعيد
وبحسب عوض، فإن إسرائيل تسعى إلى جني ثمار ما قامت به خلال العامين الماضيين، في الضفة الغربية، عبر فرض واقع ميداني جديد يكرّس ما يسميه بعض قادتها بنظرية "الحسم"، التي تقوم على تضييق الخيارات أمام الفلسطينيين ودفعهم إلى أوضاع إنسانية وسياسية أكثر هشاشة.
ترسيخ صورة نمطية تربط رمضان بالاضطرابات
وفي ما يتعلق بشهر رمضان، يوضح عوض أن إسرائيل تميل إلى التعامل مع الشهر باعتباره فترة محتملة لما تسميه "التوتر والعنف"، وتسعى إلى ترسيخ صورة نمطية تربط رمضان بالاضطرابات بدل كونه شهر عبادة وهدوء. ويعتبر عوض أن هذا التصور يُستخدم كذريعة لتشديد الإجراءات الأمنية، سواء على الطرقات أو الحواجز أو في محيط المسجد الأقصى، تحت مبرر الاستعداد لأي أحداث محتملة.
ويشير عوض إلى أن هذه الذريعة تتكرر سنويًا وتُستغل لتبرير مزيد من القيود والإجراءات المشددة.
ويؤكد عوض أن إسرائيل تعمل، وفق هذا المنظور، على تصوير رمضان شهر عنف وإرهاب، لتسويغ إجراءاتها القمعية بحق الفلسطينيين وتكثيفها والتضييق عليهم.
ويشير عوض إلى أن التجارب في السنوات الماضية، ولا سيما خلال شهر رمضان في الأعوام الأخيرة، أظهرت زيادة في وتيرة الإجراءات خلال العشر الأواخر من الشهر الفضيل، حيث تتصاعد عمليات الاقتحام والتدخلات المرتبطة بالمستوطنين.
وبحسب عوض، فإن إسرائيل لا تكتفي بتشديد الإجراءات الأمنية، بل تستثمر هذه المرحلة لتعزيز مكاسب ميدانية، من خلال توسيع عمليات المصادرة والاستحواذ على مساحات إضافية من الأراضي.
ويرى عوض أن ربط إسرائيل لرمضان بصورة العنف يشكل جزءًا من خطاب سياسي يُستخدم لشرعنة هذه السياسات وتعزيزها، ما يجعل الشهر ساحة إضافية لتكريس واقع أمني وميداني أكثر تشددًا في الضفة الغربية.
سياسات الاستيطان والعقاب الجماعي
تؤكد الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية ومدينة القدس تحديدًا شهدت تصاعدًا ملحوظًا مع بدء استعداد الفلسطينيين لاستقبال شهر رمضان، مرجعة ذلك إلى سياسات الاستيطان والعقاب الجماعي التي يقودها الوزيران الإسرائيليان بتسلئيل سموتريش وإيتمار بن غفير، اللذان يعدان من أبرز صناع القرار المؤثرين في الحكومة الإسرائيلية.
وتوضح عودة أن سموتريش وبن غفير يتبنيان نهجًا متشددًا يهدف إلى ترحيل الفلسطينيين من أراضيهم وتوسيع السيطرة على مزيد من الأراضي في الضفة الغربية لصالح التوسع الاستيطاني، إلى جانب تسريع خطوات تهويد القدس، والأطماع في قطاع غزة.
وتشير عودة إلى أن الحكومة الإسرائيلية صادقت، بناء على طلبهما، على مشروع قرار يجيز تسجيل أراضٍ في الضفة الغربية باعتبارها "أراضي دولة"، في خطوة تفتح المجال أمام نقل ملكية هذه الأراضي رسميًا إلى السلطات الإسرائيلية.
وتلفت عودة إلى أن سموتريتش وصف هذه الخطوة بأنها تمثل "ثورة استيطانية"، في إشارة إلى أهميتها ضمن المشروع الاستيطاني.
وتؤكد عودة أن حملات المداهمات والاعتقالات المكثفة في الضفة الغربية بما فيها القدس تهدف إلى تعزيز السيطرة الأمنية الإسرائيلية، إلى جانب توجيه رسالة تهديد غير مباشرة للفلسطينيين مفادها بأن سيناريو الحرب في قطاع غزة قد يتكرر في الضفة الغربية بما فيها القدس إذا استمر الدعم الشعبي لفصائل المقاومة.
سياسة عقابية في المناسبات الدينية
وتبيّن عودة أن الإصرار الإسرائيلي على تكثيف الإجراءات خلال شهر رمضان يندرج ضمن سياسة عقابية تتبعها إسرائيل غالبًا في المناسبات الدينية التي تتعاظم فيها مشاعر التمسك بالقدس والمسجد الأقصى ورفض سياسات التهويد.
وتؤكد عودة أن هذه السياسات تستهدف بشكل خاص المرابطين في المسجد الأقصى، إضافة إلى الفلسطينيين في القدس الشرقية المتمسكين بمنازلهم، وأهالي الضفة الغربية الذين يواجهون ضغوطًا متزايدة تهدد صمودهم في ظل استمرار المشروع الاستيطاني.
استهداف الفلسطينيين المؤيدين للمقاومة
ووفق عودة، فإن الإجراءات الإسرائيلية تركز أيضًا على استهداف الفلسطينيين المؤيدين للمقاومة، بهدف دفعهم إلى التراجع عن دعم أي نشاط يمكن أن يُنظر إليه على أنه تهديد للوجود الأمني الإسرائيلي في الضفة الغربية بما فيها القدس.
وتشير عودة إلى أن هذا التصعيد يشكل جزءًا من استراتيجية أوسع لتكريس واقع سياسي وأمني جديد، يربط بين التوسع الاستيطاني وتشديد القبضة الأمنية، خصوصًا في الفترات ذات الرمزية الدينية والوطنية العالية.
إسرائيل واعتبار رمضان فترة مرشحة للتصعيد
يوضح الكاتب والمحلل السياسي سري سمور أن شهر رمضان يُعد في الحسابات الإسرائيلية فترة مرشحة للتصعيد، نظرًا لما يحمله من رمزية دينية وتاريخية لدى المسلمين، إضافة إلى ارتباطه بمحطات بارزة في تاريخ القضية الفلسطينية.
ويوضح سمور أن إسرائيل، التي كانت في سنوات سابقة تُظهر ما تصفه بـ"تسهيلات" خلال الشهر، تخلت هذا العام عن هذا النهج، ووضعت شروطًا معقدة لدخول الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى، بالتوازي مع خطط لزيادة الانتشار العسكري، وهو ما يعكس توجّهًا نحو تصعيد الضغط على الفلسطينيين.
ويشير سمور إلى أن هذا التشدد يأتي في وقت يمر فيه الفلسطينيون بظروف اقتصادية واجتماعية قاسية، لا تقتصر على قطاع غزة بل تمتد إلى الضفة الغربية، حيث تتفاقم أزمة الرواتب، ويتراجع التشغيل داخل إسرائيل، وتضعف الحركة التجارية، ما يؤدي إلى هشاشة اقتصادية عامة.
ويؤكد سمور أن هذه الأوضاع تتزامن مع عمليات هدم منازل وتشريد آلاف العائلات، إضافة إلى تدمير ممتلكات زراعية، فضلًا عن استمرار معاناة الأسرى، في إطار ما وصفه بسياسة تدمير ممنهج.
الضغوط قد تحول رمضان إلى نقطة انفجار
ويبيّن سمور أن حالة الهدوء النسبي أو اللامبالاة الظاهرة في الشارع الفلسطيني تثير قلق إسرائيل، لأنها تدرك أن هذه الحالة ليست دائمة، وأن تراكم الضغوط قد يحول رمضان إلى نقطة انفجار للاحتقان المتزايد.
ويعتبر سمور أن إسرائيل تتعامل مع الشهر باعتباره "وعاء ضغط" قد ينفجر نتيجة الظروف السياسية والاقتصادية والإنسانية المتراكمة.
دفع الفلسطينيين نحو القبول بالأمر الواقع
وفي سياق أهداف السياسة الإسرائيلية، يوضح سمور أن إسرائيل تسعى إلى دفع الفلسطينيين نحو القبول بالأمر الواقع، عبر تكريس فكرة أنهم مجرد مجموعة سكانية بلا حقوق سياسية أو وطنية.
ويؤكد سمور أن إسرائيل تعمل ميدانيًا على تهجير أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين من خلال جعل ظروف الحياة قاسية، مع الإبقاء على شريحة تحتاجها كسوق عمل.
استهداف المناسبات الدينية
ويشير سمور إلى أن استهداف المناسبات الدينية أصبح جزءًا من سياسة إسرائيلية ممنهجة، لافتًا إلى أن التصعيد يتكرر في الأعياد والمواسم، ومذكّرًا بأن شهر رمضان الماضي شهد استئناف القتال بعد فترة قصيرة من الهدنة، رغم وجود توقعات بتمديدها، ما جعل الشهر صعبًا على أهالي قطاع غزة.
ويؤكد سمور أن هذه السياسات تهدف إلى حرمان الفلسطينيين من أي مساحة لالتقاط الأنفاس أو الاحتفاء بالمناسبات الدينية والاجتماعية، فمع دخول رمضان، يواجه كثيرون واقع فقدان أقارب أو وجود أفراد من عائلاتهم رهن الاعتقال في سجون الاحتلال، إلى جانب القيود على الوصول إلى المسجد الأقصى، وتأثير الاقتحامات والاجتياحات على الأجواء الرمضانية، خصوصًا في مدن مثل التي شهدت تهجيرًا وتضررًا في البنية المجتمعية.
إضعاف الروح المعنوية للفلسطينيين
ويلفت سمور إلى أن تعمّد التضييق في رمضان يعكس سياسة إسرائيلية تستهدف إضعاف الروح المعنوية للفلسطينيين ومنعهم من التمتع بلحظات الاستقرار الاجتماعي، عبر مزيج من الإجراءات الأمنية والاقتصادية والميدانية التي تجعل الشهر، بدل أن يكون فترة عبادة وطمأنينة، زمنًا إضافيًا للضغط والتوتر.
تقويض الدور السياسي للسلطة الفلسطينية
يؤكد الكاتب والباحث السياسي وأستاذ النظم السياسية المقارنة د. عقل صلاح أن الفلسطينيين يواجهون خلال شهر رمضان جملة من التحديات المركبة، يتصدرها التحدي الهام المرتبط بتقويض الدور السياسي للسلطة الفلسطينية.
ويوضح صلاح أن هذه الإجراءات بدأت منذ عام 2017 عبر سحب تدريجي لصلاحيات السلطة الفلسطينية، وصولًا إلى إفراغها من مضمونها السياسي ككيان يمثل تطلعات الفلسطينيين نحو إقامة دولة مستقلة.
ويشير صلاح إلى أن هذا التحدي يتقاطع مع أزمة مالية واقتصادية متفاقمة انعكست في ارتفاع معدلات البطالة والفقر، وتزايد الديون والقروض، وتراجع القدرة الشرائية، إضافة إلى تدهور أوضاع الموظفين ومنع العمال الفلسطينيين من العمل داخل إسرائيل.
إعادة هندسة الضفة الغربية
ويبيّن صلاح أن هذه الأوضاع تترافق مع ممارسات ميدانية تشمل القتل والهدم، خصوصًا في مناطق (ج)، إلى جانب اقتحامات عسكرية متكررة لمدن مثل و باستخدام المدرعات واستعراض القوة عبر القوات الخاصة، في سياق يهدف إلى ممارسة ضغط مستمر على الفلسطينيين.
ويرى صلاح أن هذه السياسات تسعى إلى إعادة هندسة الضفة الغربية ديموغرافيًا وجغرافيًا عبر فرض أمر واقع جديد يحصر الوجود الفلسطيني في جيوب سكانية محدودة، على غرار ما حدث في مناطق عام 1948.
فرض السيادة الإسرائيلية
ويحدد صلاح عدة دلالات استراتيجية لهذه الممارسات الإسرائيلية في شهر رمضان، أولها فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية بالقوة العسكرية والضغط الاقتصادي والاجتماعي.
أما الدلالة الثانية وفق صلاح، فتتعلق بفرض السيطرة على المقدسات الإسلامية، مستشهدًا بما يجري في المسجد الأقصى المبارك وصولًا إلى الحرم الإبراهيمي، في ظل انشغال دولي وإقليمي تستغله إسرائيل لفرض حقائق ميدانية يصعب التراجع عنها.
توظيف التصعيد لحل أزمات إسرائيلية داخلية
ويشير صلاح إلى أن الدلالة الثالثة تتمثل في توظيف التصعيد لحل أزمات داخلية إسرائيلية وكسب تأييد التيارات المتطرفة، خصوصًا المرتبطة بالوزيرين سموتريش وبن غفير.
أما الدلالة الرابعة وفق صلاح، فتتعلق بممارسة ضغط نفسي يهدف إلى إضعاف الروح المعنوية الفلسطينية عبر تحويل رمضان إلى فترة خوف وتوتر، وتقطيع أوصال الضفة بالحواجز التي تعيق التواصل الاجتماعي والاقتصادي.
التقسيم الزماني في الأقصى والتهجير الصامت بالضفة
ويؤكد صلاح أن من بين الدلالات أيضًا السعي إلى فرض تقسيم زماني في المسجد الأقصى، وتطبيق سياسة "التهجير الصامت" عبر الهدم وتدهور الأوضاع الاقتصادية، خاصة في مناطق (ج) والقدس، ما يدفع بعض الفلسطينيين إلى البحث عن حياة أفضل خارج هذه المناطق.
ويشير صلاح إلى أن الحصار الاقتصادي واقتطاع أموال المقاصة وتأخر الرواتب يهدف إلى إشغال المواطنين بأعباء المعيشة وإضعاف قدرة المؤسسات الفلسطينية على دعم المجتمع.
ويؤكد صلاح أن تكثيف هذه السياسات في رمضان يندرج ضمن محاولة فرض حالة إحباط عامة عبر استهداف الروح الوطنية وتحويل شهر العبادة والتجمع الاجتماعي إلى فترة تضييق واستعراض قوة.
ويعتبر صلاح أن هذه الإجراءات تأتي أيضًا في سياق فرض السيادة على القدس وإرضاء قواعد اليمين الإسرائيلي المتطرف، عبر توسيع الاستيطان وتشديد القيود على الحركة والتجارة، بالتوازي مع تصاعد اعتداءات المستوطنين اليومية.
ويشير صلاح إلى أن إسرائيل تسعى من خلال هذه الاستراتيجية إلى تكريس سياسة الأمر الواقع، عبر حصر الفلسطينيين في مناطق (أ) و(ب) كجيوب مكتظة، والسيطرة على معظم أراضي الضفة الغربية، بما يعرقل أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، مع إبقاء قطاع غزة في حالة استنزاف.
ويشدد صلاح على أن التجربة التاريخية، من الانتفاضات السابقة وصولًا إلى الأحداث الأخيرة، تظهر أن الواقع قد يفرز تحولات غير متوقعة، مؤكدًا أن الحل الجذري يكمن في إنهاء الاحتلال.
تعكير أجواء الشهر الفضيل
يوضح أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في د. جمال حرفوش أن تزامن شهر رمضان مع تصعيد ميداني إسرائيلي يتمثل في استمرار عمليات القتل والهدم وتكثيف الاقتحامات ونشر التعزيزات العسكرية يحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة، ولا يمكن اعتباره مجرد مصادفة زمنية.
ويشير حرفوش إلى أن رمضان في الوعي الجمعي الفلسطيني يتجاوز كونه مناسبة دينية، ليشكل حالة اجتماعية ووطنية تتعزز فيها الروابط المجتمعية، ويتجدد خلالها الإحساس بالهوية والكرامة وتتسع دوائر التضامن الشعبي.
ويبيّن حرفوش أن تعكير أجواء الشهر الفضيل عبر إجراءات عسكرية وأمنية مشددة يندرج ضمن أهداف متعددة، أبرزها فرض واقع أمني ضاغط يحول دون تحوّل رمضان إلى مساحة للتعبير الوطني الجماعي، واختبار قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود تحت ضغط مركّب يجمع بين الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية، إضافة إلى إعادة تعريف المشهد من قضية تحرر وطني إلى ملف أمني تُبرَّر فيه الإجراءات الاستثنائية بذريعة الحفاظ على الاستقرار.
رسالة سياسية مزدوجة
ومن منظور القانون الدولي، يشير حرفوش إلى أن استهداف المدنيين أو تقييد حركتهم الجماعية أو تنفيذ عمليات هدم ذات طابع جماعي يخضع لأحكام ضمن إطار القانون الدولي الإنساني، التي تحظر العقوبات الجماعية والتدابير الرامية إلى إرهاب السكان المدنيين. ويؤكد حرفوش أن تكرار هذه الإجراءات في شهر رمضان ذي الخصوصية الدينية يحمل رسالة سياسية مزدوجة مفادها بأنه لا يوجد زمن محصن من السيطرة ولا مناسبة خارج المعادلة الأمنية.
ويؤكد حرفوش أن الهدف لا يقتصر على ضبط الميدان، بل يمتد إلى محاولة ضبط الوعي الجمعي عبر تكريس معادلة تربط الاستقرار بالخضوع، وتوحي بأن أي حراك أو تجمّع قد يُواجَه بتصعيد.
استهداف اللحظات الرمزية
ويربط حرفوش الإصرار الإسرائيلي على تكثيف الإجراءات خلال رمضان بعدة اعتبارات، أولها أن الشهر يُعد تاريخياً فترة للحشد الروحي والاجتماعي، ما يضاعف الحضور الشعبي في الأماكن الدينية، وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك، وهو ما يُنظر إليه إسرائيلياً كعامل تعبئة قد يتجاوز الإطار التعبدي إلى الوطني.
ويشير حرفوش إلى أن إدارة الصراع تتضمن "سياسة كسر المعنويات الدورية"، أي استهداف اللحظات الرمزية التي تعزز التماسك الجمعي لمنع تراكم الطاقة المعنوية لدى المجتمع الواقع تحت الاحتلال.
ويلفت حرفوش إلى أن الأزمات السياسية الداخلية الإسرائيلية المتكررة تدفع نحو إعادة توجيه الاهتمام إلى الميدان الفلسطيني لإنتاج خطاب أمني جامع داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث تُستثمر فترات التوتر لتعزيز مفاهيم الردع والسيطرة.
إدارة زمن الصراع
ويشدد حرفوش على أن التاريخ السياسي للصراع يُظهر أن المساس بالرمزية الدينية والوطنية لا يؤدي بالضرورة إلى تفكيك الإرادة، بل قد يسهم في تعميقها، إذ تقيس الشعوب كرامتها بقدرتها على حماية هويتها الجمعية في مواجهة الضغوط.
ويلفت حرفوش إلى أن استهداف الفلسطينيين خلال رمضان يمثل جزءاً من إدارة زمن الصراع، مؤكداً أن أي مقاربة لا تنطلق من احترام الحقوق الأساسية في الحرية والكرامة وتقرير المصير ستبقى قاصرة، وتؤدي إلى إعادة إنتاج التوتر بدلاً من معالجته.
رمضان ذريعة لتبرير التصعيد
يوضح الكاتب والمختص بالشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تتعامل مع شهر رمضان سنويًا كذريعة لتبرير تشديد إجراءاتها الأمنية ضد الفلسطينيين، عبر تكثيف الاقتحامات والاعتقالات وفرض مزيد من القيود على الحركة، ولا سيما ما يتعلق بالوصول إلى المسجد الأقصى.
ويؤكد دراغمة أن هذه السياسة تُسوَّق إسرائيليًا على أساس أن رمضان يشهد عادة تصاعدًا في أعمال المقاومة، وأنه يشكل، بحسب الرواية الإسرائيلية، بيئة قابلة لحدوث توترات أمنية.
ويشير دراغمة إلى أن هذه الحجة تُستخدم لتقييد أعداد الفلسطينيين المسموح لهم بدخول المسجد الأقصى، وتعزيز الإغلاقات والحواجز في الضفة الغربية والقدس، ما يؤدي عمليًا إلى تضييق واسع على حركة الفلسطينيين.
ويؤكد دراغمة أن الاحتلال يستثمر هذه الفترة لطرح مزيد من المبررات الأمنية التي تتيح له فرض إجراءات استثنائية تتكرر كل عام مع حلول الشهر.
ويلفت دراغمة إلى وجود مؤشرات وتقارير وفق معطيات لجهاز الشاباك تتحدث عن تراجع كبير في حجم عمليات المقاومة في الضفة الغربية، وصل بحسب تلك التقديرات إلى نحو 85%.
ويبيّن دراغمة أن إسرائيل تعزو هذا التراجع إلى عملياتها العسكرية المتواصلة، إلا أنه يرى أن استحضار ذريعة التصعيد في رمضان يستمر رغم هذه المعطيات، ويُستخدم لتبرير مزيد من المضايقات.
التركيز الأمني على رمضان كمبرر شكلي لتكثيف التصعيد
ويوضح دراغمة أن التركيز الأمني على شهر رمضان يعكس بحثًا عن مبرر شكلي لتكثيف الإجراءات والتصعيد، مستشهدًا بقرار قائد شرطة الاحتلال الإسرائيلية في زيادة وقت ساعات اقتحام المستوطنين الذين يقتحمون المسجد الأقصى بالتزامن مع دخول الشهر الفضيل ساعة إضافية لتصبح فترة الاقتحامات خمس ساعات بدلاً من أربعة.
ويعتبر دراغمة أن مثل هذه القرارات، إلى جانب الإجراءات الأمنية الميدانية في الضفة الغربية والقدس، تسهم في رفع مستوى التوتر، ثم تُستغل لاحقًا لتشديد العقوبات والإجراءات.
ويشير دراغمة إلى أن سياسة التضييق خلال رمضان ترتبط بمحاولة الحد من قدرة الفلسطينيين على ممارسة شعائرهم الدينية والوصول إلى المسجد الأقصى بحرية.
ويستند دراغمة في ذلك إلى مشاهدات ميدانية خلال زيارات سابقة للقدس في شهر رمضان، حيث تتحول مداخل المدينة وأبواب المسجد الأقصى إلى نقاط انتشار مكثف لقوات حرس الحدود، مع وجود أعداد كبيرة من الجنود في حالة استنفار دائم، وما يرافق ذلك من احتكاكات مع المصلين.
سياسة إسرائيلية ثابتة تتجدد سنويًا
ويلفت دراغمة إلى أن التصعيد الأمني الإسرائيلي في رمضان يمثل سياسة ثابتة تتجدد سنويًا، إذ إن القيود والإجراءات القمعية قائمة طوال العام، لكنها تتصاعد وتيرتها خلال الشهر تحت عنوان منع تصاعد أعمال المقاومة، ما يجعل رمضان فترة تشهد تشديدًا استثنائيًا في الإجراءات مقارنة ببقية أشهر السنة.
المصدر:
القدس