آخر الأخبار

أزمة مالية خانقة تهدد بانهيار السلطة الفلسطينية: تصريحات اسط

شارك

أطلق وزير المالية الفلسطيني، اسطيفان سلامة، تحذيرات غير مسبوقة حول الواقع المالي الذي تعيشه السلطة الوطنية الفلسطينية، واصفاً المرحلة الحالية بأنها تجاوزت الأزمات العابرة لتصبح تهديداً وجودياً يستهدف المشروع الوطني. وأكد الوزير في إحاطة صحفية أن الخيارات الفنية والعملية قد استُنفدت تماماً، مستخدماً عبارة 'انتهت حلول الأرض' للدلالة على عمق المأزق الذي تسببت فيه سياسات الاحتلال المتمثلة في احتجاز أموال المقاصة.

وأوضح سلامة أن استمرار السلطة في تقديم خدماتها حتى اللحظة يمثل 'معجزة' بكل المقاييس، مشيراً إلى أن أي دولة أخرى كانت لتنهار لو واجهت ذات الظروف المالية. وبين أن الحكومة باتت تعتمد على إيرادات محلية ضئيلة لا تغطي الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، مما يضع استقرار المؤسسات العامة على المحك في ظل غياب أي أفق لحل سياسي أو مالي قريب.

وكشف الوزير عن أرقام صادمة تتعلق بالمديونية العامة التي قفزت إلى 15.4 مليار دولار، موضحاً أن أموال المقاصة التي تحتجزها إسرائيل تمثل العمود الفقري للإيرادات بنسبة تصل إلى 70%. وأشار إلى أن ما تم استلامه فعلياً خلال العام الماضي لم يتجاوز 1.9 مليار شيكل من أصل استحقاقات إجمالية تتجاوز 10 مليارات شيكل، مما خلق فجوة تمويلية هائلة.

وفيما يخص المصاريف التشغيلية، ذكر سلامة أن الإيرادات المحلية الشهرية التي تجبيها السلطة تبلغ نحو 400 مليون شيكل، لكن الصادم أن نحو 300 مليون شيكل منها تذهب مباشرة لخدمة الدين العام للبنوك والجهات المقرضة. وهذا يعني أن المتبقي للخزينة لا يكفي لتغطية جزء يسير من الرواتب أو المصاريف التشغيلية للمستشفيات والمدارس والمرافق الحيوية الأخرى.

وأعلن الوزير عن قرارات تقشفية قاسية شملت وقف كافة المشاريع التطويرية لعام 2026، والتركيز المطلق على النفقات الأساسية التي تضمن بقاء المؤسسات. وشدد على أن المعركة حول أموال المقاصة هي معركة سياسية بامتياز، حيث تستخدم سلطات الاحتلال المال كسلاح لتدمير الكيان السياسي الفلسطيني وتقويض قدرته على الصمود.

وتطرق سلامة إلى الضغوط القانونية في المحاكم الإسرائيلية، حيث تواجه السلطة 475 دعوى قضائية بمزاعم 'تعويضات' تصل قيمتها الإجمالية إلى 65 مليار شيكل. واعتبر أن هذه القضايا تمثل جبهة أخرى من جبهات الاستهداف المالي الهادف إلى إفلاس السلطة وإنهائها قانونياً ومالياً، وهو ما يتطلب تحركاً دولياً عاجلاً لوقف هذا الابتزاز.

من جانبهم، تفاعل خبراء اقتصاديون وناشطون فلسطينيون مع هذه التصريحات بمرارة، حيث اعتبر الخبير محمد خبيصة أن الأرقام المعلنة تعكس حقيقة انعدام الخيارات أمام الحكومة. وأشار خبيصة إلى أن ذهاب معظم الجباية المحلية لسداد الديون يضع السلطة في حلقة مفرغة، خاصة مع استمرار احتجاز المقاصة للشهر العاشر على التوالي دون بوادر انفراجة.

انتهت حلول الأرض.. الوضع الطبيعي هو انهيار السلطة مالياً، واستمرار الخدمات العامة يمثل معجزة تعكس تكاتف كل الأطراف.

وفي سياق متصل، حذر الخبير الاقتصادي مؤيد عفانة من أن الحكومة قد لا تتمكن من الحفاظ على نسبة صرف الرواتب الحالية التي تبلغ 60% إذا استمرت المعطيات الراهنة. وأكد عفانة أن الهوامش الفنية التي كانت تناور من خلالها وزارة المالية قد تلاشت، مما قد يضطرها لخفض النسبة بشكل أكبر في الأشهر المقبلة، وهو ما سيفاقم الأزمة المعيشية للمواطنين.

وعلى الصعيد الإعلامي، دعا معمر عرابي إلى ضرورة تغيير قواعد الاشتباك مع الاحتلال، معتبراً أن نهج التسوية والمفاوضات لم يقد السلطة إلا إلى مزيد من الضعف والارتهان لابتزاز الاحتلال. وطالب عرابي بإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية كحركة تحرر وطني، مشدداً على أن الحل لا يكمن في الحلول الفنية بل في قيادة وطنية تواجه الاستعمار بكل أشكاله.

واقترح صحفيون وناشطون خلال المؤتمر وبعده جملة من الإجراءات التقشفية الداخلية لمواجهة الأزمة، من بينها تقليص عدد السفارات الفلسطينية في الخارج ودمج الوزارات غير السيادية. كما تضمنت المقترحات وقف التعيينات الجديدة، وإلغاء النثريات والمصاريف الزائدة للمسؤولين، ووقف الرحلات الخارجية التي تستنزف الخزينة دون جدوى حقيقية على الأرض.

وطالب مستشار محافظة القدس، معروف الرفاعي، بضرورة سحب السيارات الحكومية من المناصب المدنية والعسكرية والاكتفاء بالحد الأدنى للحركة الضرورية فقط. ودعا الرفاعي إلى اعتماد المراسلات الإلكترونية بالكامل لإلغاء مصاريف القرطاسية والضيافة، مؤكداً أن الشعب يتوقع من المسؤولين أن يكونوا قدوة في التقشف خلال هذه المرحلة المصيرية.

من جهته، انتقد المحامي صلاح الدين موسى ما وصفه بالفشل في إدارة المال العام على مدار سنوات، معتبراً أن الإصرار على البناء البيروقراطي الضخم للسلطة لم يعد يتناسب مع معركة الوجود. ودعا موسى الرئيس الفلسطيني لإعلان حالة الطوارئ وتأميم المرافق العامة والخاصة مؤقتاً، بالإضافة إلى إصدار قرار بوقف دفع الديون والفوائد للبنوك لمدة عام على الأقل.

ورأى مراقبون أن تصريحات الوزير سلامة قد تكون تمهيداً لقرارات صعبة قادمة، حيث أشار الأستاذ مصباح الحاج محمد إلى أن 'الأبواب والشبابيك' قد أغلقت تماماً في وجه التمويل الفلسطيني. واعتبر أن توقف الدعم الخارجي من جهات مثل السعودية وإسبانيا، بالتزامن مع قرصنة المقاصة، يضع الفلسطينيين أمام خيارات أحلاها مرّ.

وختاماً، يبقى التساؤل قائماً في الشارع الفلسطيني حول مدى قدرة السلطة على الصمود في وجه هذه الضغوط المالية الهائلة دون حدوث انفجار اجتماعي أو سياسي. فبينما يرى البعض أن الانهيار بات وشيكاً، يعتقد آخرون أن الاحتلال سيحافظ على بقاء السلطة في 'غرفة الإنعاش' لخدمة مصالحه الأمنية، بانتظار معجزة سياسية تعيد ترتيب الأوراق.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا دونالد ترامب أمريكا إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا