ماجد هديب: نتنياهو يرفض تهيئة بيئة مناسبة لعمل لجنة التكنوقراط وعرقلة دخول قوات الاستقرار لمنع تقييد حرية إسرائيل العسكرية والسياسية بغزة
سري سمور: إسرائيل ستواصل عرقلة دور لجنة التكنوقراط مستخدمة ملف "نزع السلاح" كشرط لكل شيء بما يشمل دخول المساعدات الإنسانية
سامر عنبتاوي: الاحتلال يصر على شروطه بالقوة ما يجعل المرحلة المقبلة استمراراً لسياسة فرض الأمر الواقع وليس مدخلاً لإنهاء المأساة
لبيب طه: إسرائيل تحاول ترسيخ معادلة مفادها أن وقف النار يكون من الجانب الفلسطيني أو العربي فيما تظل هي غير ملتزمة به
عدنان الصباح: التصعيد للتأكيد أن الحياة بغزة مستحيلة لدفع الفلسطينيين خارج القطاع إلى عدم العودة ومن هم داخله للتفكير بالمغادرة
فراس ياغي: استخدام شعار "نزع سلاح حماس" غطاء لمواصلة التصعيد وخلق حالة فوضى داخل القطاع مع أي ذريعة لتبرير الجرائم
رام الله - خاص بـ "القدس"-
يأتي تدشين فتح معبر رفح في توقيت بالغ الحساسية، متزامناً مع تصعيد ميداني إسرائيلي يعيد قطاع غزة إلى أجواء الحرب، في مشهد يعكس تناقضاً واضحاً بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية، بنا يقود إلى أهداف إسرائيلية لتخريب جهود وقف إطلاق النار وبما يحقق الأهداف الإسرائيلية لخلق بيئة تدفع الفلسطينيين للتفكير بحلول فردية نحو التهجير.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن التصعيد الأخير الذي استشهد فيه العشرات قبل 24 ساعة من فتح المعبر، لا يمكن فصله عن سياق سياسي أوسع، يسعى إلى فرض شروط جديدة والتحكم بإيقاع التهدئة، وربط فتح المعبر وإدخال المساعدات باعتبارات أمنية وسياسية صارمة، ليصار المعبر كأداة ضغط، تُفتح بوابته جزئياً وبشكل محدود، فيما تستمر القيود التي تعمّق الأزمة الإنسانية وتبقي القطاع تحت التهديد الدائم.
ويشيرون إلى أن هذا المشهد، يتحول فيه فتح معبر رفح من خطوة إنقاذية منتظرة إلى إجراء مشروط، لا يواكب حجم الاحتياجات المتراكمة، ولا يبدد مخاوف التصعيد، وبين نار القصف وضيق المعابر، يظل سكان غزة عالقين في معادلة قاسية، عنوانها فتح المعبر بلا استقرار وتصعيدٌ إسرائيلي بلا أفق يدفع نحو وقف الحرب.
غزة أمام مفترق طرق خطير
يعتقد الكاتب والمحلل السياسي ماجد هديب أن قطاع غزة يقف مجدداً أمام مفترق طرق خطير، في أعقاب التطورات المتسارعة المرتبطة بتشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، محذراً من أن الخيارات المطروحة حالياً تنحصر بين سيناريوهين لا ثالث لهما، أحدهما يقود إلى تهدئة وإعادة تنظيم الحياة، والآخر يعيد القطاع إلى أتون حرب أكثر شراسة وتدميراً.
ويوضح هديب أنه جرى الحديث سابقاً عن سيناريوهين محتملين لغزة بعد تشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة "لجنة التكنوقراط"، يتمثل الأول في استئناف الحرب إذا لم تلتزم حركة حماس بما وقعت عليه، سواء من حيث غيابها عن المشهد السياسي والإداري، أو تسليم سلاحها، وفسح المجال أمام اللجنة الوطنية لإدارة القطاع وإعادة رسم ملامح الحياة وفتح آفاق أمل لسكانه.
أما السيناريو الثاني، وفق هديب، فيقوم على ترحيب حماس باللجنة وترك المجال أمامها للعمل بحرية، بدعم محلي وإقليمي ودولي، ما يعني عملياً انتفاء مبررات العودة إلى الحرب وغياب أي تهديد عسكري.
الدفع نحو استئناف الحرب
ويشير هديب إلى أن موقف حركة حماس الأخير، بالتزامن مع الساعات التي سبقت وصول اللجنة الوطنية إلى غزة، يوحي بأنها اختارت السير في اتجاه السيناريو الأول، أي دفع الشعب الفلسطيني نحو استئناف الحرب، وذلك من خلال ما صدر عنها من تصريحات وبيانات خلال الأيام الأخيرة.
ويعتبر هديب أن هذه المواقف أعادت غزة إلى مربع السيناريوهات الخطيرة، حيث يبقى "أحلاها مُرّاً" هو العودة إلى القتال.
ويبيّن أن ما صدر عن حركة حماس من تعميم لموظفيها يتجاوز كونه إجراءً إدارياً داخلياً، ليشكّل قراراً سياسياً واضحاً يقوم على رفض الآخر، ورفض عمل اللجنة الوطنية والكوادر التي تختارها.
ويوضح هديب أن حث حماس الموظفين على التواجد في أماكن عملهم والالتزام بالتسلسل الإداري القائم، يحمل دلالات رفض التسليم ما لم يسبق ذلك لقاء مع اللجنة واتفاق معها حول الشراكة معها بالوجود والشراكة ولو على المستوى الأمني، ويترافق مع تهديدات ضمنية بعدم التواصل مع أعضاء اللجنة، وتحذير من الخروج عن مواقف الحركة المعلنة.
ويؤكد هديب أن المواقف الأخيرة لحركة حماس، سواء عبر البيانات أو تصريحات القيادات، تعكس تغليب مصلحة التنظيم على مصلحة الشعب، وهو ما سيدفع غزة مجدداً نحو حرب أشد تدميراً وتهجيراً.
هذه أهداف نتنياهو من استئناف الحرب
ويرى هديب أن هذا المسار يخدم بشكل مباشر أهداف رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي يسعى إلى استئناف الحرب لأسباب متعددة.
ويعدد أبرز هذه الأسباب، أولها إبقاء غزة ساحة مفتوحة لإطلاق النار حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية، بما يضمن استمرار حالة الحرب التي تمنع الشارع الإسرائيلي من إسقاط نتنياهو قبل "حسم ملف حماس"، وهو ما يخدم اليمين المتطرف.
أما السبب الثاني، وفق هديب، فيتمثل في الإبقاء على القوات الإسرائيلية داخل غزة، ولو بشكل جزئي، إلى حين تهيئة الظروف لتوجيه ضربة قاسية لإيران، دون الخشية من ردود فعل إقليمية واسعة.
ويتطرق هديب إلى السبب الثالث، حيث يكمن في حرمان الفلسطينيين من أي أفق للهدوء والاستقرار، بما يدفعهم إلى التمسك بخيار الهجرة كملاذ أخير للهروب من القتل والتدمير، بحثاً عن حياة أكثر أمناً لأبنائهم.
أما السبب الرابع، والأهم، بحسب هديب، فهو منع تهيئة بيئة مناسبة لعمل اللجنة الوطنية، وعرقلة دخول قوات الاستقرار، لما يشكله ذلك من قيد على حرية إسرائيل العسكرية والسياسية في غزة.
فرق واقع عسكري إسرائيلي
وحول دلالات التصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير، يوضح هديب أنه لا يمكن قراءته كحدث أمني معزول، بل كرسالة سياسية تهدف إلى فرض واقع عسكري قبل أي استحقاق سياسي، وإلى طمأنة الشارع الإسرائيلي بأن الحرب مستمرة حتى إنهاء حركة حماس كقوة وإدارة ووجود، مع تجاهل متعمد للمواقف الدولية والمطالب العربية.
ويؤكد هديب أن التصعيد يعكس خياراً إسرائيلياً قائماً على إدارة الصراع بمنطق القوة، في ظل غياب حل سياسي عادل وفق قرارات الشرعية الدولية، محذراً من أن استمرار هذا النهج سيقود إلى مزيد من العنف والتوتر الإقليمي، ما يستدعي العودة الجادة إلى مسار سياسي يعالج جذور الأزمة.
المرحلة المقبلة تبدو "صعبة ومؤلمة"
يحذّر الكاتب والمحلل السياسي سري سمور من أن السيناريوهات المتوقعة في قطاع غزة خلال المرحلة المقبلة تبدو "صعبة ومؤلمة"، في ظل إصرار دولة الاحتلال الإسرائيلي على مواصلة عمليات القتل والتصعيد الميداني، وعرقلة عمل معبر رفح بشكل فعلي، ومنع دخول المساعدات الإنسانية، إضافة إلى إعاقة أي مسار حقيقي لإعادة الإعمار.
ويوضح سمور أن إسرائيل تواصل تصعيدها دون وجود أي قوة قادرة على ردعها، ما ينذر بأيام شديدة القسوة بانتظار سكان قطاع غزة، حتى وإن لم تعد الإبادة الجماعية تُمارس بالشكل ذاته، فإن وتيرة القتل اليومية لا تزال مستمرة.
ويلفت سمور إلى أن العالم أدار ظهره لغزة، وتعامل مع المشهد على أنه "ملف أُغلق"، في ظل خطاب يوحي بأن القطاع يتعافى، بينما الواقع يشير إلى اعتياد المجتمع الدولي على أعداد الشهداء، مهما تفاوتت أرقامهم يومياً.
عرقلة دور لجنة التكنوقراط
ويشير سمور إلى أن إسرائيل ستواصل عرقلة أي دور للجنة التكنوقراط المطروحة لإدارة شؤون غزة، وستضع العراقيل أمام عملها، مستخدمة ملف "نزع السلاح" كشرط أساسي لكل شيء، بما في ذلك السماح بدخول المساعدات الإنسانية.
ولم يستبعد سمور أن تلجأ إسرائيل إلى سياسات الابتزاز ذاتها التي استخدمتها سابقاً، عبر ربط القضايا الإنسانية بشروط سياسية وأمنية.
ويبيّن أن دلالات التصعيد تعكس قناعة إسرائيلية راسخة بأن القوة وحدها هي الوسيلة الفاعلة، مستندة في ذلك إلى دعم أمريكي واضح يتبنى الرواية الإسرائيلية، مقابل عجز أو تواطؤ عربي، بما في ذلك دور الوسطاء، الذين يكتفون بالمراقبة أو الإدانة الشكلية في أحسن الأحوال.
ويؤكد سمور أن حركات المقاومة تعرّضت لاستنزاف كبير، ما يجعل قدرتها على فتح جبهات جديدة محدودة، حيث تستغل إسرائيل أي تحرك محدود ذريعة لتوسيع عملياتها العسكرية وارتكاب مزيد من المجازر.
ويرى سمور أن إسرائيل تسعى إلى إبقاء قطاع غزة تحت سيطرتها المباشرة، تقتل متى تشاء، وتمنع المساعدات وتوسّع مناطق الاحتلال وفق إرادتها، في مشهد قاتم لن يتغير ما لم يحدث تحول دراماتيكي على المستويين الدولي أو الإقليمي.
تساؤلات حول الانتقال للمرحلة الثانية
يرى الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي أن فتح معبر رفح يأتي في سياق بالغ التعقيد، في ظل إخلال دولة الاحتلال الإسرائيلي بالتزامات المرحلة الأولى من التفاهمات، واستمرارها في فرض وقائع ميدانية وأمنية تعمّق الأزمة الإنسانية والسياسية في قطاع غزة، وتضع علامات استفهام كبيرة حول أي انتقال حقيقي إلى المرحلة الثانية.
ويوضح عنبتاوي أن دولة الاحتلال لم تلتزم ببنود المرحلة الأولى، إذ واصلت عمليات الاستهداف داخل القطاع، ما أدى إلى استشهاد نحو 500 مواطن، إلى جانب التدمير الواسع وتجاوز ما يُعرف بالخط الأصفر، ومنع دخول المواد التموينية والطبية، في خرق واضح لكافة التفاصيل المتفق عليها.
ويشير عنبتاوي إلى أن هذا السلوك يثير تساؤلات جوهرية حول كيفية الحديث عن مرحلة ثانية والتزامات جديدة في ظل هذا الانتهاك الشامل.
السيطرة الأمنية الكاملة على معبر رفح
ويلفت عنبتاوي إلى أن إسرائيل تسعى إلى فتح معبر رفح، وربما معبر آخر موازٍ، ضمن تصور يقوم على فرض سيطرة أمنية كاملة، بحيث تتحكم بمن تسمح له بالدخول أو الخروج، ما يعني تكريس الهيمنة الشاملة.
ويرى أن أي وجود أوروبي أو وساطات دولية في المعبر لن تتجاوز هذا الإطار، ولن تمنع السيطرة الإسرائيلية الفعلية على حركة العبور.
