تشهد العلاقات السعودية الأمريكية حراكاً مكثفاً لإنهاء عقود من المفاوضات المتعلقة بالتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، وهو الملف الذي بدأ منذ عام 2009. ورغم التقدم المحرز مؤخراً، لا تزال هناك قضايا جوهرية تحول دون التوصل إلى اتفاق نهائي يرضي كافة الأطراف التشريعية في واشنطن.
تتمحور نقاط الخلاف الرئيسية حول رغبة الرياض في امتلاك القدرة على تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود المستهلك محلياً. وتعتبر المملكة أن هذا الحق يمنحها استقلالية اقتصادية وتقنية، بينما تلتزم واشنطن بسياسة صارمة تهدف إلى منع انتشار تقنيات قد تُستخدم في أغراض عسكرية.
برزت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الأخيرة إلى واشنطن كمنعطف هام، حيث أعلن البلدان عن استكمال المفاوضات الفنية. ومع ذلك، لم تكشف الوثائق الرسمية الصادرة عن اللقاء عن كيفية حل المعضلات الثلاث التي أعاقت الاتفاق لسنوات طويلة، مما أبقى نص الاتفاق طي الكتمان.
يلعب الكونغرس الأمريكي دوراً حاسماً في هذا الملف عبر ما يعرف بـ 'اتفاقية القسم 123'، والتي تمنح السلطة التشريعية حق مراجعة أي تعاون نووي خارجي. ومن المتوقع أن تُعرض الاتفاقية على الكونغرس في وقت قريب للنظر في مدى توافقها مع معايير الأمن القومي الأمريكي.
تصر الرياض على أن امتلاك دورة وقود نووي كاملة سيوفر فوائد اقتصادية ضخمة، بما في ذلك تصدير الوقود وتطوير الكوادر الوطنية. وفي المقابل، تخشى الدوائر السياسية في واشنطن من أن يؤدي هذا التوجه إلى سباق تسلح نووي في منطقة الشرق الأوسط المضطربة.
أثارت تصريحات ولي العهد السعودي في عام 2023 بشأن التوازن النووي مع إيران مخاوف جدية لدى دعاة منع الانتشار. فقد أكد الأمير أن حصول طهران على القنبلة سيدفع الرياض لاتخاذ خطوة مماثلة، وهو ما يضع التزامات المملكة بموجب معاهدة عدم الانتشار تحت المجهر.
كحلول وسط، طرحت الإدارة الأمريكية مقترحاً يقضي بإنشاء منشأة تخصيب يورانيوم داخل السعودية، لكن بشرط أن تكون تحت إدارة وسيطرة أمريكية كاملة. ويهدف هذا المقترح إلى تلبية طموحات الرياض الصناعية مع ضمان عدم انحراف المواد النووية عن مسارها السلمي.
تمثل قضية التوقيع على 'البروتوكول الإضافي' للوكالة الدولية للطاقة الذرية عقبة قانونية أخرى أمام الإدارة الأمريكية. فالسعودية تقاوم هذا البروتوكول لاعتبارات تتعلق بالسيادة الوطنية، حيث يمنح المفتشين الدوليين صلاحيات واسعة للوصول إلى أي موقع داخل البلاد.
وفقاً لقانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2020، يواجه الرئيس الأمريكي قيوداً في تقديم تقييمات إيجابية للدول التي لا تطبق البروتوكول الإضافي. ومع ذلك، تشير تقارير إلى إمكانية لجوء الإدارة إلى 'بند الإعفاء' لتمرير الاتفاقية مع السعودية عبر الكونغرس رغم غياب التوقيع.
تتطلع الشركات الأمريكية إلى لعب دور ريادي في بناء المفاعلات النووية السعودية، حيث تُعتبر الشريك المفضل للمملكة في هذا القطاع. ويشمل ذلك بناء مفاعلات كبيرة الحجم بالإضافة إلى المفاعلات الصغيرة المعيارية التي تمثل مستقبل الطاقة النووية.
يرى مراقبون أن الكونغرس سيجري مراجعة دقيقة لأي ترتيبات ثنائية تضمن الرقابة على الأنشطة النووية السعودية. وقد يتم اللجوء إلى نظام ضمانات خاص يجمع بين معايير الوكالة الدولية وتدابير إضافية تتفق عليها واشنطن والرياض لتبديد المخاوف الأمنية.
تظل الفوائد التجارية والدبلوماسية محركاً قوياً للإدارة الأمريكية للمضي قدماً في هذا الاتفاق الاستراتيجي. فدخول الصناعة الأمريكية إلى السوق السعودي سيقطع الطريق أمام المنافسين الدوليين، ويعزز التحالف التاريخي بين البلدين في مجالات الطاقة والتكنولوجيا.
يطرح الخبراء تساؤلات حول سبب منح السعودية استثناءات قد لا تتوفر لدول أخرى مثل الإمارات التي التزمت بحظر التخصيب. وتتركز هذه التساؤلات حول طبيعة الضمانات التي ستقدمها الرياض لمنع تحول البرنامج السلمي إلى مسارات أخرى في المستقبل.
في نهاية المطاف، سيتعين على المشرعين الأمريكيين الموازنة بين المصالح الاقتصادية والجيوسياسية وبين مخاطر الانتشار النووي. وسيكون قرار الكونغرس بشأن اتفاقية '123' بمثابة الاختبار الحقيقي لقدرة واشنطن على إدارة طموحات حلفائها النووية في بيئة إقليمية معقدة.
المصدر:
القدس