أطلقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي مؤخراً سلسلة من الإجراءات التصعيدية في الضفة الغربية المحتلة، تهدف إلى تغيير الوضع القانوني والسياسي القائم منذ عقود. وتسعى هذه الخطوات إلى بسط السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي المصنفة ضمن منطقتي (ألف) و(باء)، والتي كانت تخضع إدارياً للسلطة الفلسطينية بموجب الاتفاقيات الموقعة.
وشملت القرارات الجديدة السماح للمستوطنين بتملك الأراضي في تلك المناطق بشكل مباشر، مع إلغاء العمل بالتشريعات الأردنية التي كانت تنظم ملكية الأراضي سابقاً. ويصف مراقبون وفلسطينيون هذه التحركات بأنها عملية 'ضم زاحف' تهدف إلى فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على ما تبقى من الجغرافيا الفلسطينية في الضفة.
وأقرت الحكومة الإسرائيلية مطلع الأسبوع الجاري توسيع صلاحيات الرقابة والإنفاذ لتشمل المناطق المصنفة (ألف) و(باء)، مما يمنح أجهزتها الضوء الأخضر لتنفيذ عمليات هدم ومصادرة. ويعد هذا الإجراء خرقاً صريحاً لاتفاقية 'أوسلو 2' الموقعة عام 1995، والتي منحت الفلسطينيين سيطرة كاملة أو مدنية على هذه المناطق.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الاحتلال استغل انشغال المجتمع الدولي بحرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 لتكثيف اعتداءاته. وتنوعت هذه الاعتداءات بين التوسع الاستيطاني غير المسبوق، وعمليات التهجير القسري، وقتل واعتقال المواطنين في مختلف مدن وقرى الضفة.
من جانبه، أكد رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، مؤيد شعبان أن هذه القرارات تمثل انقلاباً جذرياً على كافة التفاهمات الدولية السابقة. وأوضح في تصريحات صحفية أن حكومة بنيامين نتنياهو تسعى لإطلاق 'الرصاصة الأخيرة' على مشروع الدولة الفلسطينية عبر تدمير الأسس التي قامت عليها اتفاقية أوسلو.
ولفت شعبان إلى أن الاحتلال بدأ بالفعل بالتدخل المباشر في المواقع الأثرية الواقعة ضمن مناطق (ألف) و(باء)، محاولاً ضمها لـ 'سلطة الآثار الإسرائيلية'. وهذا التوجه يعني أن موجات الهدم والمصادرة لن تقتصر بعد اليوم على مناطق (جيم)، بل ستمتد لعمق المدن والبلدات الفلسطينية المكتظة.
وشدد المسؤول الفلسطيني على أن الائتلاف اليميني الحاكم في إسرائيل وضع خطة واضحة ترتكز على ثلاثة محاور: توسيع الاستيطان، وشرعنة البؤر العشوائية، وتخيير الفلسطينيين بين القتل أو الطرد. واعتبر أن الصمت الدولي تجاه هذه الممارسات يشجع الاحتلال على المضي قدماً في مشروعه التوراتي المزعوم.
وفي سياق متصل، أوضح الخبير في شؤون الاستيطان، خليل تفكجي أن السياسة الإسرائيلية الحالية تهدف بشكل استراتيجي إلى منع قيام أي كيان فلسطيني مستقل. وأشار إلى أن إسرائيل وضعت بنود المرحلة الانتقالية في أوسلو جانباً، واستخدمت التقسيمات الإدارية كأداة لتوسيع نفوذ المستوطنات.
وبيّن تفكجي أن هناك فجوة هائلة بين المساحة المبنية للمستوطنات وبين 'مجال نفوذها' الذي تسيطر عليه قوات الاحتلال، حيث يتجاوز الأخير 60% من مساحة الضفة. وأكد أن الصمود الشعبي الفلسطيني، رغم أهميته، يحتاج إلى خطط سياسية واضحة لمواجهة هذا التغول الاستيطاني الذي لا يريد أي وجود للفلسطينيين.
أما أستاذ العلوم السياسية، علي الجرباوي، فقد قدم قراءة مغايرة حول مصير السلطة الفلسطينية، معتبراً أن إسرائيل لا تسعى لإنهاء السلطة كلياً في الوقت الراهن. ويرى الجرباوي أن الهدف الإسرائيلي هو 'تقويض' السلطة وتحويلها إلى أداة إدارية توفر الخدمات للسكان دون أن يكون لها أي سيادة على الأرض.
وأضاف الجرباوي أن الاحتلال يعتمد استراتيجية 'الطرد القانوني' حين يعجز عن الطرد الفيزيائي، وذلك عبر حشر الفلسطينيين في معازل جغرافية مقطعة الأوصال. وتهدف هذه الخطة إلى فصل السكان قانونياً عن الأرض، ومنع أي إمكانية للمطالبة بحقوق سياسية ضمن دولة واحدة أو دولتين.
وتشير التحليلات إلى أن القرارات الإسرائيلية الأخيرة في مدينة الخليل، ونقل صلاحيات البلدية لما تسمى 'الإدارة المدنية'، هي نموذج لما سيتم تعميمه. حيث يتم تجريد المؤسسات الفلسطينية من صلاحياتها تدريجياً لصالح المستوطنين والجهات العسكرية الإسرائيلية، في عملية ضم فعلية لا تنتظر إعلاناً رسمياً.
ودعا خبراء ومسؤولون إلى ضرورة إطلاق حوار وطني شامل يجمع كافة القوى الفلسطينية لصياغة استراتيجية موحدة بعيداً عن الانقسامات التقليدية حول جدوى الاتفاقيات القديمة. فالواقع الجديد الذي تفرضه إسرائيل يتطلب أدوات مواجهة تتناسب مع حجم التهديد الوجودي الذي يواجه القضية الفلسطينية.
وخلصت المصادر إلى أن إسرائيل تعتبر الضفة الغربية هي 'ساحة الصراع الحقيقية'، وتتعامل معها كجزء من 'مملكة يهودا والسامرة' المزعومة. وبناءً على ذلك، فإن الإجراءات القانونية والمدنية المتخذة مؤخراً ليست مجرد قرارات عابرة، بل هي حسم للصراع على الأرض وتصفية نهائية لأي أفق سياسي.
المصدر:
القدس