ويبيّن عنبتاوي أن أكثر من 18 ألف جريح ومريض في قطاع غزة بحاجة ماسة للعلاج في الخارج، غير أن عمليات الخروج والعودة ستبقى، وفق هذا السيناريو، خاضعة للقرار الإسرائيلي، مع احتمال السماح بالخروج مقابل تقييد العودة، في مسعى واضح لتقليص عدد السكان ومنع كثيرين من العودة إلى القطاع.
ويشير عنبتاوي إلى الحديث عن "لجنة تكنوقراط وطنية" لإدارة قطاع غزة، دون وضوح صلاحياتها أو مسؤولياتها أو الجهات الداعمة لها، ومدى قدرتها على التأثير في الواقع الاقتصادي والإداري في ظل سيطرة الاحتلال على المعابر واستمراره الميداني داخل القطاع.
التصعيد وفرض الشروط الإسرائيلية
ويعتقد عنبتاوي أن السيناريوهات المرتقبة لا تزال شديدة التعقيد، في ظل سعي الاحتلال لإعاقة أي مسار سياسي أو إنساني بذريعة نزع سلاح المقاومة، واستخدام ذلك مبرراً للبقاء في غزة، ضمن مشروع متواصل يقوم على السيطرة الأمنية والسياسية، ويفتح الباب أمام مخاطر التهجير.
ويؤكد عنبتاوي أن التصعيد الحالي يحمل رسالة واضحة بأن الاحتلال يصرّ على فرض شروطه بالقوة، في ظل تواطؤ أمريكي وصمت عربي، وضعف دور القوى الضامنة والمؤسسات الدولية، ما يجعل المرحلة القادمة، وفق المعطيات الراهنة، استمراراً لسياسة القتل الممنهج وفرض الأمر الواقع، وليس مدخلاً حقيقياً لإنهاء مأساة قطاع غزة.
فتح المعبر لا يعني الاستجابة للاحتياجات
يرى الباحث والمحلل السياسي لبيب طه أن فتح معبر رفح سيتم تشغيله وفق آلية إسرائيلية قديمة ومقيّدة، شبيهة بتلك التي طُبّقت قبل نحو عام عقب التوصل إلى وقف إطلاق نار تنصلت منه إسرائيل لاحقاً، مؤكداً أن فتح المعبر لا يعني استجابة حقيقية للاحتياجات الإنسانية الهائلة في قطاع غزة.
ويوضح طه أن المعبر سيُفتح بشكل محدود وتجريبي، حيث يُسمح لنحو 150 شخصاً فقط بالمغادرة أو العودة يومياً، وهو رقم ضئيل للغاية مقارنة بعشرات آلاف المرضى والجرحى والحالات الإنسانية التي تحتاج إلى السفر للعلاج أو لقضاء احتياجات ضرورية في مصر. ويعتبر طه أن هذه الآلية تعكس استمرار النهج الإسرائيلي القائم على التحكم والسيطرة، لا على التخفيف الفعلي من معاناة السكان.
لجنة التكنوقراط والصلاحيات المحدودة
وفيما يتعلق بعمل لجنة التكنوقراط المقترحة لإدارة شؤون غزة في ظل هذه الظروف والتصعيد الإسرائيلي، يشير طه إلى أنها ستدخل القطاع بصلاحيات محدودة وإمكانات شحيحة، وستواجه عراقيل كبيرة، على رأسها الاحتلال الإسرائيلي وأدواته.
ويؤكد طه أن إسرائيل لم تتغير، لا على مستوى الحكومة ولا على مستوى السياسات، إذ لا تزال تعتمد نهج فرض أقسى الظروف على الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، من خلال استمرار القتل والحصار والتضييق.
ويوضح طه أن موافقة إسرائيل على فتح المعبر لم تأتِ إلا نتيجة ضغوط هائلة، وليس تحولاً في مواقفها.
محاولة متعمدة لإفشال فتح المعبر
ويتطرق طه إلى التصعيد الأخير الذي أسفر عن استشهاد أكثر من 30 فلسطينياً خلال يوم واحد، واصفاً الرقم بالكبير والخطير، ولا يستند إلى أي مبرر، في ظل غياب الحرب أو المناوشات أو أي خرق فعلي لوقف إطلاق النار. ويوضح طه أن إسرائيل تحاول ترسيخ معادلة مفادها أن وقف إطلاق النار يكون من طرف واحد فقط، أي من الجانب الفلسطيني أو العربي، بينما تظل هي غير ملتزمة به.
