د. هاني عابدين: من علاج اللاجئين إلى مرجعية وطنية في الأورام وزراعة النخاع
د. فادي الاطرش: نرتقي بخدماتنا النوعية للمريض الفلسطيني رغم الصعوبات المتزايدة
تشكل المستشفيات الفلسطينية في القدس ركيزة أساسية في النظام الصحي الفلسطيني، إذ تضطلع بدور محوري في تقديم الخدمات التخصصية المتقدمة لآلاف المرضى القادمين من القدس والضفة الغربية وقطاع غزة. ولا يقتصر دور هذه المستشفيات على توفير العلاج فحسب، بل يتعداه إلى تدريب الكوادر الطبية، والمساهمة في تطوير السياسات الصحية، والحفاظ على الهوية الوطنية في المدينة في ظل التحديات السياسية والاقتصادية المعقدة.
"ے" التقت د. هاني عابدين، المدير الطبي للمستشفى، ود. فادي الأطرش، المدير التنفيذي للمستشفى، لتسليط الضوء على الخدمات الطبية والصحية وتطورها، والتعليم الطبي والسريري وتدريب الكوارد المستقبلية للنظام الصحي الفلسطيني إضافةً إلى التحديات والأزمة المالية التي تعصف به، وخططه المستقبلية.
التأسيس بعد الحرب العالمية الثانية
استهل عابدين حديثه بالقول: إن مستشفى المطلع تأسس عام 1950، بعد الحرب العالمية الثانية، وكان في بداياته المقر الرئيسي لمعالجة اللاجئين الفلسطينيين بعد النكبة. وقد تطور في مجالات متعددة حتى عام 1996، حين واجه أزمة تمويل نتيجة خلل في الدعم المقدم من وكالة "الأونروا"، ما أثر على استمرارية تقديم الخدمات.
وأضاف: بعد قدوم السلطة الفلسطينية عام 1994، ووجود وزارة الصحة الفلسطينية كمرجعية رسمية، لم يعد المستشفى الجهة الوحيدة المعتمدة لعلاج اللاجئين، الأمر الذي استدعى إعادة النظر في استراتيجيته وتطوير خدماته لتلبية احتياجات المجتمع الفلسطيني ككل، سواء اللاجئين أو غيرهم.
موقع المستشفى فرض تبني سياسة تكاملية لا تنافسية
وأشار عابدين إلى أن موقع المستشفى على جبل الزيتون، على بُعد نحو نصف كيلومتر من مستشفى المقاصد، فرض تبني سياسة تكاملية لا تنافسية، بحيث يتم تطوير خدمات مكملة لما يقدمه المقاصد، وتجنب الازدواجية في التخصصات.
واوضح أن من أبرز المجالات التي ركز عليها المستشفى تطوير خدمات علاج السرطان وأمراض الدم، إلى جانب إنشاء مركز لغسيل الكلى للأطفال، إذ لم يكن في ذلك الوقت أي مركز فلسطيني يعالج الأطفال المصابين بالفشل الكلوي المزمن. كما تم إنشاء البنية التحتية المتكاملة لعلاج الأورام، بما يشمل العلاج الإشعاعي، والعلاج الكيماوي، والعلاج التلطيفي، إضافة إلى تحديث الأجهزة الطبية اللازمة. ولاحقا، تم إنشاء وحدة زراعة النخاع، للكبار والأطفال، خاصة مرضى الثلاسيميا، حيث وصلت نسبة النجاح في هذا المجال إلى نحو 98%، وهي نسبة مرتفعة جداً.
تعزيز التعليم الطبي السريري
وأكد المدير الطبي عابدين أن المستشفى لم يكتفِ بتطوير الخدمات العلاجية، بل عمل أيضاً على تعزيز التعليم الطبي السريري، إدراكاً للحاجة الملحة إلى إعداد كوادر صحية متخصصة محليا، بدل الاعتماد على الابتعاث الخارجي. وقد حصل المستشفى على اعتراف البورد الفلسطيني في تخصصات علاج الأورام وأمراض الدم والعلاج الإشعاعي، كما نال اعتراف البورد العربي، ليكون المستشفى الوحيد في فلسطين المعتمد في تخصص العلاج التلطيفي.
وأوضح عابدين أن العلاج التلطيفي يُعنى بتخفيف آلام المرضى الذين وصلوا إلى مراحل متقدمة من السرطان، وتحسين جودة حياتهم، وتقديم الرعاية الإنسانية التي تحفظ كرامتهم، إلى جانب تثقيف العائلات حول كيفية التعامل مع المريض، مع إمكانية تلقي الرعاية في المنزل متى أمكن ذلك.
وأشار إلى أن المستشفى يولي اهتماماً متزايداً بالبحث العلمي في مجال علاج الأورام، ويعمل على إدماج الأبحاث الطبية كجزء أساسي من تدريب الكوادر، بالتعاون مع الجامعات المحلية، وخاصة جامعة القدس، بما يسهم في تطوير علاجات مبنية على أسس علمية تخدم المرضى الفلسطينيين.
إحياء اليوم العالمي للسرطان عبر حملات إعلامية ومواد مقروءة ومرئية
وفيما يتعلق بالأنشطة التوعوية، أوضح عابدين أن المستشفى يحرص على إحياء اليوم العالمي للسرطان عبر حملات إعلامية ومواد مقروءة ومرئية، إضافة إلى إطلاق بودكاستات توعوية. كما ينظم فعاليات خاصة بسرطان الثدي، ويشغّل عيادة متنقلة تجوب مناطق القدس وضواحيها والضفة الغربية والمخيمات والمناطق النائية والمهمشة صحيا لإجراء الفحوصات المبكرة، خاصة تصوير الثدي، بهدف الكشف المبكر قبل استفحال المرض.
وبيّن د. عابدين أن العيادة المتنقلة تشمل أيضاً عيادة للسكري، تقدم خدماتها في القدس والضفة الغربية، بما في ذلك بيت لحم وقلقيلية وطولكرم والخليل ومسافر يطا، من خلال تثقيف المرضى وتقديم العلاج والإرشاد الطبي.
الخطط المستقبلية
وعن الخطط المستقبلية، أكد عابدين أن المستشفى يطمح إلى التوسع في خدمات مرضى السرطان، بحيث تتوفر جميع الفحوصات في مكان واحد، دون اضطرار المريض للتنقل بين مؤسسات مختلفة. وتشمل الخطط افتتاح مركز للمناظير (مناظير المعدة والقولون والقنوات المرارية)، نظرا لانتشار سرطانات القولون والأمعاء والحاجة للكشف المبكر عنها.
واضاف عابدين: كما يسعى المستشفى إلى تطوير خدمات رعاية كبار السن، نظرا للحاجة المتزايدة إلى رعاية متوسطة بين المستشفى والمنزل، للمرضى الذين يحتاجون متابعة طبية وتمريضية طويلة الأمد. إضافة إلى ذلك، يعتزم المستشفى التوسع في الأبحاث السريرية، لدراسة تأثير الأدوية على المرضى الفلسطينيين، خاصة أن معظم الدراسات العالمية تُجرى على مجتمعات تختلف في نمط حياتها وغذائها عن المجتمع الفلسطيني.
وختم المدير الطبي عابدين حديثه لـ"ے" بالتأكيد على أن هذه الخطط تحتاج إلى دعم واستقرار مالي، معرباً عن أمله في أن يتمكن المستشفى من مواصلة تطوير خدماته بما يخدم المرضى ويعزز مكانته كمركز طبي مرجعي في فلسطين.
التحديات الأساسية تتمثل في ثلاثة محاور
بدوره، استهل د. الأطرش حديثه لـ"ے" بالقول: إن المستشفى مؤسسة قوية وعريقة جداً، قادرة على تحمل الظروف والصمود في أصعبها. وأن هذه المرحلة تُعد من أصعب المراحل التي مرت على المؤسسة منذ عام 1996.
أولًا: الوضع العام والتغيرات الجيوسياسية التي تؤثر على قدرة الموظفين والمرضى على الوصول إلى القدس، في ظل الإجراءات والمتطلبات الإسرائيلية المتزايدة من حيث التصاريح والتراخيص وغيرها.
ثانيًا: قدرة المرضى على الوصول إلى القدس، وهي المشكلة الأهم، إذ يتطلب الأمر تسهيل استصدار التصاريح وتوفير وسائل النقل، بما في ذلك الحافلات القادمة من الخليل، ونابلس، ورام الله، ومدن أخرى، إضافة إلى توفير إمكانية إقامة المرضى في محيط المستشفى، كما كان معمولًا به سابقًا، خاصة لمرضى غزة.
ثالثًا: الأزمة المالية وتراكم الديون على السلطة الفلسطينية نتيجة الوضع الاقتصادي العام، وعدم القدرة على سداد الفواتير كاملة بشكل شهري، حيث يتم دفع مبالغ جزئية فقط من وزارة المالية، وهو ما لا يكفي.
وأشار إلى أن إدارة المستشفى تتواصل بشكل مستمر مع المانحين، وتعمل على تعزيز جهود المناصرة لحشد الدعم لمستشفيات القدس، وعلى رأسها مستشفى المطلع.
كما لفت إلى تحدٍ آخر يتمثل في محدودية الخبرات المتخصصة الداعمة لتطوير المستشفى، إلا أن المؤسسة تعمل على بناء وتطوير الكفاءات من داخلها، من خلال التعليم والتدريب، بما يخدم الخطط المستقبلية.
الأزمة المالية أثرت على سرعة تطوير المستشفى
وبيّن أن الأزمة المالية أثرت بالفعل على سرعة تطوير المستشفى، وعلى القدرة على استقبال المرضى في بعض الفترات، كما أثرت على تنفيذ بعض البرامج التطويرية والخدماتية والاجتماعية. وأكد أنه لولا الأزمة المالية لكانت قدرة المستشفى على التوسع والانتشار أكبر بكثير.
وفيما يتعلق بمرضى غزة، أوضح الاطرش أنه قبل الحرب كان نحو 30% من المرضى المحولين إلى مستشفى المطلع، أو إلى شبكة مستشفيات القدس عمومًا، من قطاع غزة. إلا أنه منذ بداية الحرب لم يتم تحويل أي مريض من القطاع.
المطالبة بإعادة مسار التحويل لمرضى غزة
وأكد أن المستشفى يطالب بإعادة مسار التحويل الطبيعي والتاريخي لمرضى غزة إلى مستشفيات القدس والضفة الغربية، لما لذلك من أهمية نفسية وطبية، إذ يتلقى المرضى العلاج في بيئة مألوفة ومنسجمة مع ثقافتهم، كما أن المسافة أقصر وإمكانية عودتهم إلى غزة أسهل.
وأشار إلى أنه تم بالفعل إعادة عدد من المرضى الذين كانوا متواجدين في القدس قبل الحرب، وأكملوا علاجهم، وذلك بالتنسيق مع الجهات الفلسطينية والإسرائيلية والدولية، عقب وقف إطلاق النار.
رقابة مشددة في سياق محاولات طمس الهوية الوطنية
وحول ما إذا كانت المؤسسات الصحية في القدس تتعرض لاستهداف، قال الأطرش: إن المؤسسات الصحية الفلسطينية في المدينة، كغيرها من المؤسسات، تخضع لرقابة مشددة، في سياق محاولات طمس الهوية الفلسطينية. مؤكدا أن هذه المؤسسات تسعى إلى البقاء في القدس وخدمة الشعب الفلسطيني، باعتبارها عمودًا فقريًا للنظام الصحي الفلسطيني، ليس فقط من خلال تقديم الخدمات، بل أيضًا عبر المناصرة، وتطوير الخبرات، والمساهمة في رسم السياسات الصحية.
وأوضح أن شبكة مستشفيات القدس تضم ست مؤسسات رئيسية: مستشفى المطلع، والمقاصد، والهلال الأحمر، وسان جوزيف، والعيون، ومؤسسة الأميرة بسمة، وهي قائمة منذ عام 1997. وتعمل الشبكة على تنسيق الجهود بين أعضائها، ومناقشة التحديات المشتركة، والمطالبة بدعمها كشبكة موحدة، إضافة إلى لعب دور في مناصرة حقوق المرضى الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.
وأكد أن الشبكة تحظى باعتراف واسع من الدول المانحة، وتُعد جهة شريكة في دعم الاحتياجات الصحية للشعب الفلسطيني. ولا تزال تتلقى دعمًا من الاتحاد الأوروبي، ومن جهات أمريكية، إضافة إلى دعم من بعض الدول العربية، لا سيما الخليجية، وهو ما أسهم في استمرار عملها رغم الظروف الصعبة.
مستشفيات القدس أساسية في النظام الصحي الفلسطيني
وأشار الاطرش إلى أن مستشفيات القدس تُعد من المؤسسات الأساسية في النظام الصحي الفلسطيني، وقد خرّجت ودربت عددًا كبيرًا من الأطباء والخبراء، كما أنها شريك فاعل في رسم السياسات الصحية بالتعاون مع وزارة الصحة الفلسطينية.
أما على صعيد الخطط المستقبلية لمستشفى المطلع، فأوضح د. الاطرش أن الخطة الاستراتيجية للمستشفى تهدف إلى ترسيخ مكانته كمنارة علمية في النظام الصحي الفلسطيني، خاصة في تخصصات الأورام، وأمراض الدم، وزراعة النخاع، ورعاية المسنين. وتشمل الخطط تطوير خدمات جراحة الأورام، وتعزيز برامج زراعة النخاع، وتوسيع خدمات رعاية كبار السن، وإدخال خدمات جديدة تضمن استدامة المستشفى كمؤسسة صحية محورية في القدس وفلسطين.
وفي رسالته، دعا الاطرش المرضى إلى التوجه للعلاج في مستشفيات القدس، مؤكداً أنها لا تقدم العلاج فحسب، بل تحترم كرامة الإنسان وخصوصيته، وتوفر مستوى من الرعاية لا يتوافر في أماكن أخرى. كما طالب الجهات الرسمية الفلسطينية بالاستمرار في دعم شبكة مستشفيات القدس، ليس فقط من خلال التصريحات، بل عبر خطوات عملية على الأرض. ودعا المجتمع الدولي إلى مواصلة دعمه لضمان بقاء هذه المؤسسات، لما لها من دور كبير ليس فقط في المجال الصحي، بل أيضا في الحفاظ على الهوية الفلسطينية في القدس.
المصدر:
القدس