آخر الأخبار

غاز الطهي.. أزمة تهدد قطاعات إنتاجية واقتصادية مستقبلاً

شارك

خاص الحدث

في بداية شهر يناير/كانون الثاني 2026 بدأت تتضح ملامح أزمة في "إسرائيل" حول غاز الطهي، تابعت صحيفة "الحدث الفلسطيني" هذه التطورات عبر ترجمات عدة، عكست في جوهرها تصاعداً للقلق في أوساط قطاعات إنتاجية وخدمية واسعة في "إسرائيل"، مع تزايد المؤشرات على نقص غير مسبوق في غاز الطهي، وهو ما اعتبره مراقبون إسرائيليون تهديداً لاستمرارية عمل المصانع والأعمال التي تعتمد عليه بوصفه مدخلاً أساسياً للتسخين وإنتاج الطاقة. ولا يقتصر هذا القلق على الصناعات الثقيلة، بل يمتد إلى المطاعم والفنادق والمطابع، في وقت تُبذل فيه محاولات محمومة لتأمين كميات كافية تضمن استمرار النشاط اليومي. ووفقاً لبيانات وزارة الطاقة الإسرائيلية، يشكل الغاز الطبيعي نحو 41% من مجمل مصادر الطاقة في "إسرائيل".

لم تكن ترجمة هذه التقارير غوصاً في تفاصيل أزمات الإسرائيليين، بل إدراكاً بأن الأزمة ستنعكس على الحالة الفلسطينية، وهو ما جرى بالفعل بعد أقل من أسبوعين؛ حيث بدأت المعلومات التي ينشرها المواطنون الفلسطينيون على مواقع التواصل الاجتماعي توحي بالفعل بوجود أزمة، حاولت الحكومة إنكارها، حتى أكدها رئيس نقابة أصحاب محطات الغاز أسامة مصلح، مشيراً في مقابلة مع "الحدث" إلى أن الأزمة مرتبطة بعدة عوامل، من بينها النقص داخل "إسرائيل".

وبحسب ما يتناقله الإعلام الإسرائيلي، لا يُستبعد أن ينتقل هذا القلق حول أزمة الغاز -في حال تفاقم النقص- إلى المنازل أيضاً، مع احتمال تعذر الحصول على الغاز للاستخدامات المنزلية؛ إذ تُمنح الأولوية في حالات الشح للقطاعات التجارية والمؤسساتية، فيما يُدفع بالمستهلكين الأفراد إلى أسفل قائمة التزويد. في هذه الحالة، يمكن التنبؤ ضمناً بأن احتياجات الفلسطينيين أيضاً ستُدفع إلى أسفل القائمة.

ولا يُعد النقص الحالي في غاز الطهي في "إسرائيل" حدثاً طارئاً، بل نتيجة مسار بنيوي طويل امتد لأكثر من عقد، أُدير خلاله سوق غاز البترول المسال بمخزون أمان محدود واعتماد مرتفع على الإنتاج المحلي من المصافي، وفي مقدمتها مجمع "بازان" في خليج حيفا. وقد استند هذا النهج إلى افتراض بإمكانية تعويض أي نقص بسرعة عبر الاستيراد، غير أن التقرير يلفت إلى أن هذه الفرضية تركت السوق بهوامش ضيقة، وجعلته شديد الحساسية لأي اضطراب.

وتفاقمت هذه الهشاشة بعد إصابة مجمع "بازان" في يونيو/حزيران 2025 بصاروخ إيراني، مما أدى إلى تعطيلات واسعة في النشاط، شملت تضرر محطة الكهرباء الداخلية، وأسفرت عن مقتل ثلاثة عمال وإخراج المجمع مؤقتاً من دورة التشغيل، لتدخل السوق منذ ذلك الحين في حالة توتر مستمرة، وسط قدرة محدودة على سد العجز عبر الاستيراد؛ بسبب كلفته العالية ومحدودية البنى التحتية للتفريغ.

"إسرائيل" تحدد الكميات

إن فكرة تحديد "إسرائيل" لكميات الغاز التي يشتريها الفلسطينيون منها، تكفي لإعطاء تصور مستقبلي لواقع ومستقبل الغاز في الضفة الغربية وقطاع غزة، في ضوء تقارير وتنبؤات عدة تفيد بأن النقص في "إسرائيل" سيلاحقها في المستقبل. ومن الناحية العملية، يخضع توريد الغاز والوقود من "إسرائيل" إلى السلطة الفلسطينية لإطار قانوني أعلى يتمثل في بروتوكول العلاقات الاقتصادية الموقع عام 1994، المعروف بـ"بروتوكول باريس"، والذي دمج السوق الفلسطينية ضمن الغلاف الجمركي الإسرائيلي، ومنح إسرائيل سيطرة فعلية على الاستيراد والمعابر والموردين، بما في ذلك قطاع الطاقة. ووفقاً لهذا البروتوكول، لا تملك السلطة الفلسطينية سيادة مستقلة على استيراد الطاقة، بل تتعامل معها بوصفها جزءاً من منظومة اقتصادية إسرائيلية واحدة، تخضع فيها الأسعار والضرائب وآليات التوريد للمنظومة الإسرائيلية.

على المستوى التنفيذي، لا توجد اتفاقية دولية سيادية مستقلة بين الجانبين لتوريد الغاز، بل يتم التوريد عبر عقود تجارية مباشرة بين هيئة البترول الفلسطينية وشركات إسرائيلية خاصة مثل "باز" و"سونول" و"ديليك" و"دور ألون". هذه العقود ليست معاهدات (دولة-دولة)، وإنما ترتيبات تجارية تخضع للقانون التجاري المطبق على الشركات الإسرائيلية، وتُجدد دورياً من دون إطار تحكيم دولي أو شفافية كاملة، مما يجعل الجانب الفلسطيني طرفاً مستهلكاً لا شريكاً سيادياً في تحديد شروط التوريد أو الكميات أو الأسعار.

ويرتبط توريد الغاز عضوياً بنظام المقاصة المالية؛ حيث تقوم "إسرائيل" بجباية الضرائب المفروضة على الوقود والغاز، بما في ذلك ضريبة الشراء وضريبة القيمة المضافة، قبل تحويلها إلى وزارة المالية الفلسطينية أو خصمها من أموال المقاصة. وهذا يعني أن السيطرة الإسرائيلية لا تقتصر على التوريد الفيزيائي للطاقة، بل تمتد إلى التحكم بالإيرادات المالية الناتجة عنها، مما يحول قطاع الطاقة إلى عنصر أساسي في منظومة الضبط المالي والاقتصادي المفروضة على الاقتصاد الفلسطيني.

عملياً، يؤدي هذا الإطار المركب إلى حالة بنيوية من انعدام السيادة الطاقية الفلسطينية؛ إذ لا توجد أي آلية دولية ملزمة تضمن حداً أدنى ثابتاً لكميات التوريد، وتبقى الكميات خاضعة لترتيبات تجارية قابلة للتعديل وفق اعتبارات السوق والظروف الأمنية الإسرائيلية. كما لا تمتلك السلطة القدرة على تنويع مصادر الاستيراد أو التعاقد المباشر مع دول الجوار أو بناء احتياطي استراتيجي مستقل، مما يجعل أي اضطراب سياسي أو أمني أو إداري في الجانب الإسرائيلي قادراً على التأثير الفوري في كميات التوريد والأسعار، وبذلك تتحول الطاقة من سلعة اقتصادية إلى أداة تحكم سياسي واقتصادي ضمن علاقة تبعية مفروضة وليست شراكة متكافئة بين طرفين سياديين.

قطاعات مهددة بنقص الغاز

لا يقتصر استخدام غاز الطهي على الاستخدام المنزلي، بل إن أول القطاعات المهددة بشكل مباشر هو قطاع الأغذية والخدمات الغذائية، ويشمل المخابز، المطاعم، الفنادق، ومحال الحلويات والوجبات السريعة، التي تعتمد على غاز الطهي كمصدر أساسي للطاقة في عمليات الخبز والطهي والتسخين. أي نقص في الإمدادات ينعكس فوراً على القدرة التشغيلية لهذه المنشآت، سواء عبر تقليص ساعات العمل أو رفع التكاليف أو حتى الإغلاق المؤقت، مما يؤدي إلى اضطراب في توفر السلع الغذائية الأساسية وارتفاع أسعارها، خاصة في المناطق الحضرية المكتظة.

القطاع الثاني هو الصناعي الخفيف والحرفي، لا سيما صناعات البلاستيك، الألمنيوم، الزجاج، النجارة، الصناعات الغذائية الصغيرة، والمطابع؛ حيث يُستخدم غاز الطهي في تشغيل الأفران والغلايات والتسخين الصناعي. نقص الغاز في هذا السياق لا يعني فقط تباطؤ الإنتاج، بل تعطيل سلاسل توريد كاملة تشمل العمالة اليومية، المواد الخام، والتوزيع، مما يفاقم الخسائر الاقتصادية ويؤثر بشكل مباشر على دخل آلاف الأسر المرتبطة بهذه الأنشطة.

أما القطاع الثالث فهو الزراعي والخدمات المرتبطة به، خصوصاً مزارع الدواجن، البيوت البلاستيكية، ومرافق تجفيف المحاصيل، التي تعتمد على غاز الطهي للتدفئة والتحكم بدرجات الحرارة في فصل الشتاء. أي اضطراب في التوريد قد يؤدي إلى نفوق كميات من الإنتاج الحيواني أو تراجع جودة المحاصيل، مما يهدد الأمن الغذائي المحلي ويرفع كلفة الإنتاج الزراعي، ويزيد من هشاشة هذا القطاع في ظل بيئة اقتصادية غير مستقرة أصلاً.

انعكاسات اقتصادية

أول انعكاس اقتصادي مباشر يتمثل في ارتفاع كلفة الإنتاج والتشغيل في القطاعات المعتمدة على الغاز، لا سيما الغذاء والصناعات الخفيفة والزراعة؛ حيث يؤدي شح الإمدادات إلى لجوء المنشآت إلى بدائل أعلى تكلفة مثل الكهرباء أو الوقود السائل، أو إلى الشراء بأسعار مضاعفة من السوق السوداء. هذا الارتفاع في الكلفة ينتقل تلقائياً إلى المستهلك النهائي عبر زيادة الأسعار، مما يضغط على القدرة الشرائية للأسر ويرفع معدلات التضخم المحلي، خصوصاً في السلع الأساسية.

الانعكاس الثاني يتمثل في تراجع الناتج المحلي وفرص العمل؛ إذ أن تعطل المخابز والمطاعم والمصانع الصغيرة يعني تقليص ساعات العمل أو تسريح عمالة مؤقتة ودائمة، خاصة في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على المشاريع الصغيرة والمتوسطة. ومع تكرار أزمات التوريد، تتحول الخسائر من مؤقتة إلى بنيوية، بما يشمل إغلاق منشآت نهائياً وخروجها من السوق، مما يضعف القاعدة الإنتاجية ويزيد من معدلات البطالة والفقر.

أما الانعكاس الثالث فهو اختلال الميزان المالي والضريبي؛ حيث يؤدي تراجع النشاط الاقتصادي إلى انخفاض الإيرادات الضريبية للحكومة، في وقت ترتفع فيه كلفة الدعم الاجتماعي والتدخلات الطارئة لتخفيف آثار الأزمة. وفي ظل اعتماد الخزينة الفلسطينية على المقاصة، فإن أي اضطراب في قطاع الطاقة ينعكس سلباً على التدفقات المالية العامة، ويحد من قدرة الحكومة على التخطيط المالي والاستثماري، مما يعمق حالة الهشاشة الاقتصادية العامة.

اللجوء إلى الكهرباء.. أزمة أخرى

تشير المعطيات المرتبطة بالتوقعات الإسرائيلية في استمرارية نقص الغاز، إلى أن الملجأ الوحيد تقريباً سيكون في المستقبل هو الكهرباء. يتم اللجوء إلى الكهرباء كبديل عن غاز الطهي بسبب غياب البدائل العملية الأخرى، مثل الغاز المستورد مباشرة، إضافة إلى أن البنية التحتية الكهربائية متوفرة نسبياً في معظم المناطق مقارنة بشبكات الطاقة البديلة. ومع حدوث أي نقص في إمدادات الغاز، تجد المنشآت والأسر نفسها مضطرة لاستخدام الكهرباء لتشغيل الأفران، السخانات، والمعدات الحرارية، رغم أن هذا الاستخدام يؤدي إلى استهلاك كثيف للطاقة الكهربائية يفوق المعدلات الطبيعية.