ويوضح طه أن إسرائيل، حين تتحدث عن خروقات، لا تقدم أي أدلة أو توضيحات، في وقت لم تُسجَّل فيه أي عمليات إطلاق نار أو صواريخ، معتبراً أن الاحتلال يسعى ليلاً ونهاراً إلى تخريب أي تهدئة قائمة.
ويرجّح طه أن يكون التصعيد الأخير محاولة متعمدة لإفشال فتح معبر رفح، وخلق ذرائع تزعم عدم التزام الفلسطينيين.
ويشير طه إلى أن القتل الذي طال أطفالاً ونساءً يهدف إلى فرض معادلة جديدة قوامها العقاب الجماعي، مفادها بأن أي أمر لا يرضي إسرائيل سيُقابل بسفك الدماء، وأن الفلسطينيين مطالبون بدفع "ضريبة باهظة" وفق مزاج الحكومة الإسرائيلية، حتى وإن لم يكونوا طرفاً في أي مواجهة أو عمل مسلح.
السطو على القطاع وتهجير الفلسطينيين
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن كل السيناريوهات المطروحة والمتداولة بشأن قطاع غزة تصبّ، في جوهرها، في خدمة المشروع الأمريكي–الإسرائيلي، القائم على السطو على القطاع وتهجير الفلسطينيين منه، وتحويل غزة إلى منطقة خاضعة للسيطرة الأمريكية المباشرة، عبر أدوات سياسية وأمنية دولية، في مقدمتها مجلس الأمن.
ويوضح الصباح أن مجمل ما يجري على الأرض، بعيداً عن هذا المشروع، لا يعدو كونه محاولات "لذر الرماد في العيون" وكسب الوقت وإطالته، مع الاستمرار في ممارسة الضغط المنهجي على سكان القطاع، بهدف جعل الحياة هناك غير ممكنة، ودفع الفلسطينيين للتفكير في حلول فردية للهروب من الواقع الكارثي، بعيداً عن أي حل وطني أو جماعي شامل.
تكليف لجنة التكنوقراط بمهمة مستحيلة
وفيما يتعلق بعودة لجنة التكنوقراط إلى قطاع غزة، يعتبر الصباح أن هذه الخطوة ستكون محكومة بالفشل منذ لحظتها الأولى، مؤكداً أن دخول اللجنة دون اتفاق كامل، ودون توفير الأمن للمواطنين، ودون إدخال المساكن المتنقلة والخيام الصالحة للحياة، ودون فتح المجال أمام إدخال المساعدات الطبية والصحية، سيجعل وجودها شكلياً وعاجزاً عن تلبية الحد الأدنى من احتياجات الناس، مع النقص الحاد في المواد الإنسانية.
ويلفت الصباح إلى أن أخطر ما سيواجه لجنة التكنوقراط هو تكليفها بمهمة مستحيلة، تتمثل في جمع أو مصادرة أو نزع سلاح المقاومة، متسائلاً عن قدرة اللجنة على تنفيذ مثل هذه المهمة، وبأي أدوات، ولماذا يتم حصر دورها في هذا الملف تحديداً، بدلاً من التركيز على الإغاثة وإعادة الحياة إلى المواطنين، وهو أمر سيحكم عليها بالفشل ضمن هذه الشروط والقيود.
الحرب لم تنتهِ
وحول التصعيد الأخير الذي سبق فتح معبر رفح، يوضح الصباح أن هذا التصعيد حمل أكثر من رسالة، أبرزها التأكيد على أن القرار المطلق فيما يجري على أرض قطاع غزة لا يزال بيد دولة الاحتلال،كما حمل رسالة مباشرة للقادمين والمغادرين عبر المعبر، مفادها بأن الحياة في غزة مستحيلة، سواء لمن يفكر بالعودة أو لمن لا يزال مقيماً فيها، في سياق دفع الفلسطينيين خارج القطاع إلى عدم العودة، ومن هم داخله إلى التفكير بالمغادرة.
ويؤكد الصباح أن هذا التصعيد يثبت أن الحرب لم تنتهِ، وأن الاحتلال سيواصل جرائمه بأدوات متعددة، تشمل القتل وإطلاق النار، واستمرار الحصار، ومنع المساعدات، وتقييد الحركة عبر معبر رفح، إضافة إلى جعل ملف نزع السلاح القضية المركزية، على حساب الإغاثة والحلول الجذرية وحقوق المواطنين، بما يكرّس أفقاً مسدوداً لأي حل حقيقي في قطاع غزة.
سيناريوهات محكومة بالمخطط الأمريكي
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي فراس ياغي أن السيناريوهات المطروحة لقطاع غزة باتت مرتبطة بشكل وثيق بما تريده الولايات المتحدة من القطاع، في إطار مخطط واضح لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ولكن بصورة مرحلية، كما سبق أن أعلن عنها صهر ترمب ومستشاره جاريد كوشنر.
ويوضح ياغي أن هذه المرحلة تتطلب فرض واقع ميداني جديد داخل غزة، من خلال فتح معبر رفح وفق الرؤية الأمريكية بالتفاهم مع إسرائيل، ووجود اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة على الأرض لتولي المهام الإدارية والخدمية.
ويشير ياغي إلى أن هناك ما يشبه الإجماع غير المعلن الإسرائيلي-الفلسطيني-الأمريكي، وحتى من جانب الوسطاء، على أولوية ملف البنية التحتية، لا سيما شبكات الصرف الصحي، نظراً لتداعياتها الصحية الخطيرة التي لا تقتصر على غزة وحدها، بل تمتد لتؤثر على الإقليم بأكمله.
ويشدد ياغي على أن السيناريوهات الفعلية لا تحكمها الرغبة الأمريكية وحدها، بل تقابلها توجهات إسرائيلية واضحة تقوم على المماطلة وعدم تنفيذ المرحلة الثانية بحذافيرها.
إصرار إسرائيل على شروطها
ويبيّن ياغي أن إسرائيل مستعدة لمنح الولايات المتحدة "شيئاً شكلياً" من خطة ترمب، مع تصويره كتنازل جوهري، بينما لا تقدم فعلياً أي تغيير حقيقي في واقع غزة.
ويؤكد ياغي أن إسرائيل تصر على مسألتين أساسيتين: الأولى، عدم السماح بإعادة إعمار القطاع دون نزع سلاح حركة حماس، والثانية، رفض الانسحاب من ما يسمى "الخط الأصفر" دون تفكيك حماس ونزع السلاح في القطاع بالكامل.
مبدأ "الرزمة الواحدة"
ويشير ياغي إلى أن السيناريو الأمريكي المرجح يقوم على مبدأ "الرزمة الواحدة"، أي ربط ملف نزع السلاح بالإعمار وبالانسحابات في إطار واحد متكامل، لافتاً إلى حديث متداول عن وثيقة أمريكية قيد الإعداد حول نزع السلاح، يجري النقاش بشأنها مع الجانب الإسرائيلي حصراً، بما يعكس تبنّي الشروط الإسرائيلية داخل غزة.
وفيما يتعلق بالتصعيد الأخير، يوضح ياغي أن المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل وأسفرت عن استشهاد 32 فلسطينياً، بينهم أطفال ونساء، جاءت بذريعة خرق وقف إطلاق النار، في إشارة إلى خروج مقاتلين من الأنفاق شرق رفح، وهو ما يؤكد أن الاحتلال سيبحث عن أي ذريعة، أو يختلقها، لتبرير التصعيد والجرائم.
ويوضح أن معطيات ميدانية تشير إلى خطط أعدتها هيئة الأركان الإسرائيلية لاحتلال نحو 80% من مساحة قطاع غزة، ما يعكس توجهاً إسرائيلياً نحو التهجير والترحيل، لا نحو تطبيق الخطة الأمريكية أو تحقيق الاستقرار. ويعتبر ياغي أن استخدام شعار "نزع سلاح حماس" ليس سوى غطاء لمواصلة التصعيد والجرائم، وخلق حالة فوضى داخل القطاع، وهو ما ظهر في استهداف مراكز شرطية، من بينها مركز شرطة الشيخ رضوان، وقتل عناصر من الشرطة النسائية ومدنيين.
ويؤكد ياغي أن الحكومة الإسرائيلية الحالية هي حكومة حرب واستيطان وتهجير، ولا تحمل في عقيدتها أي استعداد للتهدئة أو الانخراط في مسار سياسي حقيقي، مشدداً على أنه لا يمكن الحديث عن مسار سياسي في ظل وجود هذه الحكومة اليمينية المتطرفة.
المصدر:
القدس