تتجه الأنظار غداً الخميس إلى الولايات المتحدة حيث يعقد 'مجلس السلام' الذي دشنه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اجتماعه الرسمي الأول. ويأتي هذا الاجتماع في ظل تصاعد التحفظات الدولية والشكوك حول قدرة هذا الكيان الجديد على تحقيق خرق حقيقي في ملف الحرب على قطاع غزة.
يرى مراقبون أن المجلس يواجه عقبات جوهرية، أبرزها عدم التزام الجانب الإسرائيلي ببنود وقف إطلاق النار السابقة. كما يثير ارتباط المبادرة بشخصية ترمب بدلاً من العمل المؤسسي قلقاً لدى القوى الكبرى التي ترى في ذلك تجاوزاً للأطر الدبلوماسية التقليدية.
يتضمن جدول أعمال اجتماع الغد مؤتمراً للمانحين يهدف إلى جمع التمويل اللازم لإعادة إعمار قطاع غزة. وتأتي هذه الخطوة كجزء من مساعي الإدارة الأمريكية لدفع تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مؤخراً.
رغم حصول المجلس على تفويض من مجلس الأمن للإشراف على ملفات الحكم والإعمار، إلا أن دولاً أوروبية وازنة لا تزال تمتنع عن الانضمام إليه. ويعود هذا الامتناع إلى الصلاحيات الواسعة الممنوحة للمجلس، والتي يراها البعض تهديداً لدور الأمم المتحدة التقليدي.
تمنح الوثائق التأسيسية للمجلس الرئيس ترمب حق النقض الحصري على كافة القرارات، وهو ما أثار حفيظة حلفاء واشنطن قبل خصومها. ويرى محللون أن هذه الهيكلية تحول المجلس إلى أداة بيد شخص واحد بدلاً من أن يكون منصة دولية تشاركية.
أفادت مصادر بأن غياب دول مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا يعكس رغبة هذه القوى في الحفاظ على مرجعيات القانون الدولي. وتخشى هذه الدول أن يؤدي نهج ترمب الأحادي إلى تقويض مشروع حل الدولتين بشكل نهائي واستبداله برؤية تفرضها القوة.
من جانب آخر، يرى خبراء أن المجلس يفتقر حتى الآن إلى خارطة طريق واضحة لإدارة القطاع مدنياً وأمنياً. ولا يزال الغموض يكتنف كيفية التعامل مع الفراغ الإداري في غزة في ظل استمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية على المفاصل الحيوية.
تشير تقارير إلى أن إسرائيل لم تنفذ سوى نسبة ضئيلة من التزامات المرحلة الأولى، بما في ذلك فتح المعابر وانسحاب القوات. هذا التعنت يضع مصداقية مجلس السلام على المحك قبل أن يبدأ أولى جلساته الفعلية لمناقشة المرحلة التالية.
هناك مخاوف فلسطينية ودولية من أن يكون المجلس مجرد غطاء لعملية 'استعمارية' جديدة تهدف للسيطرة على موارد غزة الطبيعية. ويلفت ناشطون إلى وجود أطماع في حقول الغاز والنفط الواقعة قبالة سواحل القطاع، والتي قد تكون محركاً خفياً لبعض السياسات.
يرى مديرو برامج دولية أن نجاح المجلس مرهون بمدى استعداد ترمب لممارسة ضغوط حقيقية على الحكومة الإسرائيلية. وبدون هذه الضغوط، سيبقى سكان غزة عالقين في وضع راهن يتسم بالانهيار الكامل للخدمات الأساسية والبنية التحتية.
تؤكد التحليلات أن الارتباط الشخصي لترمب بالمشروع يمنحه زخماً مؤقتاً لكنه يهدد استمراريته على المدى الطويل. فالمجلس يستمد قوته من نفوذ الرئيس الحالي، مما يجعله عرضة للانهيار في حال تغيرت الأولويات السياسية في واشنطن.
انتقدت قوى سياسية دولية استبعاد الفلسطينيين من المشاورات الأولية لتأسيس المجلس وتحديد مهامه. ويشدد هؤلاء على أنه لا يمكن تقرير مستقبل غزة بمعزل عن إرادة شعبها، وإلا فإن المبادرة ستكون امتداداً لسياسات الإقصاء السابقة.
في المقابل، انضمت بعض الدول للمجلس على أمل كسب ود الإدارة الأمريكية وتوجيه نفوذها نحو تهدئة الصراع. ومع ذلك، تظل هذه الدول حذرة في تعاملها مع ميثاق المجلس الذي يمنح ترمب صلاحيات وصفت بأنها 'غير مسبوقة' في الأنظمة الديمقراطية.
يبقى اجتماع الغد اختباراً حقيقياً لمدى جدية الأطراف الدولية في إنهاء معاناة قطاع غزة. وسيراقب العالم ما إذا كان 'مجلس السلام' سينجح في تحويل الوعود إلى أفعال ملموسة على الأرض، أم سيبقى مجرد إطار شكلي للصورة الإعلامية.
المصدر:
القدس