آخر الأخبار

تقييم أداء المقاومة الفلسطينية في طوفان الأقصى: حقائق ونتائج

شارك

يعد التقييم الموضوعي لأداء المقاومة الفلسطينية ضرورة استراتيجية لاستخلاص الدروس وتطوير الأداء وتجاوز الثغرات الميدانية. هذا المنهج العلمي يهدف إلى حماية المنجزات من محاولات التشويه التي تقودها قوى متربصة تسعى لإبراز السلبيات وتجاهل الظروف القاسية التي تعمل فيها المقاومة.

تتسم المقاومة في فلسطين بسلوك موجي يتصاعد ويهبط لكنه لا يتوقف أبداً منذ انطلاق أول تنظيم عسكري عام 1919. إن اعتبار 'طوفان الأقصى' نهاية للمقاومة هو خطأ منهجي، فالتاريخ يثبت أن كل موجة تكون عادة أقوى مما سبقتها، كما حدث بين انتفاضتي 1987 و2000 وصولاً إلى المعركة الحالية.

أي تقييم استراتيجي يعتمد فقط على معطيات اللحظة الراهنة أو قسوة الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة سيكون قاصراً وفاشلاً. يجب النظر إلى المسارات الكلية التي أحدثت هزة عنيفة في أصل فكرة وجود الاحتلال ودوره الوظيفي وسقوط مشروعيته الأخلاقية أمام العالم أجمع.

حققت المعركة نتائج غير مسبوقة على صعيد الهجرة العكسية، حيث غادر نحو 550 ألف يهودي في الأشهر الستة الأولى فقط. كما تصدرت القضية الفلسطينية الأجندة العالمية، وارتفع عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين إلى 159 دولة، مما وضع الاحتلال في عزلة دولية خانقة.

قبل انطلاق الطوفان، كانت حكومة الاحتلال تسعى لتنفيذ 'خطة الحسم' عبر تسريع التهويد وضم المسجد الأقصى والضفة الغربية. وقد ظهر ذلك جلياً في خطاب نتنياهو بالأمم المتحدة قبل أسبوعين من المعركة، حين عرض خريطة تلغي وجود الضفة وغزة تماماً.

جاء قرار عملية طوفان الأقصى ليعطل محاولات الشطب الهادئ والمجاني للقضية الفلسطينية في ظل بيئة تطبيع إقليمي متسارعة. وبالرغم من الأثمان الباهظة، إلا أن العملية أثبتت للعالم استحالة تجاوز إرادة الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره.

يرى مراقبون أن الذين ينتقدون المقاومة 'بحكمة أثر رجعي' يتجاهلون أن البديل كان سيكون استفراداً صهيونياً كاملاً بالقدس والأقصى. فالمقاومة قدرت المخاطر وفق الإمكانات المتاحة في ظل حصار خانق وتواطؤ دولي، وقامت بواجبها الدفاعي لمنع تصفية القضية.

طوفان الأقصى كان الموجة الأقوى منذ إنشاء الكيان الصهيوني، ونحن الآن في حالة ما بين موجتين، وليس ثمة إغلاق لملف المقاومة.

تؤكد الوقائع الميدانية أن المقاومة لم تُهزم، حيث اعترف الاحتلال بفشله في تحقيق أهدافه المعلنة بسحق قدراتها العسكرية. كما عجز الجيش الإسرائيلي عن تحرير أسير واحد بالقوة، وظلت السيطرة الميدانية للمقاومة في المناطق التي ينسحب منها الاحتلال.

تشير تقديرات مصادر مطلعة إلى أن المقاومة تمكنت من تعويض عديدها البشري، حيث بدأت الهدنة بامتلاك أكثر من 30 ألف مقاتل. هذا الصمود دفع برئيس الأركان إيال زامير للتوصية بالذهاب إلى حل سياسي نتيجة غياب أفق الحسم العسكري في قطاع غزة.

لا ينبغي تقييم الأمور وكأن الصفحة قد طويت، فالتاريخ الفلسطيني شهد محطات صعبة في أعوام 1948 و1967 و1982، وفي كل مرة كانت المقاومة تنهض من جديد. إنها قضية حق وعدل وحرية، وحركة التاريخ تسير في نهاية المطاف لصالح الشعوب المناضلة.

يجب الحذر من تكريس 'عقدة الكارثة' أو محاولات 'كي الوعي' التي يسعى الاحتلال لترسيخها عبر التركيز فقط على حجم الخسائر. التقييم في حركات التحرر ينبع من مركزية التضحية لتحقيق الغايات الكبرى، وليس من منطق الاستسلام للأمر الواقع.

المقاومة الفلسطينية ليست حالة محلية ضيقة، بل هي خط الدفاع الأول عن الأمة العربية والإسلامية في مواجهة المشروع الصهيوني. وهي عندما تدافع عن القدس والهوية الفلسطينية، فإنها تنوب عن الأمة وتضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية والأخلاقية.

إن المشاريع السياسية الدولية، ومنها خطة ترامب، ليست قدراً محتوماً، فهي تحمل بذور فشلها في ظل التغيرات الإقليمية والعالمية الراهنة. المطلوب هو استجماع عناصر القوة لدى الشعب الفلسطيني وأحرار العالم لاستئناف مسيرة التحرير بكافة أشكالها المتاحة.

في الختام، تظل المراجعات النقدية ضرورة للبناء والارتقاء، بشرط ألا تتحول إلى معول هدم يخدم رواية العدو. إن الملحمة التي سطرها الشعب الفلسطيني ستبقى مدرسة إنسانية كبرى في الصبر والثبات والإبداع العسكري والسياسي.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا