تفاقمت أزمة البطالة في قطاع غزة لتصل إلى مستويات كارثية غير مسبوقة، في ظل انكماش اقتصادي حاد ودمار واسع طال كافة مقومات الحياة والبنية التحتية. وأجبر هذا الواقع مئات الآلاف من المواطنين على خوض كفاح يومي مرير لتأمين أدنى متطلبات المعيشة لأسرهم، وسط غياب تام لفرص العمل المستقرة.
وأفادت مصادر صحفية بأن الأسواق في غزة بدأت تشهد توفراً نسبياً للفاكهة والسلع التجارية، إلا أن أسعارها بقيت باهظة جداً ولا تتناسب مع واقع السكان الذين يعيش 80% منهم بلا دخل. ويعكس هذا التناقض فجوة عميقة بين توفر المواد في الأسواق وقدرة المواطن الشرائية التي سحقتها سنوات الحرب والحصار المتواصل.
ويروي الشاب منصور بكر، وهو صياد سابق يبلغ من العمر 23 عاماً، مأساته اليومية في البحث عن عمل لإعالة زوجته الحامل وطفلتيه. فقد دمرت الحرب معدات الصيد التي كان يمتلكها مع عائلته، كما فقد إخوته في القصف، ليجد نفسه اليوم عاجزاً عن العودة إلى البحر الذي كان مصدر رزقه الوحيد.
ويؤكد بكر أن المساعدات الإغاثية التي تصل إلى القطاع، رغم أهميتها، لا يمكن أن تسد مسد المال اللازم لشراء الاحتياجات الخاصة والضرورية. فالحياة في غزة باتت تتطلب سيولة نقدية لتغطية تكاليف لا تغطيها الطرود الغذائية، مثل الأدوية والملابس ومصاريف التنقل اليومية.
من جانبها، كثفت المنظمات الإنسانية الدولية جهودها منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، محاولةً تخفيف حدة الجوع. ووفقاً لبيانات أممية، فقد وصلت المساعدات الغذائية إلى نحو 1.6 مليون شخص خلال شهر كانون الثاني/ يناير الماضي عبر وكالات الأمم المتحدة وشركائها.
وتساهم منظمة 'وورلد سنترال كيتشن' بتقديم نحو مليون وجبة ساخنة يومياً للنازحين والمتضررين في مختلف مناطق القطاع. ومع ذلك، يشدد عمال إغاثة على أن هذه الجهود تظل قاصرة عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، خاصة مع اعتماد السكان الكلي على المعونات في ظل توقف العجلة الاقتصادية.
وفي السياق ذاته، تشير كيت تشارلتون، المنسقة الطبية لمنظمة أطباء بلا حدود، إلى وجود زيادة ملحوظة في الإمدادات التجارية التي تدخل الأسواق المحلية. لكنها استدركت بالقول إن هذه السلع تظل بعيدة عن متناول الغالبية العظمى من السكان بسبب ارتفاع أثمانها بشكل يفوق طاقة الأسر النازحة.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الاقتصاد الغزي انكمش ليصل إلى 13% فقط من حجمه الذي كان عليه قبل اندلاع المواجهات الأخيرة. ووصف مسؤولون دوليون هذا الانهيار بأنه الأسرع والأشد في التاريخ الحديث، حيث قضى على عقود من التنمية والتقدم الاقتصادي في القطاع.
وبحسب البيانات الصادرة عن الوكالات الدولية، فقد هوى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في غزة إلى 161 دولاراً سنوياً فقط خلال عام 2024. ويعد هذا الرقم من أدنى المعدلات المسجلة عالمياً، مما يضع القطاع في مصاف المناطق الأكثر فقراً وعوزاً على مستوى العالم.
ولم يسلم قطاع الصيد، الذي كان يعيل آلاف الأسر، من الاستهداف المباشر الذي دمر القوارب والمرافئ وحرم الصيادين من الوصول إلى أعماق البحر. وحتى في حال توفر القوارب، فإن القيود البحرية المشددة التي يفرضها الاحتلال تمنع الصيادين من ممارسة مهنتهم التاريخية التي ورثوها عن أجدادهم.
وعلى صعيد الخريجين، تواجه بيسان محمد، الحاصلة على شهادة في المختبرات الطبية، واقعاً مظلماً حيث تعيش في خيمة مع طفلتها ووالديها. وتقول بيسان إن الحصول على وظيفة في تخصصها بات حلماً بعيد المنال وسط الركام، مؤكدة أن 'حتى التنفس في غزة بات يحتاج إلى مال'.
ورغم الحديث عن وقف إطلاق النار، إلا أن التقارير الميدانية تؤكد استمرار العنف وسقوط ضحايا بشكل يومي جراء الغارات والقصف المتقطع. ووثقت منظمات مراقبة النزاعات مقتل مئات الفلسطينيين منذ بدء الهدنة المفترضة، مما يزيد من حالة اليأس وعدم الاستقرار لدى السكان.
ويبقى الغموض سيد الموقف بشأن مستقبل إعادة الإعمار والخطط الدولية لإنشاء قوة استقرار، في ظل تعنت سياسي وقيود ميدانية على المعابر. ويخشى سكان غزة من أن يتحول 'وقف إطلاق النار' إلى حالة استنزاف دائم، تتبخر معها آمالهم في استعادة حياتهم الطبيعية والعودة إلى أعمالهم.
المصدر:
القدس