آخر الأخبار

اختفاء موسى الصدر في ليبيا: حقائق وشهادات جديدة عن مصيره

شارك

في ظهيرة الحادي والثلاثين من أغسطس عام 1978، غادر الإمام موسى الصدر، مؤسس أفواج المقاومة اللبنانية، فندق الشاطئ في العاصمة الليبية طرابلس متوجهاً إلى موعد مع العقيد معمر القذافي. لم يكن الصدر وحيداً، بل رافقه في تلك الرحلة التي أصبحت 'رحلة الغياب' كل من الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، لتبدأ منذ تلك اللحظة واحدة من أكثر القضايا غموضاً في التاريخ السياسي الحديث.

نشأ موسى الصدر في بيئة علمية بمدينة قم الإيرانية، وجمع في تحصيله بين العلوم الحوزوية التقليدية والدراسات الجامعية الحديثة في الاقتصاد والقانون. انتقل لاحقاً إلى النجف بالعراق حيث توطدت علاقته بالشيخ محمد يعقوب، قبل أن يستقر في لبنان بناءً على دعوة المرجع عبد الحسين شرف الدين ليقود حراكاً اجتماعياً وسياسياً واسعاً ضد الإقطاع والفساد.

تولى الصدر رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان عام 1969، ومن هذا المنبر أطلق 'حركة المحرومين' سعياً لتمكين الفئات المهمشة. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، بذل جهوداً مضنية لمنع الانزلاق نحو الاقتتال الطائفي، معتصماً في المساجد ووسيطاً بين القوى المتصارعة، وهو ما جعله في صدام مباشر مع أجندات إقليمية كانت تغذي النزاع.

تشير الشهادات التاريخية إلى أن العلاقة بين الصدر والقذافي كانت مشحونة بالتوتر، خاصة فيما يتعلق بمقاربة الأزمة اللبنانية. فقد كان القذافي يتبنى طروحات متطرفة تدعو لترحيل فئات من اللبنانيين، وهو ما رفضه الصدر جملة وتفصيلاً، مما أدى إلى وقوع مشادات لفظية عنيفة في لقاءات سابقة جمعت الرجلين قبل حادثة الاختفاء الشهيرة.

وصل الصدر إلى ليبيا في 25 أغسطس 1978 بدعوة رسمية، لكن الموعد مع القذافي تأخر لعدة أيام قضاها الإمام في انتظار غير مبرر. ووفقاً لمصادر مقربة من عائلته، فإن الصدر لم يتصل بذويه طوال فترة إقامته في طرابلس، وهو سلوك غير معتاد منه، مما أثار القلق منذ اللحظات الأولى لوصوله إلى الأراضي الليبية.

بعد انقطاع أخبار الوفد اللبناني، أصدرت السلطات الليبية بياناً ادعت فيه أن الصدر ورفيقيه غادروا طرابلس متجهين إلى روما على متن رحلة لشركة 'أليطاليا'. إلا أن التحقيقات الإيطالية الرسمية التي أجريت لاحقاً كذبت هذه الرواية بالكامل، مؤكدة أن أحداً من الثلاثة لم يصعد للطائرة أو يدخل الأراضي الإيطالية في ذلك التاريخ.

كشفت التحقيقات اللاحقة عن عمليات تزوير وانتحال شخصية قامت بها المخابرات الليبية، حيث ارتدى عناصر أمنيون ملابس الصدر ويعقوب لإيهام الفندق في روما بوصولهم. وقد اعترف بعض المنتمين للجهاز الأمني الليبي بعد سقوط نظام القذافي بأنهم كلفوا بمهام تضليلية لإخفاء جريمة الاختطاف التي تمت داخل ليبيا.

إن الإمام ورفيقيه لم يدخلوا إلى روما ولم يصعدوا إلى الطائرة أصلًا، وكل ما روجت له السلطات الليبية آنذاك كان محض افتراء.

تتعدد الروايات حول مصير الصدر بعد احتجازه، حيث تشير تقارير استخباراتية وشهادات لحراس سجون سابقين إلى أنه نُقل بين عدة معتقلات سرية. من سجن جنزور في ضواحي طرابلس إلى القاعدة الجوية في سبها، بقي الإمام ورفاقه رهن الإخفاء القسري لسنوات طويلة تحت إشراف مباشر من الدائرة الضيقة للقذافي.

برزت فرضيات أخرى حاولت تشتيت الانتباه عن المسؤولية الليبية، منها اتهام تنظيم 'أبو نضال' الفلسطيني أو أجنحة معارضة داخل الثورة الإيرانية بالتحريض على التصفية. ومع ذلك، تصر لجنة المتابعة اللبنانية على أن القذافي هو المسؤول الأول والأخير، وأن كافة الخيوط تؤدي إلى أجهزته الأمنية التي أدارت عملية التغييب.

عقب سقوط نظام القذافي في عام 2011، تجددت الآمال في العثور على إجابات نهائية حول مصير المغيبين الثلاثة. زارت وفود لبنانية ليبيا وقابلت أركان النظام الجديد، وتم توقيع مذكرة تفاهم للتعاون القضائي، إلا أن الاضطرابات الأمنية والسياسية في ليبيا عرقلت الوصول إلى نتائج ملموسة أو تفتيش الزنازين السرية بدقة.

أحد الخيوط الهامة في القضية تمثل في هنيبال القذافي، نجل العقيد، الذي اختطف من سوريا ونقل إلى لبنان حيث خضع للتحقيق بتهمة كتم معلومات. ورغم احتجازه لسنوات، إلا أنه لم يقدم تفاصيل حاسمة تؤدي إلى مكان رفات أو مكان احتجاز والده للإمام، وقد تم الإفراج عنه مؤخراً في نوفمبر 2025 وسط جدل قانوني واسع.

تؤكد عائلة الشيخ محمد يعقوب أن لديها معلومات شبه مؤكدة عن وجود الإمام والشيخ في زنازين تحت مجمع باب العزيزية حتى وقت قريب من انهيار النظام. هذه المعلومات تستند إلى أرقام زنازين محددة وإفادات شهود عيان، لكن الفوضى التي تلت مقتل القذافي حالت دون التحقق الميداني من هذه الادعاءات الخطيرة.

يبقى غياب موسى الصدر جرحاً مفتوحاً في الوجدان اللبناني والشيعي بصفة خاصة، حيث يرى الكثيرون أن غيابه غير مسار الأحداث في المنطقة برمتها. فلو كان الصدر موجوداً، لربما اتخذت الحرب الأهلية اللبنانية والعلاقات الإيرانية العربية مسارات أكثر اعتدالاً وتوافقاً، نظراً لما كان يتمتع به من كاريزما وقدرة على الحوار.

اليوم، وبعد مرور عقود على تلك السيارة التي انطلقت ولم تعد، لا تزال عائلات الصدر ويعقوب وبدر الدين تتمسك بالأمل في كشف الحقيقة كاملة. إنها قضية تتجاوز الأشخاص لتصبح رمزاً للصراع بين مشاريع الدولة واللا دولة، وبين منطق الحوار ومنطق الإخفاء القسري الذي طبع حقبة سياسية مريرة من تاريخ المنطقة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا