شهدت الساحة السياسية اليمنية تطوراً بارزاً بصدور القرار الرئاسي القاضي بتشكيل حكومة شرعية جديدة، ضمت في هيكليتها 35 وزيراً. وتأتي هذه الخطوة في سياق ترتيبات سياسية معقدة تهدف إلى لملمة الصفوف لمواجهة التحديات الراهنة، رغم ما أثارته التشكيلة من ردود فعل متباينة في الشارع اليمني.
تتألف الحكومة الجديدة من توليفة سياسية مركبة، حيث شملت وزراء من التكنوقراط وأصحاب الخبرات السياسية، إلى جانب تمثيل نسائي لافت. كما تضمنت التشكيلة وزراء يمثلون المحاصصة الجهوية، بالإضافة إلى منح نصيب وافر للمنتمين للمجلس الانتقالي المنحل، بواقع خمس حقائب وزارية على الأقل.
ويرى مراقبون أن هذه المحصلة غير المثالية فرضتها طبيعة المرحلة الانتقالية وضرورة تعزيز الضمانات الإقليمية للسلطة الشرعية. فالحكومة الحالية، ومعها مجلس القيادة الرئاسي، لا تزال تفتقر إلى الرسوخ المادي الكامل على الأرض، مما يجعلها مرتبطة بشكل وثيق بالدعم الخارجي لتثبيت أركانها.
وتبرز الحاجة الملحة حالياً لتحويل الدعم الإقليمي، وتحديداً السعودي، من طابعه الوظيفي المؤقت إلى مرحلة التمكين والشراكة الاستراتيجية. هذا التحول من شأنه أن يمكن الدولة اليمنية من امتلاك زمام المبادرة وتوحيد الأصول العسكرية والأمنية تحت قيادة وطنية واحدة وعقيدة قتالية موحدة.
إن امتلاك القرار العسكري والسيادي يعد حجر الزاوية في التعامل مع تحدي الانقلاب الحوثي في صنعاء بعيداً عن الابتزاز الإقليمي. كما أن استقلال القرار سيعزز من قدرة الحكومة على إدارة مسرح العمليات بفعالية أكبر، مما ينهي حالة التشتت التي عانت منها القوى الشرعية لسنوات طويلة.
وعلى صعيد التحديات الميدانية، لا يزال الظل القاتم للمنظومات الأمنية السابقة يلقي بظلاله على مناطق جنوب وشرق البلاد. ويتطلب تجاوز هذا التحدي تجفيف منابع التمويل والتحريض التي كانت تغذي المشاريع الانفصالية، والعمل على إغلاق كافة منافذ التدخلات الخارجية التي تعيق وحدة الصف.
تضع الحكومة الجديدة على رأس أولوياتها تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن، وهو ملف شائك يتطلب تغييراً شاملاً في البنية العسكرية والأمنية. الهدف الأساسي هو إنهاء قدرة المشاريع غير الوطنية على التحكم بأمن المدينة، وضمان عودة الاستقرار والحياة الطبيعية للمواطنين.
اقتصادياً، تواجه الحكومة اختباراً صعباً يتمثل في ضرورة الشروع الفوري في معالجة الانهيار المعيشي وتدهور العملة الوطنية. ويتطلب ذلك خطوات جادة لاستعادة الموارد السيادية للدولة، وعلى رأسها قطاعات النفط والغاز الطبيعي المسال التي تمثل شريان الحياة للاقتصاد اليمني.
كما يتعين على الفريق الوزاري الجديد العمل على تصفير التحديات التي تعيق إعادة تشغيل المنشآت الحيوية بكامل طاقتها الإنتاجية. إن تأمين تدفق العملة الصعبة من عائدات التصدير هو السبيل الوحيد لاستقرار السوق المصرفي وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين الذين يعانون من تضخم غير مسبوق.
وتشمل الخطط الاقتصادية أيضاً تحسين وسائل استيفاء الموارد المالية وتفعيل الأوعية الضريبية بشكل أكثر كفاءة وشفافية. كما تبرز أهمية الاستخدام الأمثل لأصول الحكومة، خاصة في قطاع الاتصالات، لضمان رفد الخزينة العامة بموارد مستدامة بعيداً عن الاعتماد الكلي على المنح والمساعدات.
إن غياب ما كان يعرف بـ 'الثلث المعطل' في مؤسسات الدولة يمنح الحكومة الحالية فرصة ذهبية للعمل بانسجام أكبر. هذا التحول في موازين القوى الداخلية يقلل من فرص التخادم مع المشاريع الإقليمية التي كانت تهدف إلى تفتيت وحدة البلاد وخدمة أجندات توسعية غريبة عن النسيج اليمني.
ومع انحسار دور اللاعبين الإقليميين الذين ساهموا في تأزيم المشهد سابقاً، يصبح الطريق ممهداً أمام مجلس القيادة الرئاسي لاتخاذ قرارات سيادية شجاعة. إن نجاح هذه المرحلة يعتمد بشكل كلي على مدى كفاءة الحكومة في استغلال هذه الفرص المتاحة وتحويلها إلى واقع ملموس يلمسه المواطن.
في الختام، يدخل اليمن مرحلة جديدة بتشكيل هذه الحكومة، وهي مرحلة محفوفة بالمخاطر ولكنها مليئة بالفرص في آن واحد. إن الرهان الحقيقي يبقى على قدرة هذه التوليفة الوزارية في الانتقال من مربع المحاصصة إلى مربع الإنجاز الوطني، وتحقيق تطلعات الشعب في استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب.
المصدر:
القدس