تشهد مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، وتحديداً في مناطق 'الخط الأصفر' الخاضعة لسيطرة جيش الاحتلال، صعوداً لافتاً لمليشيات محلية تعمل تحت إشراف مباشر من الاستخبارات الإسرائيلية. وتتصدر مليشيا 'أبو شباب' المشهد الميداني عبر تنفيذ عمليات اغتيال وملاحقة، بالتوازي مع حملة دعائية مكثفة على منصات التواصل الاجتماعي تهدف لترهيب السكان.
تعتمد هذه المجموعات المسلحة أسلوب بث مشاهد صادمة تتضمن التنكيل بجثامين الشهداء واستعراض العتاد العسكري في مناطق مدمرة تماماً. وأثارت هذه السلوكيات غضباً شعبياً واسعاً، وسط تساؤلات عن الدور الذي ترسمه إسرائيل لهذه العناصر كقوة أمر واقع بديلة تهدف لضرب الحاضنة الشعبية للمقاومة.
كشفت عمليات التدقيق في المحتوى الرقمي عن تقاطع مريب بين البيانات الرسمية الصادرة عن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي والمواد المرئية التي تنشرها حسابات المليشيا. ويظهر التحليل أن الاحتلال يتعمد منح هذه المجموعات فرصة 'التصوير والظهور' في مسرح العمليات بعد انتهاء المهام القتالية الفعلية التي تنفذها القوات النظامية.
في الثلاثين من يناير الماضي، ادعى قائد المليشيا غسان الدهيني اعتقال قيادي ميداني في كتائب القسام يدعى أدهم العكر بعد خروجه من نفق. ونشر الدهيني مقطع فيديو يظهره وهو يعتدي على المعتقل، محاولاً تصوير الحادثة كإنجاز أمني خالص لمجموعته المسلحة بعيداً عن تدخل الاحتلال.
لكن الرواية الإسرائيلية الرسمية التي صدرت في اليوم ذاته نسفت ادعاءات المليشيا، حيث أكد الجيش أن قوات اللواء السابع وجهاز 'الشاباك' هم من نفذوا العملية. وأوضح البيان العسكري أن القوات الإسرائيلية قتلت ثلاثة مقاومين واعتقلت الرابع، مما يؤكد أن دور المليشيا اقتصر على استلام الأسير وتصوير المشهد لأغراض الدعاية.
تكرر السيناريو ذاته في التاسع من فبراير الجاري، حين نشرت حسابات تابعة للمليشيا فيديو يزعم خوض اشتباك مسلح مع مقاومين شرقي رفح. وبفحص المقطع، تبين غياب أي تبادل حقيقي لإطلاق النار، بل ظهر أحد العناصر وهو يتلقى تعليمات من المصور لإلقاء قنبلة على حطام منزل لإضفاء طابع درامي على المشهد.
بالتزامن مع هذا العرض المسرحي، كان الجيش الإسرائيلي يعلن مسؤوليته المباشرة عن تصفية أربعة مقاومين في ذات المنطقة فور خروجهم من إحدى الفتحات النفقية. هذا التضارب يثبت أن الاحتلال يضرب الأهداف عسكرياً، ثم يفسح المجال للمليشيات لالتقاط صور 'البطولة الوهمية' وتسويقها للجمهور الفلسطيني.
لم تتوقف الأدلة عند حدود التنسيق الإعلامي، بل امتدت لتشمل الدعم اللوجستي الفاضح الذي ظهر في صور نشرها عناصر المليشيا أنفسهم. فقد رصدت عمليات التحقيق البصري وجود لوحات ترخيص إسرائيلية صفراء على مركبات الدفع الرباعي التي تستخدمها مجموعة 'أبو شباب' في تحركاتها الميدانية.
تعد هذه 'الزلة البصرية' دليلاً دامغاً على أن المعدات والآليات التي تتحرك بها هذه المجموعات مصدرها المباشر هو منظومة الإمداد الإسرائيلية. ويشير هذا الارتباط إلى أن المليشيا ليست مجرد عصابة محلية، بل هي ذراع أمني مجهز وممول بالكامل من قبل سلطات الاحتلال لتنفيذ مهام قذرة.
يرى مراقبون أن إسرائيل تسعى من خلال هذه الهندسة الأمنية إلى خلق صراع 'فلسطيني-فلسطيني' داخل القطاع، وتصوير الأمر كحالة من الفوضى الداخلية. ويهدف هذا المخطط إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وضرب الثقة بين المواطنين والمقاومة عبر استخدام وجوه محلية لتنفيذ أجندة الاحتلال.
تاريخ التعامل الاستخباري الإسرائيلي مع المليشيات المحلية في غزة يحفل بنماذج مشابهة، حيث يتم تجنيد هذه العناصر واستخدامها كأدوات أمنية مؤقتة. وغالباً ما ينتهي مصير هذه المجموعات بالتخلي عنها من قبل الاحتلال فور استنفاد أغراضها أو تعثر المهام الموكلة إليها تحت ضربات الميدان.
يبقى الوعي الشعبي في قطاع غزة هو العائق الأكبر أمام تمدد هذه الظواهر، حيث قوبلت تحركات 'أبو شباب' برفض مجتمعي واسع. وتؤكد المعطيات أن محاولات الاحتلال لخلق قيادات بديلة عبر 'البطولات المصطنعة' تصطدم بحقيقة الأدلة التي تفضح تبعية هذه المليشيات الكاملة لغرفة العمليات الإسرائيلية.
المصدر:
القدس