آخر الأخبار

العام الأسوأ مالياً ... أزمة خانقة تضع السلطة أمام اختبار القدرة على تجاوز العقبات

شارك

د. شاكر خليل: استمرار تعثر الرواتب وسوداوية الأفق المستقبلي لها سيؤديان إلى ضغوط اجتماعية متزايدة خاصةً مع استنفاد وسائل تأقلم المواطنين مع تراجع الدخل
مسيف مسيف: الهدف من كشف الوزير لعمق الأزمة هو تحضير المواطنين للمرحلة القادمة لأن نسب صرف الرواتب قد تتراجع وتصل إلى 40% في الأشهر المقبلة
د. مؤيد عفانة: الحكومة ستواجه صعوبة بالحفاظ على نسب صرف الرواتب مع اللجوء لإجراءات تقشفية صارمة واعتماد سياسة دقيقة لأولويات الإنفاق
أيهم أبو غوش: المخرج الفعلي للأزمة يكمن بوجود حل سياسي وإصلاحات عميقة وجدية تتجاوز المعالجات الشكلية نحو معالجة جوهر الاختلالات المالية
د. ثابت أبو الروس: إدارة المرحلة المقبلة تتطلب دعماً خارجياً وتعزيز الجباية وضبط النفقات لتجنب تفاقم الأزمة المالية وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية
إخلاص طمليه: تصريحات وزير المالية تضع نحو 172 ألف أسرة بحالة عدم يقين بشأن الرواتب المقبلة خاصة تزامنها مع اقتراب شهر رمضان والعيد



رام الله - خاص ب"القدس"-
تأتي تصريحات وزير المالية اسطفان سلامة حول الأزمة المالية العامة للسلطة الفلسطينية بأنها تتجه نحو مرحلة شديدة الصعوبة خلال عام 2026، في ظل استمرار احتجاز أموال المقاصة وتآكل هوامش المناورة المالية، لتعمق التحذيرات حول دق ناقوس الخطر بشأن إمكانية الانهيار المالي ما لم يتم حل الأزمة.
ويجمع مختصون وخبراء اقتصاديون في أحاديث منفصلة مع"القدس"، على أن الأزمة الحالية بلغت مستوى حرجاً يهدد قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها الأساسية، وعلى رأسها رواتب الموظفين وتمويل الخدمات العامة الحيوية، وسط فجوة تمويلية متزايدة وضغوط متصاعدة على الخزينة.
وتعكس المؤشرات المالية تراجعاً حاداً في الإيرادات المحلية وتضخماً في خدمة الدين العام، ما يدفع الحكومة إلى الاعتماد على الاقتراض وتأجيل المستحقات لتأمين الحد الأدنى من النفقات.
ويحذر خبراء ومختصون اقتصاديون من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى ركود اقتصادي أعمق، مع تأثيرات مباشرة على القطاع الخاص ومستويات المعيشة، وبالتالي إمكانية حدوث شلل اقتصادي.
ويربطون الخروج من الأزمة بتحرك سياسي ودولي عاجل يفضي إلى الإفراج عن أموال المقاصة، بالتوازي مع تنفيذ إصلاحات مالية وإدارية جادة تعزز الثقة وتعيد ضبط أولويات الإنفاق، لتفادي تداعيات اجتماعية واقتصادية واسعة.



العام 2026.. من أصعب الأعوام المالية

يحذّر الخبير الاقتصادي د. شاكر خليل من أن العام 2026 قد يكون من أصعب الأعوام التي تمر بها السلطة الفلسطينية مالياً، معتبراً أن التصريحات الأخيرة لوزير المالية اسطفان سلامة تعكس وصول الأزمة إلى مرحلة حرجة، في ظل تضاؤل الخيارات الفنية واستمرار غياب الحلول السياسية، خصوصاً ما يتعلق بأموال المقاصة التي تشكل العمود الفقري للإيرادات العامة.
ويوضح خليل أن إعلان وزير المالية توفير 60% من رواتب الموظفين بحد أدنى 2000 شيكل شهرياً جاء "بشق الأنفس"، وفق توصيف وزير المالية، ما يدل على حجم الضغوط غير المسبوقة التي تواجهها الخزينة.
ويرى خليل أن استخدام الوزير تعبيرات مثل "انتهت حلول الأرض" و"وأغلقت الأبواب والنوافذ" يشير إلى دق ناقوس الخطر بشأن قدرة الحكومة على الاستمرار في توفير الرواتب خلال الأشهر المقبلة.
ويبيّن خليل أن جوهر الأزمة يتمثل في توقف تحويل أموال المقاصة منذ نحو تسعة أشهر، وهي التي تشكل ما بين 68% و70% من الإيرادات العامة، ما أحدث فجوة مالية ضخمة.

محاولات البحث عن حلول

ويوضح خليل أن الحكومة لجأت لتغطية الرواتب عبر الاقتراض من البنوك وإدارة المدفوعات بأسلوب "الري بالتنقيط" تجاه مستحقات القطاع العام والخدمات الأساسية، إلا أن هذا المسار يحمل مخاطر متزايدة.
ويشير خليل إلى أن خدمة الدين العام، التي تشمل أقساط القروض والفوائد، تبلغ نحو 300 مليون شيكل شهرياً، في حين تتراوح الإيرادات المحلية بين 300 و400 مليون شيكل فقط، ما يعني أن معظم الإيرادات تذهب لسداد الديون. ويعتبر خليل أن التوسع في الاقتراض تجاوز الحدود الآمنة للبنوك، التي أصبحت أكثر تحفظاً في الإقراض بسبب ارتفاع انكشافها على الدين الحكومي مما يرفع من مخاطرها.
ويقدر خليل أن وزارة المالية تحتاج إلى نحو 700 مليون شيكل شهرياً لتغطية 60% من الرواتب، إضافة إلى 250–300 مليون شيكل للنفقات التشغيلية الطارئة، مثل الأدوية والمستشفيات وغيرها، ما يرفع الاحتياج الشهري إلى نحو مليار شيكل بالحد الأدنى الحالي.
وبحسب خليل، فإنه في المقابل، لا تتجاوز الموارد المتاحة من الإيرادات المحلية والمساعدات الدولية وغيرها 600 مليون شيكل في أفضل الأحوال، ما يخلق فجوة تمويلية شهرية على الأساس النقدي الحالي تقارب 400 مليون شيكل، تضطر الحكومة لتغطيتها عبر الاقتراض أو تأجيل المستحقات وغيرها.

عامل الوقت لا يعمل لصالح الحكومة

ويلفت خليل إلى أن عامل الوقت لا يعمل لصالح الحكومة، إذ يؤدي استمرار الاقتراض إلى ارتفاع خدمة الدين بشكل كبير وتقلص هامش المناورة المالية، بالتوازي مع تراجع الإيرادات المحلية نتيجة تباطؤ النشاط الاقتصادي.
ويؤكد خليل أن الأزمة تتجاوز بعدها المالي إلى أبعاد سياسية، معتبراً أن حل مشكلة المقاصة شرط أساسي لإنهاء الأزمة، بينما تبقى الحلول الفنية، رغم أهميتها، محدودة التأثير.
ويشدد خليل على أهمية الإصلاح المالي والإداري، ليس فقط من زاوية تقليص النفقات مع أهميتها، بل أيضاً لإعادة بناء الثقة لدى المواطنين، عبر سياسات تقشف تُشعر الجميع بأن أعباء الأزمة موزعة بشكل عادل.
ويوضح خليل أن النفقات الشهرية على أساس الاستحقاق تتجاوز 1.8 مليار شيكل، بينما تنفق الحكومة فعلياً نحو نصف هذا المبلغ على الأساس النقدي، ما يعني تراكم التزامات مالية كبيرة في ذمتها.

تداعيات اجتماعية خطيرة

ويحذر خليل من التداعيات الاجتماعية والاقتصادية للأزمة، خاصة مع اقتراب مواسم تتطلب إنفاقاً إضافياً مثل شهر رمضان والعيد، مؤكداً أن استمرار تعثر الرواتب سيؤدي إلى ضغوط اجتماعية متزايدة، في وقت بدأت فيه وسائل تأقلم المواطنين مع تراجع الدخل بالاستنفاد.
ويؤكد خليل أن تأثير الأزمة أعمق من الرواتب حيث يمتد إلى القطاع الخاص والأطراف الأخرى، حيث توقفت أو تقلصت أنشطة العديد من المشاريع الصغيرة، وتباطأت عجلة الاقتصاد بشكل حاد.
ويشير خليل إلى أن الاقتصاد الفلسطيني يشهد ركوداً عميقاً مع تراجع قياسي في الناتج وصل إلى نحو 25–28%، بينما ارتفعت مديونية وزارة المالية إلى نحو 15.4 مليار دولار، متجاوزاً حجم الاقتصاد نفسه، الذي يقدَّر حالياً بنحو 12–13 مليار دولار.

ضرورة التحرك السياسي

ويؤكد خليل أن المرحلة المقبلة تتطلب تحركاً سياسياً ودولياً وعربيا عاجلاً، بمشاركة الأطراف الإقليمية والداعمين الدوليين، لتفادي تفاقم الأزمة.
ويشير خليل إلى أن استمرار الوضع الحالي دون حل سياسي سيجعل عام 2026 نقطة مفصلية، مع كلفة اجتماعية واقتصادية مرتفعة، في ظل تضاؤل قدرة الحكومة والمواطنين على تحمّل مزيد من الضغوط.

أزمة تراكمية مستمرة تعيشها السلطة

يرى الباحث في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس)، مسيف مسيف، أن التصريحات الأخيرة لوزير المالية اسطفان سلامة حول صعوبة الوضع المالي للسلطة الفلسطينية في عام 2026 لا تأتي كمفاجأة، بل تعكس أزمة تراكمية مستمرة تعيشها السلطة الفلسطينية منذ ثلاث سنوات، معتبراً أن ما يميز التصريح هو الشجاعة في الكشف عن حجم المديونية الحقيقية البالغة نحو 47 مليار شيكل أمام الجمهور.
ويوضح مسيف أن الهدف من كشف الوزير لعمق الأزمة هو تحضير المواطنين للمرحلة القادمة، حيث قد تتراجع نسب صرف الرواتب من 70 و60% حالياً إلى 50 و40% في الأشهر المقبلة، إضافة إلى رسالة سياسية موجهة للعالم حول مأزق السلطة المالي الحقيقي.
وبحسب مسيف، فإن أي جهة تنكر خطورة الوضع "غير صادقة،"، موضحاً أن أي دولة تفقد نصف إيراداتها تواجه صعوبة كبيرة في الوفاء بالتزاماتها، بما يشمل الرواتب والإنفاق على الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والمصاريف التشغيلية.

استمرار الأزمة وإمكانية الانهيار الاقتصادي

ويشير مسيف إلى أن السيناريو المتوقع في ظل استمرار المؤشرات الحالية هو "انهيار كامل" للعديد من المؤشرات الاقتصادية، قد يؤدي إلى شلل العجلة الاقتصادية وارتفاع المعاناة الاجتماعية للمواطنين، معتبراً أن الوضع بات نحو كارثة اقتصادية شاملة إذا لم يتم اتخاذ إجراءات جذرية.
ويشدد مسيف على أن الاهتمام بالعمالة أمر مهم كمنقذ أساسي لتحريك عجلة الاقتصاد الفلسطيني في ظل ما يعانيه من تحديات كبيرة وغير مسبوقة.
ويؤكد مسيف أن أي حلول إدارية أو اقتصادية، مثل تحسين إدارة المال العام أو مكافحة الهدر والفساد، لن تُحدث فرقاً إلا بنسبة 5 إلى 10% فقط، مشدداً على أن جوهر الأزمة سياسي بامتياز، ومتصلاً بالابتزاز الإسرائيلي المستمر الذي يقيد حركة التجارة، والتنقل، وحركة العمالة الفلسطينية بين الضفة وغزة، فضلاً عن قيود القطاع الخاص على المشاركة في الإعمار والحركة الاقتصادية.
ويعتبر مسيف أن أي مخرج حقيقي للأزمة المالية الفلسطينية يعتمد على "انفراجة سياسية" تشمل إزالة الحواجز، وتحرير حركة العمالة، وتسهيل التجارة بين المناطق، مشيراً إلى أن الحلول الاقتصادية أو الإدارية وحدها غير كافية، معتبراً أن أي حديث عن حلول اقتصادية من دون حل سياسي هو "غير واقعي".
ويشدد مسيف على أن الأزمة الحالية ليست مفاجئة بل تراكمية، وأن ما تفعله السلطة من إجراءات مالية وإدارية جزئية لن يكون كافياً، مؤكداً أن الحل السياسي هو المفتاح الوحيد لاستقرار الاقتصاد الفلسطيني واستمرارية الخدمات الأساسية للمواطنين.

الحصار المالي الخانق بسبب المقاصة

يؤكد الخبير الاقتصادي د. مؤيد عفانة أن العام 2026 سيكون الأصعب على المالية العامة منذ تأسيس السلطة الفلسطينية، متفقاً مع تقديرات وزير المالية والتخطيط اسطفان سلامة بهذا الشأن، ومشيراً إلى أن السبب الرئيس يتمثل في الحصار المالي الخانق الناتج عن وقف تحويل إيرادات المقاصة من قبل الجانب الإسرائيلي، التي تمثل العمود الفقري للإيرادات الحكومية.
ويوضح عفانة أن الحكومة الإسرائيلية أوقفت تحويل كامل إيرادات المقاصة منذ مايو/أيار 2025، بعد اقتطاعات جزئية مستمرة منذ فبراير/شباط 2019، ما أدى عملياً إلى فقدان الخزينة نحو ثلثي إيراداتها، باعتبار أن المقاصة تشكل نحو 68% من إجمالي الإيرادات العامة. ويشير عفانة إلى أنه لا توجد مؤشرات على نية الإفراج عن هذه الأموال خلال 2026، خصوصاً مع كونه عاماً انتخابياً في إسرائيل، ما يعزز مناخ المزايدات السياسية، في ظل غياب ضغط دولي فعلي لإجبار إسرائيل على تحويل المستحقات.
ويلفت عفانة إلى أن الأزمة تتفاقم مع محدودية الدعم الخارجي، إذ لم يتجاوز ما وصل عبر الصندوق الدولي الطارئ لدعم الخزينة 250 مليون دولار، مقارنة بـ1.2 مليار دولار كانت مخططة.
وتزامن ذلك وفق عفانة، مع انكماش حاد في الاقتصاد المحلي وتراجع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 29%، ما انعكس مباشرة على الإيرادات المحلية التي انخفضت من حوالي 400 مليون شيكل شهرياً إلى نحو 250 مليون شيكل فقط، كما باتت خدمة الدين العام تستنزف معظم هذه الإيرادات، الأمر الذي يفاقم الضغوط على السيولة.

استنفاد معظم الأدوات الفنية

ويبيّن عفانة أن تصريحات وزارة المالية تعكس استنفاد معظم الأدوات الفنية التي كانت تُستخدم لتوفير السيولة اللازمة لصرف جزء من الرواتب وتغطية النفقات التشغيلية الأساسية، نتيجة تآكل هوامش المرونة المالية.
ويتوقع عفانة أن تواجه الحكومة الفلسطينية صعوبة في الحفاظ على نسب صرف الرواتب المعتمدة خلال الأشهر الماضية، مع احتمال اللجوء إلى إجراءات تقشفية صارمة تشمل تقليص النفقات التطويرية والرأسمالية والتشغيلية، واعتماد سياسة دقيقة لأولويات الإنفاق ضمن موازنة تقشفية واقعية لعام 2026.

خفض آخر لنسبة الرواتب

وحول السيناريوهات المحتملة، يشير عفانة إلى ثلاثة مسارات رئيسية: الأول، وهو الأرجح، يتمثل في استمرار الوضع الراهن بما يعني خفض نسبة صرف الرواتب وتشديد تقنين النفقات، والثاني يرتبط بالحصول على دعم خارجي طارئ يسمح بتثبيت نسبة الصرف عند حدود 60% وتغطية بعض النفقات الأساسية، وأما الثالث، وهو الأقل احتمالاً، فيتعلق بالإفراج الجزئي عن أموال المقاصة، ما قد يوفر انفراجة محدودة دون إنهاء الأزمة.
ويقترح عفانة العمل على مسارات متوازية للتخفيف من آثار الأزمة، تبدأ باستراتيجية وطنية قانونية ودبلوماسية للضغط من أجل الإفراج عن أموال المقاصة، وحشد دعم الدول الصديقة والشقيقة.

ضرورة فرض خطة تقشف صارمة

وعلى الصعيد الداخلي، يدعو عفانة إلى اعتماد خطة تقشف صارمة ترتكز على موازنة نقدية واقعية تركز على استدامة الخدمات الأساسية في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والأمن، مع وقف كامل للنفقات التطويرية والرأسمالية، وتقنين النفقات التشغيلية، وإلغاء النثريات والسفريات غير الضرورية، وضبط استخدام المركبات الحكومية.
ويشدد عفانة على أهمية إطلاق استراتيجية تشاركية لإدارة الأزمة تضم الحكومة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، والعمل على إحلال الواردات المحلية لتعزيز الإيرادات وتقليل الاعتماد على المقاصة، إضافة إلى تعزيز الالتزام الضريبي ومكافحة التهرب دون فرض ضرائب جديدة.
ويؤكد عفانة ضرورة إشراك القطاع الخاص والجامعات والهيئات المحلية في تقاسم أعباء المرحلة، بهدف حماية الفئات الأكثر تضرراً، خصوصاً العمال والموظفين الحكوميين.

صورة قاتمة للوضع المالي

يرى الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبو غوش وجود صورة قاتمة للوضع المالي الذي تعيشه السلطة الفلسطينية، مستنداً إلى التصريحات الأخيرة لوزير المالية اسطفان سلامة، والتي أكدت وصول الحالة المالية العامة للسلطة إلى "طريق مسدود" نتيجة استمرار الجانب الإسرائيلي في احتجاز أموال المقاصة، مع استنفاد جميع الحلول الفنية المتاحة على المستوى المحلي.
ويوضح أبو غوش أن هذا الواقع يعني عملياً عجز السلطة خلال الأشهر المقبلة عن الاستمرار في توفير الرواتب حتى بنسبتها الجزئية التي اعتاد عليها الموظفون، إضافة إلى صعوبة تلبية الخدمات الأساسية في قطاعات حيوية.
وتشير التوقعات، وفق أبو غوش، إلى أننا مقبلون على مرحلة شديدة الحساسية قد تتحول فيها الأزمة المالية من وضعها الحالي إلى انهيار مالي شامل، في ظل غياب دعم مالي خارجي ملموس يخفف من حدة الضغوط.
ويشير أبو غوش إلى إمكانية تفاقم الأزمة تدريجياً وصولاً إلى شلل مالي كامل، خاصة إذا استمر احتجاز أموال المقاصة دون تدخلات خارجية فعالة.
ويشدد أبو غوش على أن غياب إصلاحات جذرية داخلية، وعدم إجراء "عمليات جراحية" لهيكلة النفقات ومواءمتها مع الإيرادات المتاحة، قد يسرّع من انتقال الأزمة إلى مرحلة الانهيار.
وبحسب أبو غوش، فإن الخروج من هذه الأزمة يرتبط بمسارين متلازمين: أولهما حل سياسي يؤدي مباشرة إلى الإفراج عن أموال المقاصة المحتجزة، وثانيهما تنفيذ إصلاحات مالية وإدارية حقيقية تعزز ثقة المجتمع الدولي. ويشير أبو غوش إلى أن الجهات الدولية لا تزال تطالب بمستويات أعلى من الشفافية في إدارة المال العام، وترى أن الخطوات الإصلاحية الحالية لم تبلغ بعد الحد المطلوب.
ويلفت أبو غوش إلى أن المخرج الفعلي للأزمة يكمن في الجمع بين حل سياسي وإصلاحات عميقة وجدية، تتجاوز المعالجات الشكلية نحو معالجة جوهر الاختلالات المالية، بما يضمن استقراراً مالياً مستداماً.

مرحلة مكاشفة غير مسبوقة

يعتبر الخبير والمحلل الاقتصادي د. ثابت أبو الروس أن تحذير وزير المالية والتخطيط اسطفان سلامة خلال مؤتمر صحفي الخميس الماضي، من أن العام الحالي هو الأصعب على المالية العامة يعكس دخول الحكومة في مرحلة مكاشفة غير مسبوقة بشأن عمق الأزمة المالية التي تواجهها السلطة الفلسطينية، مشيراً إلى أن هذه التصريحات تحمل دلالات سياسية واقتصادية مهمة على المستويين الداخلي والدولي.
ويوضح أبو الروس أن وزير المالية، بعد تسلمه مهامه، بدأ يلامس "عمق الهوة المالية" التي تعاني منها الخزينة، ما دفعه إلى تبني خطاب أكثر صراحة.
ويشير أبو الروس إلى أن أولى دلالات التصريحات تتمثل في عنصر المكاشفة، حيث فُتح ملف الأزمة المالية أمام وسائل الإعلام في اجتماعات علنية، بعد أن كانت وزارة المالية توصف تقليدياً بـ"الصندوق الأسود"، مع محدودية المعلومات المتاحة للرأي العام حول تفاصيل الوضع المالي.

رسالة إنذار للمجتمع الدولي

ويشير أبو الروس إلى أن الدلالة الثانية تتمثل في توجيه رسالة إنذار إلى المجتمع الدولي، عبر تغطية إعلامية واسعة للمؤتمر الصحفي، بهدف لفت الانتباه إلى أن الأزمة المالية قد تهدد استقرار السلطة الفلسطينية في حال عدم تقديم دعم عاجل.
أما الدلالة الثالثة، بحسب أبو الروس، فهي المكاشفة المباشرة مع الجمهور والموظفين، في مواجهة اتهامات متداولة بأن الحكومة قادرة على دفع الرواتب لكنها لا ترغب بذلك، إذ جاءت تصريحات الوزير مدعومة بالأرقام لإظهار أن الإيرادات المتاحة لا تكفي لتغطية فاتورة الرواتب.

رسم ملامح السياسة المالية

ويشير أبو الروس إلى أن الدلالة الرابعة تتعلق برسم ملامح السياسة المالية لعام 2026، حيث تحدث الوزير عن الالتزام بصرف نسبة من الرواتب لم تُحدد بعد، إلى جانب دعوة المواطنين لتعزيز الالتزام الضريبي.
ويعتبر أبو الروس أن هذا الطرح يمثل محاولة لإشراك المجتمع في إدارة الأزمة، وتحويل العبء الضريبي إلى شكل من أشكال الشراكة الوطنية لدعم استمرارية الخدمات العامة.

انفراجة مالية محدودة

وحول السيناريوهات المحتملة، يطرح أبو الروس السيناريو الإيجابي في نجاح الضغوط التي تمارسها السلطة على المؤسسات الدولية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج لإجبار إسرائيل على تحويل أموال المقاصة، بالتوازي مع استمرار أو زيادة المنح الأوروبية التي بلغت نحو 850 مليون دولار العام الماضي، إضافة إلى تحقيق قفزة في تحصيل الضرائب محلياً، بينما يرى أبو الروس أن تلاقي هذه العوامل قد يقود إلى انفراج جزئي في الأزمة.
أما السيناريو الآخر الذي يرجحه أبو الروس، فيقوم على دعم دولي محدود واستجابة إسرائيلية جزئية بشأن المقاصة، التي يُقدَّر رصيدها المحتجز بأكثر من 8 مليارات شيكل، إلى جانب تحسين أدوات الجباية الضريبية لرفع الإيرادات الشهرية التي تبلغ حالياً نحو 400 مليون شيكل، مع تطبيق إجراءات صارمة لترشيد الإنفاق الحكومي.
ويؤكد أبو الروس أن إدارة المرحلة المقبلة تتطلب مزيجاً من الدعم الخارجي، وتعزيز الجباية، وضبط النفقات، لتجنب تفاقم الأزمة المالية وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.

تهديد استمرارية سلاسل التوريد

تعتبر الباحثة الاقتصادية إخلاص طمليه أن تحذيرات وزير المالية بشأن صعوبة المرحلة المقبلة تمثل قراءة واقعية لأزمة مالية متراكمة تعيشها السلطة الفلسطينية، ناتجة عن عوامل سياسية واقتصادية متداخلة أثّرت بشكل مباشر على قدرتها على تمويل الرواتب والنفقات التشغيلية والخدمات العامة.
وتوضح طمليه أن هذه التصريحات تأتي في توقيت حساس مع اقتراب شهر رمضان والعيد، ما يضع نحو 172 ألف أسرة فلسطينية في حالة عدم يقين بشأن الرواتب المقبلة.
وتشير طمليه إلى أن التأثير لا يقتصر على الموظفين، بل يمتد إلى موردي الأدوية والخدمات الصحية والمقاولين وكافة المتعاملين مع الحكومة، ما يهدد استمرارية سلاسل التوريد والخدمات العامة.
وتبيّن طمليه أن جوهر الأزمة يعود إلى احتجاز أموال المقاصة منذ مايو/أيار 2025، بعد اقتطاعات جزئية مستمرة منذ عام 2019، في ظل هيكل مالي غير متوازن تعتمد فيه السلطة على إيرادات لا تخضع لسيطرتها الكاملة، وتشكل نحو 70% من دخلها.

اختبار وجودي للمؤسسات العامة

وتعتبر طمليه أن هذا الواقع يجعل المالية العامة رهينة للضغوط السياسية، مشيرة إلى أن إدارة الأزمة كان يمكن أن تكون أكثر فاعلية عبر ترشيد مبكر للنفقات وتعزيز الشفافية المالية.
وترى طمليه أن استمرار احتجاز أموال المقاصة لفترة طويلة يحوّل الأزمة من ظرف طارئ إلى إشكالية هيكلية تهدد استدامة السلطة نفسها، موضحة أن وصول أي حكومة إلى مرحلة التركيز على الحد الأدنى من الخدمات الأساسية دون وضوح بشأن الرواتب يعكس اختباراً وجودياً للمؤسسات العامة.
وتشير طمليه إلى أن الأزمة الحالية تمثل اختباراً لاستدامة الحكومة ومؤسسات الضفة الغربية في سياق اقتصادي وسياسي معقد.

استمرار سياسة الخنق الاقتصادي

وعن السيناريوهات المحتملة، ترجّح طمليه استمرار سياسة الخنق الاقتصادي، ما يعني مواصلة صرف نسب من الرواتب قد تكون أقل من الحالية، وتزايد حالة عدم اليقين لدى الأسر المعتمدة على الوظيفة العامة، إضافة إلى احتمالات تراجع مستوى الخدمات الصحية والتعليمية وتجميد المشاريع التطويرية.
أما السيناريو الآخر، وفق طمليه، فيتمثل في تخفيف انتقائي للضغوط عبر تدخلات سياسية محدودة قد تسمح بتحويل جزء من أموال المقاصة وتحسين هامش السيولة.
وترى طمليه أن السيناريو المتفائل، والقائم على توافقات دولية أوسع تضمن الإفراج الكامل عن المقاصة وزيادة الدعم الخارجي، لا يزال بعيداً عن الواقع الحالي.

ترشيد حقيقي وشامل للنفقات

وتؤكد طمليه أن المطلوب داخلياً هو ترشيد حقيقي وشامل للنفقات على جميع المستويات، لا يقتصر على الرواتب، مشددة على أن المشهد المالي يبقى انعكاساً مباشراً للتوتر السياسي، وأن استمرار الضغوط السياسية يفاقم الهامش المالي المحدود ويعمّق الأزمة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا