كشف تحليل معمق لصور الأقمار الصناعية عن تغييرات جغرافية وعمرانية غير مسبوقة طالت مخيمات شمال الضفة الغربية، وتحديداً جنين وطولكرم ونور شمس. وأظهرت البيانات البصرية تحويل هذه التجمعات السكانية المكتظة إلى ما يشبه الثكنات العسكرية والجزر المعزولة نتيجة عمليات الهدم الممنهجة وشق الطرق القسرية التي نفذها جيش الاحتلال.
واستند التحليل الفني إلى خرائط مقارنة زمنية وبيانات أممية، أوضحت اتساع نطاق التجريف وتدمير البنية التحتية الحيوية بشكل كامل. ووصف مسؤولون في وكالة الأونروا المشهد الحالي في تلك المخيمات بـ 'مدن الأشباح'، مؤكدين أن السياسة المتبعة تهدف إلى محو الهوية العمرانية للمخيم وتفكيك نسيجه الاجتماعي.
في مخيم جنين، الذي يعد بؤرة الاستهداف الرئيسية، أظهرت الصور الملتقطة بين نوفمبر 2024 ويناير 2026 دماراً هائلاً سوي خلاله ما لا يقل عن 237 مبنى بالأرض. وتؤكد الإحصائيات أن محافظة جنين سجلت ضعف أعداد المنشآت المهدومة والنازحين مقارنة بالمناطق المجاورة، مما يعكس كثافة العمليات العسكرية هناك.
وأكد ممدوح عساف، مدير بلدية جنين أن قوات الاحتلال تعمدت تجريف كافة شوارع المخيم تقريباً وتهجير أحياء بأكملها قسراً تحت وطأة السلاح. ولم تكن هذه العمليات عشوائية، بل خضعت لرؤية هندسية تهدف لشق شبكة طرق عسكرية تجاوز طولها 4 كيلومترات، مما أدى لشطر المخيم إلى قسمين منفصلين تماماً.
ورصدت الصور الفضائية إقامة سواتر ترابية وموانع أرضية محكمة عند كافة المداخل والمخارج الرئيسية لمخيم جنين. هذا الإجراء يشير بوضوح إلى فرض طوق أمني صارم ونمط تحكم عسكري دائم، يهدف إلى مراقبة حركة الدخول والخروج وتقييد حرية تنقل الفلسطينيين داخل محيط سكناهم.
وفي مخيم طولكرم، كشف التحليل عن تطبيق ذات النهج العسكري عبر تدمير 181 مبنى بشكل كامل وتحويل الكتلة العمرانية المتماسكة إلى 'جزر معزولة'. وجرى استحداث شبكة طرق داخلية بطول 2.5 كيلومتر، تتطابق مساراتها مع المباني التي تم هدمها، لتسهيل حركة الآليات العسكرية الثقيلة في عمق المخيم.
أما في مخيم نور شمس، فقد طال الدمار نحو 48% من إجمالي المباني وفقاً لتقديرات رسمية، مع توثيق تدمير 111 مبنى بشكل كلي. وتركزت العمليات الهندسية في الجزء الشمالي المكتظ، حيث شق الاحتلال طرقاً بطول 2.2 كيلومتر لضمان وصول آلياته إلى أكثر المناطق تعقيداً من الناحية العمرانية.
وأسفرت عمليات التجريف العميق في نور شمس عن تدمير شامل لشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، مما جعل الحياة اليومية شبه مستحيلة لمن تبقى من السكان. وتهدف هذه السياسة إلى تأمين 'حرية المناورة' للجيش على حساب الاحتياجات الإنسانية الأساسية للاجئين الفلسطينيين في المخيم.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الاحتلال انتهج نمطاً هندسياً ثابتاً يعتمد على محو المعالم الجغرافية التقليدية واستبدال الأزقة الضيقة بشوارع عريضة. هذا التغيير القسري يهدف إلى كسر الحالة النضالية داخل المخيمات عبر كشفها عسكرياً وتسهيل عمليات الاقتحام والاعتقال المستمرة.
وعلى الصعيد البشري، وثقت تقارير حقوقية استشهاد 84 فلسطينياً في جنين و17 في طولكرم منذ مطلع عام 2025، بالإضافة إلى اعتقال نحو 2300 مواطن. وترافق ذلك مع تحويل مئات المنازل الخاصة إلى نقاط مراقبة وثكنات عسكرية، مما أجبر آلاف العائلات على النزوح القسري دون أفق للعودة.
وخلص التحليل إلى أن ما تشهده مخيمات شمال الضفة هو إعادة صياغة شاملة للواقع الجغرافي والديموغرافي بما يخدم الأهداف الأمنية للاحتلال. إن تحويل المخيمات إلى مربعات أمنية مقسمة يمثل انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه حماية المدنيين ومنشآت الأونروا.
المصدر:
القدس