آخر الأخبار

لجنة إدارة غزة: صراع الرموز والصلاحيات يعطل مسار التعافي

شارك

متابعة الحدث

يمر اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بمنعطف حرج مع تعثر تفعيل "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، التي كان من المفترض أن تسلم زمام الأمور في القطاع قبل نحو أسبوعين. ورغم الآمال المعلقة على هذه اللجنة التكنوقراطية لانتشال السكان من واقع الكارثة الإنسانية، إلا أن الواقع الميداني والسياسي يفرض حصاراً من نوع آخر؛ حيث لا تزال اللجنة تراوح مكانها في مكاتبها المؤقتة، بانتظار ضوء أخضر دولي وتوافقات أمنية لم تنضج بعد.

هذا الجمود لا يعكس فقط صعوبات لوجستية، بل يكشف عن عمق الفجوة بين بنود الاتفاق الورقية والتعقيدات على الأرض. فاللجنة، التي تعمل تحت مظلة "مجلس السلام" برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تجد نفسها عالقة في مثلث من الضغوط: شروط إسرائيلية متصلبة، ترقب فصائلي في الداخل، وبطء في نشر القوات الدولية التي تمثل الضمانة الوحيدة لتحرك أعضاء اللجنة بحرية داخل القطاع.

معركة السيادة: "النسر" مقابل "الفينيق"

لم تكن قضية إدارة غزة يوماً مجرد تفاصيل إدارية، بل هي صراع على الهوية السياسية للمرحلة المقبلة. وقد تفجرت هذه الأزمة بشكل جلي عندما قررت اللجنة استبدال شعارها السابق "طائر الفينيق" بـ "النسر"، وهو الشعار الرسمي للسلطة الفلسطينية. هذا التغيير الرمزي قوبل برد فعل إسرائيلي حاسم، حيث أعلن مكتب رئيس الوزراء في دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفضاً قاطعاً للتعامل مع أي كيان يحمل رموز السلطة، معتبراً ذلك خطاً أحمر في مستقبل إدارة القطاع.

هذا الفيتو الإسرائيلي يتجاوز مجرد الاعتراض على "شعار"، ليصل إلى جوهر المهمة؛ فإسرائيل تسعى جاهدة لضمان ألا تكون اللجنة "جسر عودة" للسلطة الفلسطينية إلى غزة، بينما تصر أطراف إقليمية ودولية على أن ربط اللجنة بالشرعية الفلسطينية هو السبيل الوحيد لضمان استقرارها واعتراف المجتمع الدولي بها. وبسبب هذا التجاذب، يظل أعضاء اللجنة التكنوقراط، وعلى رأسهم الدكتور علي شعث، في حالة انتظار دائم، دون تحديد موعد فعلي لمباشرة مهامهم في الميدان.

الفراغ الأمني ومعضلة الاستقرار الدولي

بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في مرحلته الثانية، كان من المفترض أن يتزامن دخول اللجنة مع نشر "قوة استقرار دولية" وقوات شرطية تتولى ضبط الأمن وتأمين المساعدات. إلا أن هذا الملف لا يزال يواجه عثرات كبرى؛ فمن جهة، تضغط إسرائيل لتسريع عملية نزع سلاح الفصائل كشرط مسبق لأي انسحاب، ومن جهة أخرى، ترى الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها "حماس"، أن تسليم الإدارة للجنة يجب أن يرتبط بانسحاب إسرائيلي كامل وواضح من المحاور الاستراتيجية.

ويرى مراقبون سياسيون أن هذا "الفراغ الأمني" هو العائق الأكبر أمام عمل اللجنة. فبدون وجود قوة دولية محايدة تفصل بين الأطراف وتراقب وقف إطلاق النار، ستجد اللجنة نفسها عاجزة عن فرض سلطتها أو حماية قوافل الإغاثة ومشاريع إعادة الإعمار. هذا الترقب يضع ضغوطاً هائلة على الوسطاء الدوليين وواشنطن تحديداً، لدفع الأطراف نحو تنفيذ التزاماتها، خاصة أن إفشال تجربة اللجنة التكنوقراطية يهدد بانهيار الاتفاق برمته والعودة إلى دوامة التصعيد.

تحديات الداخل والبحث عن "التعافي المبكر"

في الداخل الفلسطيني، تبدو الصورة أكثر تعقيداً؛ فبينما تعلن الفصائل جاهزيتها لتسليم المهام الإدارية، تبرز مخاوف من وضع اشتراطات تفرغ اللجنة من صفتها "التكنوقراطية المستقلة". سكان القطاع، الذين يترقبون أي انفراجة تخفف من وطأة الجوع والنزوح، باتوا يخشون من أن تتحول اللجنة إلى مجرد "مشروع مؤجل" في ظل صراع الإرادات الإقليمية والدولية.

إن المهمة المنوطة باللجنة الوطنية لإدارة غزة تتجاوز توزيع الطرود الغذائية؛ فهي المسؤولة عن بدء مرحلة "التعافي المبكر"، التي تشمل إصلاح البنية التحتية المتهالكة، وإعادة تشغيل المرافق الصحية والتعليمية، وتهيئة الأجواء لإعادة الإعمار الشامل. ومع استمرار بقاء اللجنة خارج حدود القطاع، تظل هذه الملفات مجمدة، مما يزيد من كلفة الفاتورة الإنسانية يوماً بعد يوم.

وبالملخص، يبقى مستقبل غزة معلقاً بمدى قدرة الأطراف الدولية على فك الارتباط بين "الأمن" و"الإدارة". فإذا ظلت الإدارة المدنية رهينة للشروط العسكرية الصعبة، فإن اللجنة الوطنية قد تظل كيانًا "في المنفى"، وهو سيناريو يحذر منه الخبراء لما له من تداعيات كارثية على استقرار المنطقة بأكملها.

المصدر: الحدث/ وكالات




الحدث المصدر: الحدث
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا