آخر الأخبار

التصعيد على غزة: رسائل سياسية لإفشال المرحلة الثانية

شارك

د. محمد المصري: إسرائيل تريد التصعيد وتُبقي ملف الأمن بيدها وحدها ولذلك تقوم بكل هذه الضربات من منطلق ما تسميه "الأمن القومي"
د. جمال الشلبي: ما جرى استعراض للقوة على حساب سكان الخيام بغزة للتأكيد على أن السياسة المتبعة مستقبلاً ستقوم على القتل والوحشية
مصطفى إبراهيم: إسرائيل ما زالت تنظر للمرحلة الثانية من منظور نزع سلاح "حماس" وهي رسالة ضغط مفادها أن ما هو قادم أخطر مما سبق
د. مخيمر أبو سعدة: نتنياهو والمتطرفون في حكومته يحاولون إفشال المرحلة الثانية من خطة ترمب وبالنسبة لهم فإن مشروع التهجير لا يزال مطروحاً
عصمت منصور: المشهد ينحصر بين انفجار الأوضاع وعودة الحرب أو استمرار الوضع القائم بما فيه من تعثر على الأقل حتى الانتخابات الإسرائيلية
شرحبيل الغريب: التصعيد ليس عسكرياً فقط بل رسالة سياسية تهدف لإفشال المرحلة الثانية وقطع الطريق على أي تسلّم وطني سلس لإدارة القطاع


يرى كتاب ومحللون سياسيون، في أحاديث لـ"ے"، أن التصعيد الأخير الذي استهدف قطاع غزة، واستشهد فيه العشرات عشية فتح المعبر، يؤكد أن الاحتلال والتصعيد ما زالا مستمرين ولم يتوقفا، أي أن وقف إطلاق النار لا يعني وقف الحرب بالشكل العنيف والدموي الواسع، بل يعني فقط وقف العمليات الكبرى.
ويشيرون إلى أن التصعيد الأخير ليس تصعيداً عسكريّاً فقط، بل يأتي ضمن سياق سياسي ويحمل رسائل مركبة تهدف لإفشال المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وقطع الطريق على أي تسلّم وطني سلس لإدارة قطاع غزة، ما يؤكد أن حكومة نتنياهو المتطرفة تدفع باتجاه عودة الإبادة، وأن التهجير لا يزال مطروحاً على طاولتها، إذ إن ما حدث يعكس محاولة نتنياهو رسم معالم المرحلة المقبلة وفق الشروط والرؤية الأمنية الإسرائيلية، وبما يضمن استمرار سيطرته على القطاع.

ما حدث يشكل تطوراً خطيراً، ويؤسس لمرحلة من استمرار السيطرة الأمنية والعسكرية على قطاع غزة، سواء على الأرض أو من الجو.
ويخلص إبراهيم إلى أن هذا التصعيد الخطير يعكس محاولة نتنياهو رسم معالم المرحلة المقبلة وفق الشروط والرؤية الأمنية الإسرائيلية، وبما يضمن استمرار السيطرة على قطاع غزة،

الاحتلال والتصعيد ما زالا مستمرين ولم يتوقفا

يؤكد الخبير في الشؤون السياسية والأمنية د. محمد المصري أن الاحتلال والتصعيد ما زالا مستمرين ولم يتوقفا، أي أن وقف إطلاق النار الذي يتحدثون عنه لا يعني وقف الحرب بالشكل العنيف والدموي الواسع، بل يعني فقط وقف العمليات الكبرى.
لكن القتل، والتنمر، والقنص، ونقل ما يعرف بـ"الحجر الأصفر" إلى الأمام، والاستيلاء على مساحات جغرافية أخرى، والتضييق على الفلسطينيين، وعدم فتح المعابر، كلها ممارسات متواصلة ضمن المرحلة الأولى، التي لم تلتزم إسرائيل بتنفيذها.
ويضيف: إن هذا السلوك لا يقتصر على قطاع غزة فقط، بل إن إسرائيل لم تلتزم أيضاً بالاتفاق في لبنان، ولم تلتزم باتفاقات أخرى في سوريا. فإسرائيل تريد التصعيد، وتُبقي ملف الأمن بيدها وحدها، ولذلك تقوم بكل هذه الضربات، من منطلق ما تسميه هي "الأمن القومي"، كما يُتداول حاليًا في أروقة المؤسسات الأمنية والعسكرية.
ويوضح المصري أن العدوان الذي الذي جرى مؤخراً تمّ تحت ذريعة خروج أشخاص من الأنفاق، واعتبار ذلك اختراقاً، رغم أنّ من خرجوا تم قتلهم أو تصفيتهم، فيما اعتُقل أحدهم وسُلِّم لميليشيات مسلحة محسوبة على الاحتلال، بهدف إنتاج مشاهد مصورة للإذلال لا أكثر ولا أقل.
ويشير المصري إلى أنه "رغم ذلك، جاءت الضربة تحديداً فيما كان من المفترض فتح المعبر بشكل تجريبي، وأرادت إسرائيل من خلال هذه الضربة توجيه رسالة مفادها أنها ستبقى تمارس سيطرتها الأمنية، بغض النظر عن فتح المعبر من عدمه".
ويوضح أن هذه الرسالة موجهة إلى الولايات المتحدة، وتحديدًا إلى الرئيس ترمب وإدارته، وإلى جميع الوسطاء العرب وغير العرب، بما في ذلك تركيا وقطر ومصر، وكذلك إلى الجمهور الفلسطيني واللجنة الوطنية الفلسطينية، ومفادها أن الدخول إلى قطاع غزة سيكون تحت السيطرة الإسرائيلية، وحتى على جثامين الشهداء الموجودين فيه.
ويؤكد المصري أن "الأهم من ذلك هو أن نتنياهو ما زال يواصل ما يفعله في غزة، فيما يراقب الوضع الداخلي الإسرائيلي، ويتابع استطلاعات الرأي التي تشير إلى تحسن وضعه، لكنه لا يزال متخوفًا. فهو لم يحقق ما سماه "المنجزات الاستراتيجية" المتمثلة في النصر الكامل على غزة، ولذلك يسعى إلى عرقلة المرحلة الثانية تحت عنوان "تجريد غزة من سلاحها" وإنهاء حركة حماس، ليقول للجمهور الإسرائيلي إنه حقق الأهداف التي أعلنها منذ البداية: تجريد غزة من السلاح، وإنهاء حماس، واستعادة الأسرى والجثامين".
ويشير إلى أن الضربة الأخيرة أسفرت عن استشهاد 33 فلسطينياً، وهو رقم ليس عاديًا، ويحمل رسالة عنيفة.
ويضيف أنه إذا فكّر نتنياهو بتقديم الانتخابات، فإن التجربة الإسرائيلية خلال العشرين أو الخمسة والعشرين عامًا الماضية تؤكد أن فترات الانتخابات تكون سباقًا على الدم الفلسطيني، فكلما زاد سفكه، تحسن موقعه في صناديق الاقتراع.
ويوضح المصري أن المجتمع الإسرائيلي اليوم أكثر تطرفًا مما كان عليه، حتى إن المعارضة الإسرائيلية لا تنتقد الضربات على غزة، ولا ما يجري في لبنان أو سوريا، لأن حالة الحرب والعسكرة ترسخت في الوعي الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر 2023، وأصر نتنياهو على استمرارها لأكثر من سنتين وثلاثة أشهر.
ويشير إلى أن الحديث عن إيران يُعد سبباً إضافياً دفع إسرائيل لتنفيذ هذه العملية في ظل الضباب الذي يلف المنطقة. لكنه شدد على أن نتنياهو لم ينجح في هذه الضربة، إذ بدأ فتح المعبر تجريبياً، وسيُفتح بشكل طبيعي في الاتجاهين.
ويرى المصري أن تأخير دخول اللجنة الوطنية لا يعود فقط إلى القصف، بل إلى استمرار البحث عن مقر دائم في ظل غياب المباني والمساكن الصالحة في غزة، وهي إشكالية لوجستية بالدرجة الأولى. ومع ذلك، انطلقت المرحلة الثانية، ولم يسمح الرئيس ترمب لنتنياهو بعرقلتها، رغم استمرار بعض الضربات والقتل.
ويؤكد المصري أن نتنياهو بات أمام خيارين: إما تطبيق المرحلة الثانية، أو الاصطدام بالإدارة الأمريكية، خاصة أن هذه المرحلة تتعلق بانسحاب إسرائيل ونزع سلاح حماس، وهما نقطتان لا تبدو أي من الأطراف مستعجلة في حسمهما، لا حماس ولا إسرائيل.

إسرائيل تريد إثبات أنها لم تنتهِ من حربها على غزة

ويرى أستاذ العليوم السياسية في الجامعة الهاشمية في عمّان د. جمال الشلبي أن الهجوم الإسرائيلي غير المباغت وغير المفاجئ يدل على أن إسرائيل بدأت تشعر بثقل الموقف الأمريكي تجاه إيران. وفي ظل انشغال العالم بإمكانية توجيه هجوم إلى إيران من عدمه، تسعى إسرائيل إلى إثبات أنها لم تنتهِ من حربها على غزة، وأن ما يحدث في القطاع منذ اندلاع الحرب، وتحديداً منذ طوفان الأقصى، يجري وفق إيقاع الإرادة والرغبة الإسرائيلية، سواء على مستوى القيادة السياسية أو العسكرية.
ويضيف أن هذه الرسالة موجهة أولاً إلى الشعب الإسرائيلي، ومفادها أن إسرائيل ما زالت تمتلك اليد الطولى في قطاع غزة وفي الملف العسكري عموماً، وهو ما يعكس رغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في التأكيد لشعبه أنه ما زال موجودا، وما زال يخوض الحرب، وأن الدولة في حالة استنفار دائم. ويعتقد أن هذه الرسالة تستهدف الداخل الإسرائيلي بالدرجة الأولى.
وثانياً، يرى الشلبي أن الرسالة موجهة إلى العالم، وإلى الشرق الأوسط والعالم العربي، ومضمونها أن حركة حماس قد انتهت، ولم تعد قادرة على المقاومة أو مواجهة السياسات الإسرائيلية العنيفة، في ظل الهجوم الكاسح والمتواصل على قطاع غزة، وأنه لم يعد أمامها، وفق الرؤية الإسرائيلية، سوى الاستسلام.
ويعتبر الشلبي أن ما جرى هو استعراض للقوة وإبراز للعضلات على حساب سكان الخيام في غزة، من خلال قتل النساء والأطفال والشيوخ، بهدف التأكيد على أن السياسة المتبعة في التعامل مع حماس وغيرها مستقبلاً، سواء في غزة أو ربما في لبنان أو سوريا أو العراق، ستقوم على القتل والتدمير والوحشية، بما يوصل رسالة مفادها أن لا أحد يستطيع مواجهة إسرائيل.
وثالثاً، يرى الشلبي أن الرسالة الأهم تتمثل في سعي إسرائيل، قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية، إلى الادعاء بأنها أنهت بشكل كامل ما تسميه تنظيف الداخل الغزي من الإرهاب والمتطرفين. ويؤكد أن هذه الرسالة تهدف إلى الإعداد والاستعداد للمرحلة الثانية، بعد قناعة إسرائيلية بأن الطريق بات ممهداً للانتقال إليها، ولكن وفق الشروط والإيقاع الإسرائيليين، وبما يضمن القضاء الكامل على أي وجود مسلح في قطاع غزة.
وبناء على ذلك، يرى الشلبي أن هذا السلوك العدواني تجاه الشعب الفلسطيني في غزة، يعكس سياسة واستراتيجية إسرائيلية ثابتة، لا تستهدف غزة وحدها، بل تمتد لتشمل المحيط العربي بأكمله. ويؤكد أن هذا الواقع يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار من قبل أي فصيل أو تيار أو جناح مما يُسمى بمحور المقاومة، وأن يعيد التفكير ملياً، بل ألف مرة، قبل الإقدام على أي مواجهة مع إسرائيل.
ويضيف: إن إسرائيل تشعر اليوم بأنها الطرف المسيطر والقادر على إخضاع الجميع بقوتها العسكرية وقدراتها وتحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة، التي تُعد الداعم والممول والرادع الحقيقي لأي اعتداء عليها. ويشير إلى أن امتلاك إسرائيل هذه القوة، مدعومة بقوة أمريكية شاملة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً ودبلوماسياً، يعزز قدرتها على فرض إرادتها.

رسائل موجهة إلى الوسطاء

كما يرى الشلبي أن هذه الرسائل موجهة أيضاً إلى الوسطاء، وخصوصاً مصر وقطر، للتأكيد على أن دورهم وتأثيرهم في مسار التفاوض بات محدوداً أو شبه معدوم، وأن عملية التفاوض عملياً قد انتهت، لأن موازين القوة هي التي تحكم المشهد، ولأن إسرائيل تمتلك اليوم القدرة على فرض شروطها.
واختتم الشلبي بالقول: رغم محاولات حركة حماس التأكيد على أن ما يجري يتنافى مع اتفاق وقف إطلاق النار، فإن هذا الموقف لا يحمل وزناً حقيقياً بالنسبة لإسرائيل، في ظل ما تعتبره اختلالاً واضحاً في موازين القوى على الأرض.
ويضيف الشلبي: إن إسرائيل ترى أن حماس انتهت عسكرياً وسياسياً، ولم يتبق لها سوى دور فكري، لا تأثير فعلياً له في الواقع، ما يدفع إلى الاعتقاد أن المرحلة الحالية هي مرحلة ما بعد حماس، وربما ما بعد غزة، وبداية مرحلة تفرض فيها إسرائيل، بدعم أمريكي واسع، معادلات جديدة في المنطقة.

مسار تصعيدي مستمر

ويعتقد الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم أن التصعيد الذي جرى مؤخراً يأتي في سياق مسار تصعيدي مستمر منذ الأشهر الثلاثة الأولى من المرحلة الأولى، حيث نفذت إسرائيل عدداً من عمليات الاغتيال والقتل، ما أدى إلى استشهاد أكثر من 450 فلسطينياً.
ويصف إبراهيم التصعيد الأخير بأنه كان خطيراً جداً، ومخيفاً ومقلقاً في قطاع غزة، ويأتي في إطار الكذبة التي تحدث عنها نتنياهو، بزعمه وقوع حادث في رفح وخروج عدد من المقاتلين من الأنفاق، وهي الرسالة ذاتها التي تحاول سلطات الاحتلال والجيش الإسرائيلي إيصالها، بأن حركة حماس هي من تبدأ التصعيد، في حين أن الواقع يشير إلى أن إسرائيل تسير في سياق فرض سيادتها وسياساتها الأمنية والعسكرية على قطاع غزة.
ويؤكد ابراهيم أن إسرائيل ما زالت تنظر إلى المرحلة الثانية من الاتفاق من منظور نزع سلاح حركة حماس، وهي رسالة ضغط واضحة موجهة للحركة مفادها أن ما هو قادم أخطر مما سبق. ويضاف إلى ذلك حملة التحريض التي شهدها الأسبوع الماضي والأيام الأخيرة، من خلال ما نشره عدد من المراسلين العسكريين والمحللين السياسيين، في محاولة من نتنياهو للعودة إلى الحرب بهذه الذريعة، بذريعة تحقيق نزع السلاح.
ويشير إلى أن نتنياهو، الذي حدد أهداف الحرب بالقضاء على حركة حماس عسكرياً وعلى قدراتها العسكرية، ومنعها من أن تكون جزءاً من المشهد السياسي، يحاول في الوقت ذاته بناء رواية وسردية إسرائيلية تزعم أن حماس تعيد بناء نفسها وما زالت تسيطر على قطاع غزة.
ويقول: إن هذا الادعاء يستند، بحسب الرواية الإسرائيلية، إلى أن حماس ما زالت تدير الشؤون المدنية في القطاع، من خلال تشغيل مراكز الشرطة وعودة عمل بعض الوزارات المدنية، مثل وزارة المالية والاقتصاد وعدد من الوزارات الأخرى. ورغم أن هذا النشاط ليس بالحجم الكبير، إلا أنه يُستخدم لتأكيد أنها ما زالت تسيطر مدنياً على قطاع غزة، على الرغم من الضربات الكبيرة التي تعرضت لها.
ويذكر المحلل إبراهيم أن نتنياهو رفع شعار "النصر المطلق"، رغم تحقيق إنجازات عسكرية كبيرة، من بينها تدمير البنى التحتية لحركة حماس وقتل عشرات القادة من المستويين السياسي والعسكري، إلا أنه في حال لم يحقق هذا "النصر المطلق" ونزع سلاح حماس، فسيُعد خاسراً، سواء داخل حكومته اليمينية أو على مستوى المجتمع الإسرائيلي.
ويشير إلى تصريح لرئيس المعارضة الإسرائيلية، الذي اعتبر أن فتح معبر رفح دليل على أن إسرائيل لم تحقق إنجازات الحرب كما يدّعي نتنياهو. وفي هذا السياق، يسعى نتنياهو إلى الدفع مباشرة نحو مسألة نزع السلاح، في مخالفة لاتفاق وقف إطلاق النار ولقرار مجلس الأمن، الذي ينص في مرحلته الثانية على البدء بالانسحاب وإعادة الإعمار.
ويضيف ابراهيم: إن نتنياهو يستبق هذه الاستحقاقات كما فعل سابقاً في عرقلة المرحلة الأولى، حيث استمر إغلاق معبر رفح لأكثر من مئة يوم، ثم فُتح بشروط معقدة وإجراءات تعسفية إسرائيلية، في ظل فرض السيطرة الأمنية الإسرائيلية والإجراءات المشددة، بما في ذلك تحديد أعداد المسافرين والعائدين إلى قطاع غزة، والتفتيش الصارم والدقيق لهم.
ويؤكد أن هذه القيود والشروط الإسرائيلية تعكس تحكم إسرائيل بالوضعين السياسي والأمني، خاصة أنها تسيطر على نحو 53% من أراضي قطاع غزة، ويقع المعبر ضمن هذه المنطقة.
ويرى أن ما حدث يشكل تطوراً خطيراً، ويؤسس لمرحلة من استمرار السيطرة الأمنية والعسكرية على قطاع غزة، سواء على الأرض أو من الجو. وحتى فيما يتعلق بمقترحات هيئة الاستقرار أو نشر قوة متعددة الجنسيات، فإن إسرائيل لا تثق بأي جهة كانت في مسألة نزع السلاح، حتى لو كانت قوة متعددة الجنسيات تعمل بالتعاون مع لجنة أمنية أو شرطية ضمن اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
ويخلص إبراهيم إلى أن هذا التصعيد الخطير يعكس محاولة نتنياهو رسم معالم المرحلة المقبلة وفق الشروط والرؤية الأمنية الإسرائيلية، وبما يضمن استمرار السيطرة على قطاع غزة، حتى في حال انسحاب الجيش الإسرائيلي منه.

محاولة لإفشال المرحلة الثانية من خطة ترمب

ويعتقد أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر بغزة د. مخيمر أبو سعدة: إن ما حصل مؤخراً دليل واضح على محاولة إسرائيل إفشال المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترمب.
ويقول من الواضح الآن بعد استعادة كل المحتجزين الاسرائليين الأحياء والجثث، باتت أيدي الجيش الاسرائيلي غير مقيدة، ويبدو هناك دعم على المستوى الشعبي الإسرائيلي لاستمرار الحرب على غزة والقضاء على حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى.
ويشير أبو سعدة إلى أن "إسرائيل تدرك أن المرحلة الثانية من خطة ترمب تعني انسحاباً ثانياً من غزة وفتح معبر رفح وبدء عملية الإعمار. ولكن بالنسبة لنتنياهو والمتطرفين في حكومة إسرائيل، لا يزال مشروع التهجير على الطاولة ويحاولون بأي طريقة إفشال الخطة ووضع اللوم على حماس وغزة".
ويرى ايو سعدة بأن الرسالة من التصعيد امس الاول كانت للفلسطينيين الذين يريدون العودة إلى غزة قبل فتح المعبر بيوم بان الحرب لم تنتهي بعد وان وقف إطلاق النار هش، وبالتالي هي رسالة تخويف وتهديد بعدم العودة إلى غزة.
ويضيف: هي أيضاً محاولة لإفشال عمل اللجنة الوطنية لإدارة غزة قبل أن تباشر عملها، علماً أن اللجنة من المفترض أن تعود إلى غزة للوقوف على أحوال الفلسطينيين اليومية هناك.
ويرى أبو سعدة أن نتنياهو يستغل الانشغال الأمريكي بالملف الإيراني، والتحضير لضربة عسكرية لايران، بوضع عراقيل جديدة أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترمب. نتنياهو يريد الفوز بالانتخابات الاسرائيلية المقبلة بأي ثمن.

رسالة من إسرائيل بأن يدها هي الطولى

ويؤكد الصحفي المختص بالشأن الإسرائيلي عصمت منصور: إن رسالة إسرائيل واضحة، إذ تأتي عشية فتح المعبر بهذا التصعيد الكبير لتقول إن يدها هي الطولى، وإن كلمتها هي العليا.
ويوضح أن المعادلة التي أرادت ترسيخها عبر الاتفاق، والقائمة على حرية حركتها وقدرتها الدائمة على الرد والتصعيد، لن تُقيّد لا بفتح المعبر ولا بالاتفاق ولا بأي إجراءات أخرى.
ويشير منصور الى أن إسرائيل ترسم عمليًا ملامح المرحلة المقبلة على مسار يمنحها الأفضلية، ويجعل قدرة المقاومة على الرد شبه معدومة، وفي حال حصل أي رد، فسيكون ثمنه العودة إلى الحرب بكل ما يترتب عليها من كُلف وأثمان باهظة، وهي الأثمان التي دُفعت أساساً للوصول إلى مرحلة وقف الحرب.
ويضيف منصور: إن إسرائيل تدرك حساسية اللحظة التي تمر بها المقاومة الفلسطينية، وخياراتها الصعبة في مواجهة هذه الغطرسة الإسرائيلية، وفي المقابل، تفرض مساراً قائماً على التنازلات والابتزاز، يترافق مع تصعيد ميداني، وانتشار في ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" واعتباره حدوداً أمنية.
ويشير منصور إلى أن فتح المعبر يتم ضمن أضيق نطاق ممكن، وبآليات تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، وبأعداد محدودة جدًا تكاد تكون رمزية، في حين يُربط الانسحاب وإعادة الإعمار بشروط تتعلق بنزع السلاح، ما يكرّس حالة بقاء الأمور على ما هي عليه.
ويقول منصور إن المشهد ينحصر بين احتمالين: إما انفجار الأوضاع والعودة إلى الحرب، وهو سيناريو غير مستبعد رغم أن الطرف الفلسطيني والوسطاء يسعون لتجنبه، لكن إسرائيل تدفع باتجاهه، أو استمرار الوضع القائم بكل ما فيه من تعثر، على الأقل إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية. ولذلك، فإن هذا التصعيد يحمل رسالة بليغة وواضحة، ودموية للأسف.


إسرائيل تعيد المشهد عمدًا إلى مربع الحرب

ويقول الكاتب والمحلل السياسي شرحبيل الغريب: إن التصعيد الإسرائيلي ليس تصعيدًا عسكريًا فقط، بل رسالة سياسية مركبة، تهدف إلى إفشال المرحلة الثانية وقطع الطريق على أي تسلّم وطني سلس لإدارة قطاع غزة.
ويضيف: إن إسرائيل تعيد المشهد عمدًا إلى مربع الحرب، لتؤكد لجميع الأطراف، بما فيها واشنطن وإدارة الرئيس ترامب، أن يدها العسكرية ستبقى طليقة في القطاع، وأن أي مسار سياسي أو إنساني سيظل مشروطًا بمعادلة القوة ونزع سلاح غزة.
ويؤكد أن الأخطر في هذا التصعيد أنه يأتي في توقيت حساس، يتزامن مع حراك سياسي وضغوط دولية لفتح معبر رفح وتثبيت ترتيبات ما بعد الحرب، والإعلان عن القوة الدولية وهو ما تعتبره تل أبيب تهديدًا مباشرًا لأهدافها الاستراتيجية.
ويقول: إن تل أبيب تسعى عبر القصف ورفع منسوب التصعيد إلى فرض وقائع ميدانية جديدة، تُضعف أي إطار وطني جامع، وتُفشل أي إدارة وطنية مدنية مستقلة للقطاع.
ويضيف الغريب: كما يحمل التصعيد رسالة ردع للداخل الفلسطيني مفادها أن الاستقرار ممنوع، وأن أي محاولة للتعافي أو إعادة الإعمار ستبقى رهينة القصف والتهديد المستمر والابتزاز , وفي العمق، تسعى إسرائيل إلى استنزاف غزة إنسانيًا واقتصاديًا، ودفع سكانها نحو خيارات قسرية، في مقدمتها التهجير تحت ضغط النار والحصار، باعتباره الحل غير المعلن الذي يُدار بصمت خلف المشهد العسكري.


القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا