أكد المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، فيليب لازاريني أن المنظمة الدولية تتعرض لضغوط سياسية غير مسبوقة تهدف إلى تقويض دورها الإنساني والسياسي. وأوضح في تصريحات صحفية أن هذه الضغوط تُرجمت فعلياً إلى أزمة مالية خانقة تهدد استمرارية الخدمات الأساسية المقدمة لملايين اللاجئين في المنطقة.
وأشار لازاريني إلى أن الوكالة أصبحت هدفاً مباشراً منذ اندلاع العدوان على قطاع غزة، حيث لم يقتصر الاستهداف على الجوانب السياسية بل شمل تدمير المنشآت وقتل الموظفين. واعتبر أن الحملة الإسرائيلية الممنهجة ضد الوكالة ترتبط برغبة واضحة في شطب ملف اللاجئين الفلسطينيين من أي مفاوضات مستقبلية ومنع النقاش حول حق العودة.
وكشف المفوض العام عن اضطرار الوكالة لاتخاذ قرارات تقشفية قاسية، شملت تقليص الخدمات بنسبة 20% في كافة مناطق عملياتها في لبنان والأردن وسوريا والضفة الغربية وقطاع غزة. وجاء هذا القرار نتيجة العجز المالي غير المسبوق وتراجع المساهمات الدولية التي تعتمد عليها الوكالة بشكل كلي في ظل غياب الأدوات الضريبية السيادية.
وفيما يخص الوضع في الضفة الغربية، وصف لازاريني ما يجري هناك بـ 'الحرب الصامتة'، حيث يتصاعد عنف المستوطنين بشكل جنوني تحت غطاء من الإفلات التام من العقاب. وأكد أن الضفة تشهد حالياً أكبر حملة نزوح للمواطنين الفلسطينيين منذ عام 1967، بالتزامن مع توسع استيطاني لم يتوقف على مدار العامين الماضيين.
ولفت المسؤول الدولي إلى أن التشريعات التي اعتمدها الكنيست الإسرائيلي ضد الأونروا تعكس نوايا مبيتة لإنهاء عمل الوكالة، حيث صرح صانعو هذه القرارات بوضوح أن هدفهم هو إزالة صفة اللجوء عن الفلسطينيين. وشدد على أن استهداف مقرات الوكالة في القدس الشرقية، بما في ذلك محاولات إحراقها، يمثل تجاوزاً خطيراً للقانون الدولي والحصانات الدبلوماسية.
وتطرق لازاريني إلى الوضع الكارثي في قطاع غزة، مشيراً إلى أن الهجمات الإسرائيلية أدت إلى تضرر أو تدمير نحو 90% من المدارس، مما حول المبان المتبقية إلى مراكز إيواء مكتظة بالنازحين. ووصف تقارير أكاديمية دولية ما يحدث بأنه 'إبادة تعليمية' متعمدة تستهدف مستقبل الهوية الوطنية الفلسطينية عبر حرمان الأجيال الشابة من حقهم في التعلم.
وبالرغم من مقتل المئات من موظفي الوكالة، أكد لازاريني استمرار الأونروا في تقديم خدماتها الصحية والتعليمية الممكنة، بما في ذلك إعادة افتتاح مركز البريج الصحي مؤخراً لاستئناف الرعاية الأولية. وحذر من أن غياب الوكالة في ظل عدم وجود مؤسسات فلسطينية فعالة سيخلق فجوة إنسانية وأمنية لا يمكن سدها، مما يهدد الاستقرار الإقليمي بشكل عام.
وناشد المفوض العام المجتمع الدولي بضرورة تحويل الدعم السياسي للوكالة إلى مساهمات مالية ملموسة تضمن استمرار العمليات الإغاثية، مؤكداً أن الاعتماد على المساهمات الطوعية يجعل الوكالة رهينة للتقلبات السياسية. وأوضح أن زياراته الحالية لعدد من دول المنطقة تهدف إلى حشد الدعم المالي العاجل لتفادي انهيار المنظومة الخدماتية.
وأوضحت مصادر ميدانية أن الاحتلال صعد من استهدافه للمنشآت التعليمية، حيث هدم مدرسة تابعة للأونروا في جباليا بالمتفجرات، كانت تمثل المرفق الأخير في مجمع يضم ست مدارس. ويرى مراقبون أن هذه العمليات تهدف إلى جعل قطاع غزة مكاناً غير قابل للحياة عبر تدمير البنية التحتية للخدمات الأساسية التي تديرها المنظمة الدولية.
وفي سياق متصل، استشهد آلاف الطلبة ومئات المعلمين والأكاديميين منذ بدء الحرب، مما أدى إلى توقف العملية التعليمية النظامية واللجوء إلى مساحات تعلم مؤقتة أو حلول رقمية بديلة في ظل ظروف قاسية. وتؤكد الوكالة أن استهداف الكوادر التعليمية يمثل ضربة قاصمة للمجتمع الفلسطيني الذي يولي أهمية قصوى للتعليم كوسيلة للصمود.
وجدد لازاريني دعوته للدول الأعضاء في الأمم المتحدة للتمسك بتفويض الوكالة الذي تم تجديده، معتبراً أن الأونروا يجب أن تظل قائمة حتى الوصول إلى حل سياسي عادل ومستدام للقضية الفلسطينية. وحذر من أن التخلي عن المنظمة في هذا التوقيت الحرج يمثل مكافأة للانتهاكات الإسرائيلية المستمرة ضد القانون الإنساني الدولي.
ختاماً، شدد المفوض العام على أن الوكالة ستواصل رفع صوتها للفت انتباه العالم إلى الجرائم والانتهاكات المرتكبة، مؤكداً أن دور الأونروا يتجاوز تقديم المساعدات إلى كونها شاهداً دولياً على مأساة اللاجئين المستمرة منذ عقود، وهو ما يفسر الشراسة الإسرائيلية في محاولة تغييبها عن المشهد.
المصدر:
القدس