آخر الأخبار

مراجعات المقاومة الفلسطينية واللبنانية: استراتيجيات جديدة لص

شارك

تواصل قوى المقاومة في المنطقة، لا سيما في فلسطين ولبنان، إجراء مراجعات داخلية مكثفة لتقييم مسيرتها في ظل التطورات المتسارعة التي أعقبت معركة طوفان الأقصى. وتأتي هذه التحركات عبر لقاءات مغلقة وندوات تخصصية تنظمها مراكز أبحاث، تهدف إلى قراءة الواقع الجديد بعيداً عن الأنماط التقليدية التي سادت في العقود الماضية.

أفادت مصادر مطلعة بأن القيادات المنخرطة في هذه المراجعات توصلت إلى قناعة مفادها أن المقاومة تمر حالياً بمنعطف تاريخي غير مسبوق. هذا المنعطف يتجاوز في تعقيداته مراحل التحرير السابقة، لينتقل بالصراع إلى مربع 'حماية الوجود' في ظل بيئة إقليمية ودولية شديدة العدائية والتعقيد.

تشير الرؤى الجديدة إلى ضرورة التمييز الدقيق بين 'الفعل المقاوم' الميداني وبين 'الإدارة المقاومة' التي تضمن استمرارية المشروع. ويرى مراقبون أن التحدي الأكبر يكمن في هشاشة البنى السياسية والاقتصادية للدول الحاضنة، والانهيارات الناتجة عن سياسات الحصار والإفقار الممنهجة التي تقودها واشنطن ضد بيئة المقاومة.

تتضمن المراجعات دعوات صريحة للانتقال من الرؤية التقليدية للمواجهة المفتوحة إلى رؤية فكرية معاصرة تراعي حجم التحولات الكبرى. وينطلق هذا الفكر المتجدد من ضرورة المواءمة بين المبادئ الثورية والمتغيرات الواقعية، معتبراً أن حماية الوجود تتطلب تعزيز البعد الوطني والتمسك بالمشروع الخاص بكل بلد.

في ظل تعثر المشاريع الوحدوية الكبرى، يبرز توجه نحو إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة والانخراط في قضايا الإصلاح الداخلي. ويرى أصحاب هذا التوجه أن قوة المقاومة يجب أن تستمد مشروعيتها من استقرار مؤسسات الدولة، بدلاً من الاكتفاء بدور اللاعب العابر للحدود في بيئة مضطربة وغير مستقرة.

أحد أبرز ملامح الاستراتيجية المقترحة هو إعادة النظر في نظرية تحرير فلسطين، من خلال الانتقال من دور المبادرة الكلية إلى دور المؤازرة لقوى الداخل الفلسطيني. هذا التحول يعكس ما يوصف بـ 'العقلانية الثورية' التي تجمع بين ثبات الأهداف الكبرى وواقعية الأدوات المستخدمة لتحقيقها في الظروف الراهنة.

تؤكد المصادر أن المعيار الحقيقي للنجاح في هذه المرحلة هو القدرة على تحقيق مكتسبات ملموسة بناءً على الإمكانات المتاحة. ويحذر قادة ومفكرون من الانجرار وراء الخطابات الشعبوية التي قد تؤدي إلى الانكفاء أمام الضغوط الدولية، مشددين على أهمية تحويل المقاومة إلى إرادة واعية تستشرف المستقبل.

المعيار الحقيقي للنجاح اليوم هو القدرة على تحقيق الأهداف بناءً على الإمكانات المتاحة، وليس الانجرار وراء الشعبوية أو الأيديولوجيات الجامدة.

تستوجب التحولات الراهنة نضجاً فكرياً وسياسياً يضمن ديمومة المقاومة بعيداً عن القوالب الجامدة التي لم تعد تتلاءم مع حجم المخاطر. إن ترسيخ منهج العمل العقلاني يتيح الموازنة بين نقاء الأهداف وصلابة الواقع، مما يجعل من الحاضنة الشعبية حصناً منيعاً أمام محاولات الحصار الاقتصادي.

يرى محللون أن الرهان في المواجهات القادمة لن يقتصر على رد الفعل العسكري فحسب، بل سيتحول إلى استراتيجية شاملة تعيد تموضع المقاومة كقوة عاقلة. هذه القوة تهدف إلى تطويع الظروف الإقليمية القاسية لخدمة البقاء والاستمرار، مع الحفاظ على مركزية القضية الفلسطينية كبوصلة أساسية.

تتضمن الاستراتيجية الجديدة المقترحة خمس ركائز أساسية، تبدأ بحماية الفكر المقاوم وتكييفه مع المرحلة، مروراً بالتمسك بالهوية الوطنية كإطار واقعي للعمل. كما تشمل إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة كحاجة استراتيجية، ومراجعة نظرية التحرير بالتركيز على الداخل الفلسطيني كقوة دفع أساسية.

تعتبر هذه الأفكار الجريئة، التي يتم تداولها في أوساط ضيقة، مدخلاً أولياً لمراجعة شاملة لمسيرة المقاومة وإنجازاتها. وتهدف هذه المراجعات إلى وضع خطط تتناسب مع خطورة المرحلة دون التنازل عن الثوابت في مواجهة المشاريع الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة.

يبقى السؤال المطروح في أروقة مراكز الدراسات حول مدى قدرة هذه الأفكار على التحول إلى برامج عمل حقيقية تتبناها القوى الفاعلة. فالتطورات الميدانية المتسارعة قد تفرض واقعاً جديداً يتجاوز كل الحسابات النظرية، ويقود المنطقة نحو مواجهة شاملة تتخطى الساحات التقليدية.

إن التركيز على 'العقلانية الثورية' يمثل محاولة لإنتاج خطاب سياسي وعسكري يتسم بالمرونة والصلابة في آن واحد. هذا الخطاب يسعى لتأمين الحماية للمجتمعات الحاضنة للمقاومة، وضمان عدم استنزاف قدراتها في معارك جانبية قد تضعف الجبهة الأساسية في مواجهة الاحتلال.

ختاماً، فإن هذه المراجعات تعكس وعياً متزايداً بحجم التحديات الوجودية التي تواجه محور المقاومة في ظل اختلال التوازن العسكري والضغط الدولي. وتظل القدرة على التكيف مع هذه المتغيرات هي الاختبار الحقيقي لاستمرارية المشروع المقاوم وقدرته على تحقيق أهدافه التاريخية في التحرر والاستقلال.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا