تتسارع الخطوات الإسرائيلية الرامية لإعادة تعريف مساحات شاسعة من أراضي الضفة الغربية المحتلة تحت مسمى 'أملاك الدولة'، في مسار يتجاوز البعد القانوني التقليدي ليصل إلى إعادة صياغة الجغرافيا الاقتصادية والزراعية للمنطقة. هذا الاستيلاء الممنهج لا يطال الأرض كحيز مكاني فحسب، بل يمتد ليضرب سلة الغذاء الفلسطينية ومصادر الرزق الريفي التي تعتمد عليها آلاف الأسر.
وتستهدف القرارات الأخيرة أراضي زراعية حيوية تشكل عماد الأمن الغذائي الفلسطيني، وتأتي في وقت يرزح فيه القطاع الزراعي تحت وطأة اعتداءات متكررة تشمل التجريف والتخريب ومنع الوصول إلى الحقول. هذه الممارسات تضاعف الخسائر الاقتصادية وتقوض القدرة الإنتاجية للفلاح الفلسطيني في مواجهة التوسع الاستيطاني الذي تحول إلى أداة ضغط مالي ومعيشي.
ووفقاً لبيانات رسمية، فقد تحول التوسع الاستيطاني من مجرد تمدد عمراني إلى استراتيجية اقتصادية تعيد تشكيل البنية التحتية للضفة، حيث رصدت مصادر مسؤولة تصاعداً كبيراً في الاعتداءات على مصادر المياه واقتلاع الأشجار. وخلال الأسبوع الأول من شهر فبراير الجاري وحده، تم اقتلاع نحو 777 شجرة زيتون، مما تسبب بخسائر مادية تجاوزت 600 ألف دولار تركزت في محافظتي الخليل ونابلس.
ويُصنف هذا التصعيد في الأوساط الفلسطينية باعتباره 'استيطاناً اقتصادياً' يسير بوتيرة أسرع من البناء السكني، حيث تتقلص المساحات الزراعية المتاحة للفلسطينيين خاصة في المناطق المصنفة 'ج'. هذه المناطق التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة، باتت مسرحاً لإقامة عشرات البؤر الرعوية والمزارع الاستيطانية الجديدة التي تلتهم المراعي والحقول الخصبة.
وتركزت موجة المصادرات الأخيرة في مناطق الأغوار الشمالية والوسطى، بالإضافة إلى محيط محافظات سلفيت ورام الله وبيت لحم وجنوب الخليل. وتشير التقديرات إلى فقدان آلاف الدونمات من الأراضي المروية عالية الإنتاجية، مما يهدد استدامة القطاع الزراعي الذي يعد أحد أعمدة الصمود الفلسطيني في وجه الاحتلال.
ويتجلى الأثر الاقتصادي لهذه السياسات في تراجع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي، حيث انخفضت النسبة من 7% إلى نحو 5% فقط. كما وثقت تقارير فنية خسائر مباشرة بلغت قيمتها 103 ملايين دولار خلال العام المنصرم، فضلاً عن التداعيات العميقة على سلاسل التوريد والدخل في المناطق الريفية والمهمشة.
وفي سياق متصل، كشفت تقارير ميدانية عن تصنيف أكثر من 26 ألف دونم كـ 'أراضي دولة' تمهيداً لانتزاع السيطرة الفلسطينية الكاملة عنها، بالتوازي مع مخططات لشرعنة 140 مزرعة استيطانية. هذه التحركات تأتي وسط تصاعد اعتداءات المستوطنين، لا سيما في مناطق مسافر يطا ومحافظة الخليل، لتوفير غطاء قانوني لعمليات السيطرة على الأرض.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور ثابت أبو الروس أن توسيع تعريف 'أملاك الدولة' يمثل غطاءً قانونياً للجانب الإسرائيلي لفرض وقائع على الأرض دون اعتبار للشرعية الدولية. وأوضح أن هذا المسار ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لسياسات بدأت منذ عقود تهدف إلى عزل الفلسطينيين في كانتونات ضيقة وحرمانهم من مواردهم الطبيعية والاقتصادية.
وحذر أبو الروس من أن هذا العدوان الاقتصادي يهدف إلى إنهاك القاعدة الإنتاجية الفلسطينية وإضعاف قدرتها على الصمود، وربط بين ما يحدث في الضفة والعدوان المستمر على قطاع غزة كسياسة متكاملة لتدمير الثروة الحيوانية والزراعية. هذا التدمير الممنهج سيؤدي بالضرورة إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتفاقم معدلات البطالة بين العاملين في هذا القطاع.
كما توقع الخبير الاقتصادي زيادة تبعية السوق الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي نتيجة انكماش الإنتاج المحلي واضطرار التجار للتوجه نحو المصادر الإسرائيلية لتغطية العجز. وتتقاطع هذه التطورات مع مشاريع استيطانية كبرى مثل مشروع 'إي 1'، الذي يهدف لفصل شمال الضفة عن جنوبها، مما يكرس واقعاً جغرافياً يمنع إقامة كيان فلسطيني متصل.
المصدر:
القدس