شكل الطرح الذي قُدم مؤخراً في قصر الأمم بجنيف، خلال جلسة الاستعراض الدوري الشامل الرابعة للبنان، مؤشراً جوهرياً على تبدل في الرؤية الرسمية تجاه ملف اللاجئين الفلسطينيين. هذا التحول يمثل انتقالاً تدريجياً من سياسات إدارة الأزمات التقليدية إلى مقاربة حقوقية تستند إلى المعايير الدولية والمعالجة العقلانية للواقع المعيشي.
وتكمن أهمية هذا التوجه في كونه اعترافاً رسمياً أمام إحدى أرفع الآليات الحقوقية التابعة للأمم المتحدة، مما يضع الدولة اللبنانية أمام التزام دولي جديد. هذا الالتزام ينشئ معياراً مرجعياً يتيح للمجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية مساءلة الدولة في دورات التقييم والمتابعة المستقبلية بناءً على ما قدمته من وعود.
إن هذا المسار ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تراكمي لضغوط حقوقية ومراجعات وطنية استمرت لسنوات، حيث تلقى لبنان في دورات سابقة توصيات متكررة بضرورة حماية حقوق اللاجئين. وتهدف هذه التوصيات بشكل أساسي إلى إنهاء التمييز وتوسيع آفاق الوصول إلى سوق العمل والخدمات الأساسية التي تضمن كرامة الإنسان.
تاريخياً، ساد منطق التعامل مع اللاجئ الفلسطيني كعبء أمني واقتصادي، وهي رؤية أثبتت التجربة فشلها في تخفيف الأعباء بل ساهمت في تعميقها. فقد أدت سياسات الحرمان إلى دفع شرائح واسعة من اللاجئين نحو العمل غير المنظم والفقر المدقع، مما زاد من اعتمادهم الكلي على المساعدات الإغاثية المتقلبة.
في المقابل، تبرز المقاربة الحقوقية كبديل يضمن إدماج اللاجئين ضمن أطر قانونية واضحة، مما ينعكس إيجاباً على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للبنان. فالحق في العمل اللائق والضمان الاجتماعي ليس مجرد امتياز، بل هو ركيزة أساسية نصت عليها المواثيق الدولية منذ عام 1948 لضمان تماسك المجتمعات المضيفة.
ويؤكد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية لعام 1966 على ضرورة ضمان هذه الحقوق لكل المقيمين على أراضي الدولة دون تمييز. لذا، فإن تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين لا يتعارض مع المصالح الوطنية اللبنانية، بل يساهم في الحد من الهشاشة المجتمعية ويعزز من الإنتاجية العامة في ظل الأزمات الراهنة.
من الضروري التأكيد على أن الحقوق المدنية والاجتماعية ليست أوراقاً للمقايضة السياسية أو امتيازات تُمنح وتُسحب وفق الظروف، بل هي التزامات قانونية ثابتة. القانون الدولي، ولا سيما اتفاقية القضاء على التمييز العنصري، يحظر أي تفرقة في الوصول إلى الحقوق الأساسية بناءً على الأصل القومي أو العرقي للاجئ.
وتشير مصادر حقوقية إلى أن تمكين اللاجئين من حقوقهم لا يؤثر بأي حال من الأحوال على وضعهم القانوني أو حقهم التاريخي في العودة إلى ديارهم. بل على العكس، فإن صون الكرامة الإنسانية للاجئ يقوي من صموده ويحمي هويته بانتظار الحل العادل والدائم للقضية الفلسطينية وفق القرارات الدولية ذات الصلة.
لقد اعتمدت السياسات السابقة على منطق الخوف من التوطين أو المنافسة الاقتصادية، وهي هواجس لم تنتج سوى تراكم للأزمات الإنسانية والاجتماعية. المقاربة الجديدة التي طُرحت في جنيف تدعو إلى استبدال الخوف بالعقلانية، عبر تنظيم الحقوق بدلاً من إنكارها، مما يضمن رقابة قانونية أفضل على سوق العمل ويمنع الاستغلال.
إن تحويل اللاجئ من متلقٍ للمساعدات إلى عنصر منتج يشارك في الدورة الاقتصادية هو ضرورة ملحة للاقتصاد اللبناني الذي يعاني من أزمات متلاحقة. التجارب الدولية تؤكد أن الإدماج القانوني للاجئين يخفف من الأعباء المالية طويلة الأمد على الدولة المضيفة ويساهم في عمليات التنمية المحلية المستدامة.
يأتي هذا التحول في وقت حساس تواجه فيه وكالة الأونروا عجزاً مالياً غير مسبوق نتيجة تراجع التزامات الدول المانحة، مما يضاعف المسؤولية على عاتق الدولة المضيفة. هذا التراجع الدولي لا يعفي المجتمع الدولي من مسؤولياته، لكنه يفرض البحث عن حلول تكاملية تحمي اللاجئين من تقلبات السياسات الدولية.
وفي هذا الإطار، تبرز لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني كلاعب مؤسسي محوري يسعى لمعالجة قضايا اللاجئين عبر الحوار الهادئ بعيداً عن المقاربات الأمنية الصرفة. وقد نجحت اللجنة في فتح ملفات شائكة تتعلق بالعمل والضمان الاجتماعي، موفرةً مساحة للتفاهم التدريجي الذي يراعي السيادة الوطنية والمعايير الحقوقية.
ومع ذلك، تظل العبرة في التنفيذ، حيث لا قيمة للتحولات الخطابية في المحافل الدولية ما لم تترجم إلى خطوات عملية ملموسة على أرض الواقع. المطلوب الآن هو إزالة القيود غير المبررة عن العمل، وإيجاد صيغ قانونية للتملك العقاري، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل سكان المخيمات بشكل عادل.
إن الانتقال من التهميش إلى الشراكة الاجتماعية هو الطريق الوحيد لبناء علاقة صحية ومستقرة بين الدولة اللبنانية واللاجئين الفلسطينيين. والاعتراف بالحقوق اليوم يفتح نافذة أمل حقيقية نحو مستقبل يصون الإنسان ويحفظ كرامته، بانتظار العودة التي تظل الهدف الأسمى الذي لا تسقطه الحقوق المدنية.
المصدر:
القدس