تدرس إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب خيار اتخاذ المبنى الذي كان مقراً لـ"معهد الولايات المتحدة للسلام" في العاصمة واشنطن مقراً دائماً لـ"مجلس السلام" الجديد، الكيان الذي أعلن عنه ترمب أخيراً وربطه بملف وقف إطلاق النار في غزة، إلى جانب طموحات دولية أوسع تتجاوز الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بحسب ما أفاد به مسؤولون في الإدارة الأميركية.
وأوضح المسؤولون، في تصريحات لوكالة "أسوشيتد برس" مشترطين عدم الكشف عن هوياتهم نظراً لحساسية النقاشات الداخلية، أن المقترح يخضع لنقاش جدي داخل أروقة الإدارة، من دون أن يكون قد اتُّخذ قرار نهائي بشأن الموقع الدائم للطاقم الإداري للمجلس. غير أن مجرد طرح المبنى، الذي لا يزال محور نزاع قانوني، كمقر محتمل، يفتح الباب أمام مواجهة سياسية وقضائية جديدة.
ويأتي هذا التطور في وقت لا يزال فيه المبنى الواقع في موقع بارز قرب "ناشونال مول"، قبالة وزارة الخارجية الأميركية، خاضعاً لدعوى قضائية رفعها موظفون ومديرون سابقون في "معهد الولايات المتحدة للسلام"، بعد أن أقدمت الإدارة الجمهورية العام الماضي على الاستيلاء عليه وفصل الغالبية الساحقة من العاملين فيه. وكان المعهد، وهو مؤسسة بحثية غير ربحية أنشأها الكونغرس، يُنظر إليه طويلاً كأحد رموز "القوة الناعمة" الأميركية وأداة لترويج تسوية النزاعات عبر الوسائل الدبلوماسية وغير العسكرية.
وفي خطوة أثارت جدلاً واسعاً، أُعيدت تسمية المبنى لاحقاً باسم "معهد دونالد ترمب الأميركي للسلام"، رغم أن اسمه القانوني ووضعه المؤسسي لا يزالان معلقين بانتظار الحسم القضائي. فقد قضى قاضٍ فيدرالي في وقت سابق بأن المعهد كيان مستقل غير خاضع لسلطة البيت الأبيض، وأن استيلاء الإدارة عليه كان غير قانوني. إلا أن تنفيذ الحكم جُمّد مؤقتاً بعد تقدم الحكومة بطعن أمام محكمة الاستئناف.
وفي هذا السياق، قال جورج فوت، المستشار القانوني للإدارة السابقة للمعهد ولموظفيه المفصولين، إن تعليق تنفيذ الحكم لا يمنح الحكومة أي حق في التصرف بممتلكات الجهة التي كسبت الدعوى. وأضاف في بيان أن "الحكومة لا تملك أي تفويض قانوني لإعادة تسمية مقر معهد السلام، أو تأجيره لعشر سنوات، ناهيك عن فتحه أمام منظمة دولية جديدة مثل مجلس السلام المقترح".
وتعززت التكهنات بشأن نية ترمب استخدام المبنى مقراً للمجلس الجديد بعدما استخدمت الإدارة شعار "مجلس السلام" فوق صورة لمبنى المعهد وقبته الزجاجية المميزة في مواد ترويجية رسمية. وبلغ هذا المسار ذروته في 22 كانون الثاني الماضي، حين كشف ترمب رسمياً عن المجلس خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
ويضم "مجلس السلام" حالياً 27 عضواً مؤسساً، معظمهم من قادة دول وشخصيات دولية، وتتمثل مهمته المعلنة الأولى في الإشراف على خطة ترمب لوقف إطلاق النار في غزة. غير أن ميثاق المجلس يكشف عن طموحات أوسع، إذ ينص صراحة على السعي لمعالجة نزاعات دولية أخرى، ما يضعه عملياً في موقع موازٍ – وربما منافس – للأطر الدولية القائمة.
وقد قوبلت هذه الطموحات بحذر واضح من عدد من حلفاء الولايات المتحدة، خصوصاً في أوروبا، إذ رفضوا الانضمام إلى المجلس، معتبرين أنه قد يشكل محاولة أميركية لإعادة هندسة نظام إدارة النزاعات الدولية خارج مظلة الأمم المتحدة، وربما لمنافسة مجلس الأمن الدولي أو الالتفاف على شلله المزمن.
وبينما تؤكد إدارة ترمب أن المجلس يهدف إلى "تحقيق السلام بوسائل مبتكرة"، يرى منتقدون أن اختيار مبنى "معهد الولايات المتحدة للسلام" تحديداً لا يمكن فصله عن دلالاته الرمزية والسياسية، إذ يعكس توجهاً لإعادة تعريف مفهوم السلام ذاته: من فضاء مستقل للبحث والنقد والوساطة، إلى منصة خاضعة لرؤية سياسية ضيقة ومركزية.
وبحسب خبراء، لا يمكن فصل مشروع "مجلس السلام" عن السياق الأوسع لسياسات ترمب الخارجية، التي تميل إلى إفراغ المؤسسات متعددة الأطراف من مضمونها، واستبدالها بأطر موازية تخضع للنفوذ الأميركي المباشر. فبدلاً من إصلاح النظام الدولي أو دعم دور الأمم المتحدة، يبدو أن الإدارة تسعى إلى إنتاج "سلام مُدار سياسياً"، يُستخدم كأداة نفوذ، لا كعملية قائمة على القانون الدولي أو معالجة جذور الصراعات.
وفي هذا المعنى، يكشف الاستيلاء على مقر "معهد الولايات المتحدة للسلام" وإعادة توظيفه عن صراع أعمق حول معنى السلام في السياسة الأميركية المعاصرة. فالمعهد كان يمثل تقليدياً مساحة للنقد والوساطة المستقلة، بينما يرمز "مجلس السلام" إلى سلام فوقي يُصاغ من أعلى، ويُربط بالصفقات والخرائط السياسية، لا بحقوق الشعوب أو العدالة التاريخية.
المصدر:
القدس