القطاعات التي تلجأ فعلياً إلى الكهرباء تشمل بالدرجة الأولى المخابز والمطاعم ومحال الأغذية، إضافة إلى المصانع الصغيرة، الورش الحرفية، مزارع الدواجن، وبعض المنشآت السياحية والخدمية. هذه القطاعات تستخدم الكهرباء لتشغيل الأفران، السخانات الصناعية، الغلايات، وأنظمة التدفئة، مما يرفع فجأة الطلب على الكهرباء في فترات زمنية قصيرة. هذا التحول يخلق ضغطاً مضاعفاً على شبكة الكهرباء الفلسطينية، التي تعاني أصلاً من محدودية القدرة الإنتاجية واعتمادها شبه الكامل على الاستيراد من إسرائيل.

اقتصادياً، يؤدي هذا التحول إلى ارتفاع كلفة التشغيل والإنتاج لأن سعر وحدة الطاقة الكهربائية أعلى بكثير من كلفة غاز الطهي في الاستخدامات الحرارية، مما ينعكس مباشرة على أسعار الخبز، الطعام، والخدمات الصناعية. وعلى مستوى المالية العامة، ترتفع فاتورة الكهرباء التي تدفعها الحكومة أو الهيئات المحلية لشركات التوزيع الإسرائيلية، في وقت تتراجع فيه القدرة على التحصيل من المستهلكين بسبب ضعف الدخل، مما يفاقم أزمة الديون في قطاع الكهرباء، ويحوّل نقص الغاز من مشكلة طاقة مؤقتة إلى أزمة مالية وهيكلية تطال الحكومة والاقتصاد ككل. وقد تتفاقم أزمة أهم في هذا السياق؛ إذ إن الكهرباء نفسها تُستورد في غالبيتها (حوالي 90%) من "إسرائيل"، وهو ما يعني أن الأخيرة تتحكم في الأسعار والكميات، وبالتالي قد تنشأ أزمة أكبر بكثير.

الطاقة الشمسية.. ماذا عنها؟

تُطرح الطاقة الشمسية كأحد البدائل القليلة القابلة للتطبيق في السياق الفلسطيني، نظراً لتوفر الإشعاع الشمسي على مدار العام وانخفاض كلفة التكنولوجيا نسبياً مقارنة بمشاريع الطاقة التقليدية. فالمشاريع الشمسية، سواء على أسطح المنازل أو في المناطق الصناعية والزراعية، لا تحتاج إلى استيراد وقود ولا إلى المرور عبر المعابر الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، مما يجعلها -من حيث المبدأ- مصدراً محلياً للطاقة يحد من الارتهان لإسرائيل، ويوفر هامشاً أوسع من الاستقلال الطاقي على المدى المتوسط.

على مستوى القطاعات، يمكن للطاقة الشمسية أن تغطي جزءاً مهماً من احتياجات المنشآت التجارية والخدمية مثل المخابز، المصانع الصغيرة، المزارع، المدارس، والمستشفيات، خاصة في تشغيل المعدات الكهربائية وأنظمة التبريد والتدفئة والمضخات. كما تتيح للمزارعين تشغيل البيوت البلاستيكية وأنظمة الري دون الاعتماد الكامل على الكهرباء المستوردة، مما يخفض كلفة الإنتاج ويقلل من مخاطر الانقطاع، خصوصاً في المناطق الريفية والمصنفة "ج" التي تعاني أصلاً من ضعف البنية التحتية. حتى اقتصادياً واستراتيجياً، تمثل الطاقة الشمسية استثماراً طويل الأجل يخفف الضغط على فاتورة الكهرباء، ويحد من نزيف المقاصة المرتبط ب استيراد الطاقة.

الحدث المصدر: الحدث
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا