آخر الأخبار

تاريخ المقاومة اليهودية للصهيونية: مراجعة كتاب لا تقف مكتوف

شارك

يرسم كتاب 'لا تقف مكتوف الأيدي: يهود ذوو ضمير حي تجاه فلسطين' للمؤلفة سوزان لانداو خريطة طريق للمفترق الأخلاقي الذي يواجهه اليهود في العصر الراهن. يجمع العمل شهادات تمتد لأكثر من قرن من الزمان لأصوات يهودية عارضت المشروع الصهيوني منذ بداياته، معتبرة إياه انحرافاً عن القيم الإنسانية. وتتجلى أهمية هذا التوثيق في ظل الحرب المستمرة على قطاع غزة، حيث يسعى الكتاب لتقديم وضوح أخلاقي يرفض خلط اليهودية بالصهيونية.

يستند عنوان الكتاب إلى وصية توراتية من سفر اللاويين تحث على عدم الوقوف مكتوف الأيدي أمام الظلم، وهو ما تعتبره لانداو حجر الزاوية في الواجب الأخلاقي. يجادل الكتاب بأن التراث اليهودي الحقيقي يتجسد في مبادئ العدالة والمساواة، وليس في العسكرة والاستعمار الاستيطاني. وترى المؤلفة أن ما يرتكب في غزة يمثل لحظة الحقيقة التي تفرض على المجتمع اليهودي العالمي مواجهة التناقض الصارخ بين معتقداته الدينية والممارسات السياسية للدولة.

يتتبع الجزء الأول من الكتاب جذور المعارضة اليهودية عبر مفكرين بارزين مثل 'أحد هعام' الذي حذر مبكراً من تداعيات إقامة دولة على حساب السكان الأصليين. كما يبرز مواقف الفيلسوف مارتن بوبر الذي اقترح دولة ثنائية القومية، والحاخام يهودا ماغنيس الذي رفض دعم إسرائيل كدولة يهودية لأسباب أخلاقية بحتة. هذه الأصوات التاريخية كانت تستشرف الكارثة الإنسانية التي قد تنجم عن تغليب القومية العرقية على الحقوق الإنسانية.

في سياق متصل، يسلط الكتاب الضوء على موقف الفيزيائي الشهير ألبرت أينشتاين، الذي رغم تعاطفه مع حاجة اليهود لملاذ آمن، عارض بشدة النزعات العسكرية والعداء للعرب. كان أينشتاين يخشى مما وصفه بـ 'العطب الداخلي' الذي قد يلحق باليهودية نتيجة تنامي القومية الضيقة. وتعكس هذه التحذيرات المبكرة رؤية ثاقبة للمآلات التي وصل إليها الصراع اليوم في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ينتقل الكتاب في جزئه الثاني لرصد تصاعد موجة المعارضة اليهودية عقب الحروب الإسرائيلية المتكررة على غزة، وتحديداً منذ عام 2008. ويشير إلى انخراط جيل جديد من اليهود في حركات المقاطعة الدولية (BDS) وسحب الاستثمارات كأداة للضغط الأخلاقي والقانوني. هذه المرحلة شهدت تحولاً من المعارضة الفكرية النظرية إلى العمل الميداني والسياسي المنظم ضد سياسات الاحتلال.

أما الجزء الثالث والأحدث، فيركز على التداعيات الإنسانية والسياسية العنيفة بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 وما تبعها من حرب مدمرة. يوثق هذا القسم استعداد باحثين وناشطين يهود للمخاطرة بمستقبلهم المهني والاجتماعي في سبيل الجهر بالحقيقة ورفض الإبادة الجماعية. وتؤكد هذه الأصوات أن العنف الجاري هو نتيجة حتمية لعقود من القمع والإنكار الممنهج لحقوق الشعب الفلسطيني.

يتناول الكتاب أيضاً انهيار الدعاية الإسرائيلية المعروفة بـ 'الهسبارا' على المستوى العالمي، نتيجة حجم الدمار في غزة الذي لم يعد ممكناً تبريره. وينتقد الكتاب المحاولات الصهيونية لتصوير تجويع المدنيين وتدمير المنازل كـ 'أضرار جانبية' ضرورية للدفاع عن النفس. ويرى المساهمون في الكتاب أن هذا الخطاب يعكس فقدان البوصلة الأخلاقية والارتهان لأيديولوجيا تعطل الإحساس بالصواب والخطأ.

إن وجود هذه الدولة القومية اليهودية العرقية الدينية كارثة يهودية وإنسانية وأخلاقية، وتنتهك كل قيمة باقية قد توجد من أجلها اليهودية.

يستشهد العمل بكلمات هنري شوارتزشيلد، الناشط الحقوقي الذي فر من ألمانيا النازية، والذي وصف الدولة القومية اليهودية بأنها كارثة أخلاقية. يرى شوارتزشيلد أن ممارسات الدولة تنتهك الجوهر القيمي الذي قامت عليه اليهودية عبر التاريخ. هذا النقد اللاذع يهدف إلى تحرير الهوية اليهودية من الارتباط العضوي بمشروع سياسي استعماري يمارس التمييز العنصري.

يبرز الكتاب دور القادة الدينيين المعاصرين مثل الحاخام برانت روزن، الذي اتخذ مواقف شجاعة داخل المؤسسات الدينية اليهودية في الولايات المتحدة. روزن دعا المصلين في يوم الغفران إلى الاستماع لأصوات أهل غزة بدلاً من الطقوس التقليدية، في إشارة إلى أن الصلاة الحقيقية تكمن في التضامن مع المظلومين. هذه الممارسات تمثل إعادة إحياء للتقاليد النبوية اليهودية التي تنحاز دوماً للفقراء والمهمشين.

كما يتطرق المقال إلى شهادة القس الفلسطيني منذر إسحاق، الذي اعتبر غزة 'البوصلة الأخلاقية للعالم' في هذا الوقت العصيب. إسحاق دعا المسيحيين واليهود على حد سواء إلى 'المقاومة الباهظة' التي تتطلب التخلي عن الأوهام والراحة الشخصية لمواجهة أنظمة الهيمنة. ويربط الكتاب بين صرخة الفلسطينيين وضرورة إنقاذ القيم الإنسانية العالمية من الانهيار تحت وطأة المصالح الإمبراطورية.

يشدد الكتاب على أن المعارضة اليهودية للصهيونية ليست مجرد موقف سياسي، بل هي نضال من أجل استعادة إنسانية اليهود أنفسهم. ومن خلال رفض 'النزعة الاستثنائية'، ينضم هؤلاء المعارضون إلى نضال أممي أوسع ضد العنصرية وفاشية العرق الأبيض. ويرى الباحث جيمي ستيرن-واينر أن بذور الأمل تنبت اليوم في حركات التضامن العالمية التي يقف اليهود التقدميون في طليعتها.

يعيد الكتاب الاعتبار لمفاهيم 'لاهوت التحرير اليهودي' الذي يواجه صدمات الماضي بديناميكيات التضامن مع الآخرين. ويقترح عالم اللاهوت مارك إليس بناء جسور معرفية وأخلاقية تنتقد إساءة استخدام السلطة وتدعو للتحرر الجماعي. هذا التوجه يسعى لهدم 'حصن إسرائيل' الفكري وبناء بديل يقوم على المساواة المطلقة والكرامة الإنسانية لكل سكان الأرض المقدسة.

في الختام، يوجه الكتاب دعوة مفتوحة لتفكيك السرديات الشائعة واستكشاف التنافر المعرفي الذي تفرضه الصهيونية على أتباعها. إن الاستعداد لتحمل مشقة قول الحقيقة هو السبيل الوحيد لتجاوز 'الظلام الأخلاقي' الذي يلف المنطقة. وتظل أصوات المقاومة الموثقة في هذا العمل بمثابة شهادة حية على أن الضمير الإنساني لا يمكن طمسه مهما بلغت قوة الآلة العسكرية.

إن كتاب سوزان لانداو لا يكتفي بكونه مرجعاً تاريخياً، بل هو صرخة احتجاجية في وجه الصمت الدولي تجاه ما يجري في غزة. ومن خلال تسليط الضوء على إرث طويل من المعارضة، يثبت الكتاب أن الصهيونية لم تنتصر أخلاقياً، وأن هناك تياراً يهودياً أصيلاً يرفض أن تُرتكب الجرائم باسمه، متمسكاً برباط التضامن الإنساني فوق كل اعتبار قومي.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا