آخر الأخبار

أزمة الهوية والفساد في أفريقيا: قراءة في واقع السودان والدول

شارك

تتصاعد في الأوساط الثقافية والسياسية السودانية حدة الجدل حول الهوية الوطنية، حيث ينقسم الشارع بين من يتمسك بالانتماء العربي الخالص ومن يرى في الجذور الأفريقية المكون الأساسي للشخصية السودانية. هذا الانقسام يتجاوز مجرد النقاش النظري ليصل إلى محاولات استنبات أشجار عائلة تربط قبائل سودانية ببيوتات قرشية وهاشمية، في مقابل تيار يرى أن اسم البلاد 'السودان' هو بحد ذاته إقرار بالهوية الأفريقية المرتبطة بلون البشرة.

وفي خضم هذا التجاذب، برزت مدرسة 'الغابة والصحراء' كإطار فكري وأدبي يحاول التوفيق بين المكونين، معتبرة أن السودانيين نتاج تلاقح فريد بين الثقافة العربية والعمق الأفريقي. وقد جسد الشاعر الراحل محمد المكي إبراهيم هذا المفهوم في قصائده التي وصفت الوطن بالخلاسي الهجين، حيث تمتزج ملامح الصحراء العربية بظلال الغابات الأفريقية في لوحة إنسانية واحدة.

إلا أن هذا الاعتزاز بالهوية يصطدم بواقع مرير تعيشه القارة الأفريقية، حيث تبدو مضابط محكمة الجنايات الدولية في لاهاي وكأنها صُممت خصيصاً لملاحقة القادة الأفارقة. ورغم الاتهامات بالتحيز، إلا أن السجلات الدموية للعديد من الأنظمة في القارة تشهد على ارتكاب جرائم إبادة وانتهاكات جسيمة، مما يجعل قائمة الاتهام تقتصر غالباً على أسماء من داخل القارة السمراء.

ولا تتوقف المأساة عند الصراعات المسلحة، بل تمتد لتشمل 'الكليبتوكراسي' أو حكم اللصوص، وهو مصطلح بات يلتصق بالعديد من النظم السياسية الأفريقية التي تعاني من فساد مؤسسي مزمن. هذا الاضطراب في إدارة الدولة جعل من سرقة المال العام سلوكاً قهرياً لدى بعض النخب الحاكمة، مما أدى إلى تبديد ثروات ضخمة كانت كفيلة بتحقيق نهضة اقتصادية شاملة.

وتشير التقارير الاقتصادية الحديثة إلى أرقام صادمة، حيث كشف المجلس الاستشاري للاتحاد الأفريقي لمكافحة الفساد أن القارة تخسر سنوياً ما يقارب 120 مليار دولار بسبب الممارسات الفاسدة. هذه الخسائر الفادحة تشكل تهديداً وجودياً لاقتصادات الدول، وتعيق أي جهود حقيقية نحو التنمية المستدامة أو تحقيق الاستقلال الاقتصادي بعيداً عن التبعية الدولية.

وفي سياق متصل، أكد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن الفساد يمثل العائق الأكبر أمام النمو في أفريقيا، إذ يلتهم نحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة. هذا الهدر الممنهج يعني ضياع ربع الإنتاج الاقتصادي السنوي في جيوب المتنفذين، بينما ترزح الشعوب تحت وطأة الفقر والحاجة وغياب الخدمات الأساسية.

أما على صعيد المديونية، فقد أظهر تقرير البنك الأفريقي للتنمية لعام 2024 قفزة مقلقة في حجم الديون الخارجية، التي ارتفعت من 1.12 تريليون دولار في عام 2022 إلى 1.152 تريليون دولار بنهاية عام 2023. هذه الأرقام تعكس حالة من الارتهان للخارج، حيث تُوجه القروض لتمويل مشاريع تنموية وهمية غالباً ما تنتهي أموالها في حسابات سرية خارج القارة.

السودانيون شعب هجين فيه شيء من الغابة وشيء من الصحراء، وطن خلاسي يجمع بين الزنجية والعروبة في آن واحد.

وتتصدر دول مثل الصومال والسودان وجنوب السودان وإريتريا وليبيا قوائم الفساد العالمي وفقاً لمنظمة الشفافية الدولية، حيث تذيلت هذه الدول الترتيب العالمي لسنوات طويلة. هذا الفساد ليس مجرد حالات فردية، بل هو منظومة متكاملة تغلغلت في مفاصل الدولة، مما جعل من الصعب إصلاحها دون تغييرات جذرية في بنية الأنظمة الحاكمة.

الأمثلة على هذا الفساد صارخة ومتعددة، فمن استقالة وزير العدل في الكونغو بعد اختلاس ملايين الدولارات المخصصة لبناء سجون، إلى سجن محافظ بنك غينيا المركزي بتهم خيانة الأمانة. حتى المشاريع الكبرى في قطاع الطاقة لم تسلم من الرشا والعمولات، كما حدث في صفقات الغاز الضخمة التي تورط فيها وزراء ومسؤولون كبار في عدة دول أفريقية.

وفي السنغال، لم يكن الوضع أفضل حالاً، حيث أدين وزراء سابقون بسرقة المال العام، وهو ما يعكس أزمة ثقة عميقة بين الشعوب وحكامها. إن ترتيب الدول الأفريقية في ذيل قائمة الشفافية الدولية، حيث تحتل الصومال وجنوب السودان المركز 181، يعطي مؤشراً واضحاً على حجم الانهيار الأخلاقي والإداري في هذه الدول.

وبالانتقال إلى ما يمكن تسميتهم بـ 'العربيقيين' أو عرب أفريقيا، نجد أن المصاب يبدو أكثر فداحة، حيث يعيش أكثر من نصفهم تحت وطأة أنظمة شمولية شرسة لا تعرف التداول السلمي للسلطة. هؤلاء الحكام 'المزمنون' استطاعوا البقاء في سدة الحكم لعقود طويلة، محولين الأوطان إلى ضياع خاصة تدار بعقلية أمنية وقمعية.

وتبرز أسماء مثل آل الأسد في سوريا الذين يحكمون منذ أكثر من نصف قرن، ومعمر القذافي الذي سيطر على ليبيا لأربعة عقود، وحسني مبارك في مصر، وعمر البشير في السودان. هؤلاء القادة، رغم اختلاف توجهاتهم، اشتركوا في بناء أنظمة استبدادية أدت في النهاية إلى انهيار مؤسسات الدولة ودخول بلدانهم في دوامات من الصراع والفقر.

ولا يقتصر الأمر على المنطقة العربية، ففي زيمبابوي حكم روبرت موغابي لـ 37 عاماً، بينما يتربع بول بيا على عرش السلطة في الكاميرون منذ عام 1975 وحتى يومنا هذا. ورغم الاتهامات الثقيلة التي تلاحق بيا بالفساد وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، إلا أنه لا يزال متمسكاً بكرسي الحكم، متحدياً كل الضغوط الداخلية والدولية.

إن هذا الواقع المعقد الذي يجمع بين أزمة الهوية واستشراء الفساد وتغول الاستبداد، يضع الشعوب الأفريقية والعربية أمام تحديات مصيرية. فبدون معالجة جذور الفساد المؤسسي وإرساء قواعد الحكم الرشيد، ستظل هذه الدول تدور في حلقة مفرغة من الديون والتبعية، بعيداً عن حلم التنمية والكرامة الإنسانية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا