تشهد المنطقة العربية تحولات دراماتيكية في موازين القوى، حيث انتقلت الاستراتيجيات الإقليمية من مرحلة إدارة الأزمات التقليدية إلى سياسات كسر العظام وفرض الأمر الواقع. وفي هذا السياق، تبرز التساؤلات حول الدور الإماراتي المتنامي الذي يتجاوز حدود الاستثمار الاقتصادي التقليدي ليمس جوهر السيادة في دول كبرى مثل مصر.
نقلت تقارير عن السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام تصريحات لافتة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أبدى فيها دهشته من مستوى التعاون الإماراتي. وأشار غراهام إلى أن القيادة الإماراتية قدمت أكثر مما كان مطلوباً منها، مما يضع التحركات الاقتصادية في إطار سياسي أوسع يرتبط بترتيبات إقليمية جديدة.
لا يمكن قراءة المشهد المصري الحالي بمعزل عن التدخل المنهجي الذي أفضى إلى الإمساك بمفاصل استراتيجية وحيوية على امتداد الجغرافيا المصرية. فبينما تُتهم الإمارات بإثارة الانقسام في ليبيا واليمن والسودان، يتخذ دورها في القاهرة منحى التغلغل الهادئ في البنية الاقتصادية للدولة عبر سياسة استحواذ ممنهجة.
تعتبر صفقة 'رأس الحكمة' النموذج الأبرز لهذا التوجه، حيث حصلت أبو ظبي على حقوق تطوير مساحة شاسعة تصل إلى 170.8 كيلومتر مربع على الساحل الشمالي. وتعد هذه الصفقة الأضخم في تاريخ البلاد، وتثير مخاوف جدية حول تحويل أجزاء من الأرض المصرية إلى مناطق ذات طبيعة خاصة تُدار بعيداً عن الأطر التقليدية.
يمتد النفوذ الإماراتي ليشمل قطاع الأسمدة والصناعات الكيماوية، حيث استحوذت شركات إماراتية على حصص مؤثرة في شركة أبو قير للأسمدة وشركة 'إيثيدكو'. هذه الاستحواذات تمنح جهات خارجية القدرة على التحكم في مدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي، مما يؤثر بشكل مباشر على الأمن الغذائي والاقتصادي.
في قطاع الطاقة والخدمات البترولية، بسطت شركة ADQ الإماراتية سيطرتها على حصص حاكمة في شركة الحفر الوطنية والشركة المصرية للحفر. وتعكس هذه الخطوات رغبة واضحة في التواجد بقلب قطاع الطاقة المصري، وهو القطاع الذي يمثل عصب الاقتصاد الوطني ومصدر الرهان على المستقبل.
أما في الموانئ والمنافذ البحرية، فقد أحكمت الشركات الإماراتية قبضتها على بوابات مصر التجارية، حيث تدير موانئ دبي العالمية ميناء العين السخنة. كما حصلت مجموعة موانئ أبو ظبي على حق تشغيل ميناء سفاجا لثلاثة عقود، مما يمنحها نفوذاً هائلاً على حركة التجارة في البحرين الأحمر والمتوسط.
القطاع الصحي لم يكن بمنأى عن هذا التغلغل، حيث قادت شركة 'أبراج كابيتال' عمليات استحواذ واسعة طالت مستشفيات كبرى مثل النيل بدراوي والشروق. والأخطر من ذلك هو السيطرة على أكبر سلسلتين لمعامل التحاليل في مصر، وهما 'البرج' و'المختبر'، مما يضع بيانات المواطنين الصحية تحت تصرف جهات خارجية.
يرى مراقبون أن هذا التوسع يهدف إلى تفكيك الاستقلالية الاقتصادية المصرية وإضعاف قدرة الدولة على اتخاذ قرارات سيادية مستقلة. فالحاجة الملحة للسيولة النقدية دفعت الحكومة المصرية لفتح الأبواب أمام شراء مفاصل الدولة قطعة بعد قطعة، تحت غطاء الاستثمار والتطوير العمراني.
تتزايد المخاوف الأمنية من تحول هذه الأصول إلى 'جزر استثمارية معزولة' تخدم أجندات إقليمية تهدف لزعزعة استقرار القوى العربية الكبرى من الداخل. إن السيطرة على الموانئ وقواعد البيانات الصحية والمواقع الاستراتيجية تمنح القوى الخارجية قدرة فائقة على رصد وتحليل 'نبض الدولة' بمفهومه الأمني الواسع.
لقد وجدت الإمارات في ظل القبضة الأمنية الحالية وغياب المعارضة الفاعلة فرصة سانحة للانتقال من منطق النفوذ السياسي إلى منطق الهيمنة الاقتصادية الشاملة. ويصف محللون هذا التوجه بأنه 'استعمار ناعم' لا يستخدم الدبابات بل العقود والصفقات، مستغلاً هشاشة الاقتصاد وضيق الخيارات المتاحة.
الارتباك المؤسسي والهطول الإداري في التعامل مع الأصول الوطنية فتح المجال أمام تغلغل متدرج بدأ كاستثمارات عقارية وانتهى بالسيطرة على قطاعات سيادية. ولعل ما حدث في جزيرة الوراق يمثل نموذجاً كاشفاً لكيفية تحول هذه الاستثمارات إلى مصدر للاضطراب الاجتماعي والأمني الذي يهدد تماسك المجتمع.
إن تحويل الدولة من منتج ومتحكم في مقدراتها إلى مجرد ساحة استثمارية تدار من الخارج يمثل تهديداً وجودياً للدور المصري التاريخي في المنطقة. فالتبعية المالية للممولين الإقليميين تضع قيوداً ثقيلة على صانع القرار، مما يجعله رهيناً لسياسات قد تتعارض مع المصالح الوطنية العليا.
في الختام، يبقى التساؤل قائماً حول المدى الذي يمكن أن يصل إليه هذا التغلغل الإماراتي في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية المصرية. إن استعادة التوازن تتطلب مراجعة شاملة لسياسات البيع والاستحواذ، وضمان بقاء المفاصل الاستراتيجية للدولة تحت سيادة وطنية حقيقية بعيداً عن ضغوط المال السياسي.
المصدر:
القدس