آخر الأخبار

رمضان في غزة: مجاعة وفقر وفقدان يسيطر على موائد النازحين

شارك

يستقبل أهالي قطاع غزة شهر رمضان المبارك هذا العام بقلوب مثقلة بالجراح وموائد تفتقر لأدنى مقومات الغذاء، في ظل واقع إنساني مرير فرضته حرب الإبادة الجماعية التي استمرت لعامين. وبينما يفترض أن يكون الشهر الفضيل فرصة للتراحم والبهجة، تحولت لياليه إلى محطات لاستذكار المفقودين ومواجهة الجوع الذي بات ينهش أجساد النازحين في الخيام المتهالكة.

في دير البلح وسط القطاع، يجسد المواطن أحمد فريد مأساة آلاف العائلات، حيث التف مع أطفاله الثلاثة حول مائدة متواضعة مكونة من طبقين من الفول وبعض الخبز في أول أيام الشهر. ويستذكر فريد بغصة غياب زوجته التي ارتقت شهيدة في قصف استهدف منزلهم بمخيم جباليا، مؤكداً أن الفقر وضيق الحال جعلا من توفير وجبة الإفطار عبئاً ثقيلاً لا يطاق.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن سكان القطاع يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والسلع الأساسية، رغم سريان وقف إطلاق النار منذ الحادي عشر من أكتوبر 2025. ومع ذلك، لم تتعافَ الأوضاع المعيشية بعد، حيث لا تزال البنية التحتية مدمرة والأسواق تعاني من شلل شبه كامل يحول دون قدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم الرمضانية المعتادة.

ويحاول النازحون بين خيام الإيواء وأنقاض المنازل المدمرة إحياء بعض طقوس الشهر بما تيسر من إمكانيات بسيطة، إلا أن ارتفاع معدلات الفقر والبطالة يقف حائلاً أمامهم. وتتوفر السلع في الأسواق بشكل محدود للغاية وبأسعار تفوق القدرة الشرائية للأغلبية الساحقة من الأسر التي فقدت مصادر دخلها تماماً خلال سنوات الحرب.

وتعتمد آلاف العائلات الفلسطينية حالياً بشكل كلي على المساعدات الإنسانية المحدودة التي تدخل عبر المعابر، بالإضافة إلى الوجبات التي تقدمها التكايا والمبادرات الفردية. وتأتي هذه المساعدات في وقت غابت فيه الحلويات الرمضانية والأطعمة المتنوعة التي كانت تميز المائدة الغزية قبل اندلاع حرب الإبادة وتدمير المنشآت الاقتصادية.

الواقع الاقتصادي في القطاع وصل إلى مستويات غير مسبوقة من التدهور، حيث تسببت الحرب في تسريح عشرات آلاف العمال والموظفين إثر تدمير مئات المصانع والمحال التجارية. هذا الانكماش الحاد أدى إلى فقدان الأمان الوظيفي وتحول المجتمع الغزي إلى مجتمع يعتمد بالكامل تقريباً على الإغاثة الخارجية للبقاء على قيد الحياة.

وفي جولة داخل سوق مخيم الشاطئ، يظهر حجم الركود بوضوح، حيث أكد تجار لمصادرنا أن المواطنين يكتفون بالسؤال عن الأسعار دون القدرة على الشراء. ويقول ياسر حسين، وهو تاجر حول خيمته إلى محل تجاري إن البضائع متكدسة على البسطات لكن الجيوب الفارغة تمنع الناس من اقتناء مستلزمات رمضان الأساسية.

بينما يشكل الشهر فرصة لاجتماع العائلة، يجد الكثيرون أنفسهم محرومين من هذا التقليد بسبب فقدان أحبتهم، ما يجعل وقت الإفطار مناسبة حزينة لنكئ الجراح.

من جانبه، أوضح المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أن أسواق غزة تعيش حالة من 'الركود التضخمي' نتيجة انعدام الدخل لدى الأسر الفلسطينية. وأشار إلى أن الحاجة الملحة للسلع الرمضانية تصطدم بواقع مالي مرير، حيث لا يملك المواطنون السيولة النقدية اللازمة لتنشيط الحركة التجارية في القطاع المنهك.

وشدد أبو قمر على أن معدلات البطالة في غزة اقتربت من حاجز 80%، بينما يعتمد نحو 95% من السكان على المساعدات الإغاثية لتأمين قوت يومهم. هذا الواقع خلق حالة من العزوف القسري عن الأسواق، حيث ينتظر الأهالي الحصول على طرود غذائية أو وجبات جاهزة من المؤسسات الخيرية بدلاً من شرائها.

وحذر المحلل الاقتصادي من أن ما يشهده سوق العمل في غزة ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو انهيار واسع وتفكك لمصادر الدخل قد يؤدي إلى كارثة اجتماعية دائمة. وطالب بضرورة وجود تدخل دولي عاجل لحماية ما تبقى من فرص العمل وضمان حد أدنى من الأمان المعيشي للأسر التي باتت تحت خط الفقر المدقع.

وتشير الإحصاءات إلى أن نحو 1.9 مليون نازح من أصل 2.4 مليون فلسطيني في القطاع يعيشون ظروفاً قاسية داخل خيام تفتقر لأدنى مقومات الحياة الآدمية. هؤلاء النازحون الذين فقدوا منازلهم وممتلكاتهم يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة مباشرة مع الجوع والبرد في شهر الصيام، دون أفق واضح لإعادة الإعمار.

وعلى مدار عامين من الحرب، تعرض الفلسطينيون لموجات نزوح متكررة وقسرية فرضتها قوات الاحتلال، مما أدى إلى تشتت العائلات وضياع ممتلكاتها. هذا النزوح المستمر أرهق البنية الاجتماعية وجعل من اجتماع العائلة على مائدة إفطار واحدة أمراً صعب المنال لكثير من الأسر المشتتة بين مراكز الإيواء.

وتكشف أيام رمضان الحالية عن حجم الآلام غير المسبوقة التي يعيشها القطاع، حيث يتحول وقت الإفطار من لحظة فرح إلى مناسبة لنكئ الجراح وتذكر الماضي القريب. فبين كل خيمة وأخرى، هناك قصة فقد أو جوع، وهناك مقعد فارغ كان يشغله شهيد أو مفقود تحت الأنقاض التي لم ترفع بعد.

ورغم كل هذه المعاناة، يبقى الدعاء هو الزاد الأقوى على موائد الغزيين، حيث تلهج الألسن بالطلب من الله أن ينهي هذه الغمة ويفرج كرب المحاصرين. ويظل أمل أهالي غزة معلقاً بانتهاء آثار الحرب وعودة الحياة إلى طبيعتها، رغم أن الدمار الذي طال الحجر والبشر يحتاج لسنوات طويلة من العمل والترميم.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا