د. أسامة عبد الله: الأمم المتحدة تمر بمرحلة تآكل تدريجي أكثر من الانهيار المفاجئ فالأزمة المالية تهدد قدرتها على الاستمرار في تنفيذ برامجها
أكرم عطا الله: "تجريف" ترمب السياسات والمؤسسات الدولية يثير قلقاً على مستقبل الأمم المتحدة مع اعتماد ميزانيتها على التمويل الأمريكي
د. حسين الديك: الأمم المتحدة تعاني خللاً بعدم ترحيل الفوائض المالية للسنة التالية لتعود المساهمات غير المصروفة للدول المانحة مع نهاية كل عام مالي
د. رهام عودة: ما تتعرض له الأمم المتحدة بسبب الحصار المالي الأمريكي لتغيير مواقفها وللابتزاز الإسرائيلي الذي يستهدف إنهاء دور الأونروا
عريب الرنتاوي: ما تتعرض له الأمم المتحدة من تجفيف متعمّد لمواردها المالية لا يمكن فهمه بمعزل عن مسار يهدف لإضعاف المنظمة الدولية وشيطنتها
رام الله - خاص بـ"القدس"-
تواجه الأمم المتحدة واحدة من أخطر الأزمات في تاريخها، مع تصاعد التحذيرات من أمينها العام أنطونيو غوتيريش من انهيار مالي وشيك يهدد قدرتها على الاستمرار في أداء مهامها الأساسية.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون، في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن العجز المتراكم في ميزانية المنظمة، الناتج عن ديون غير مسددة وتراجع حاد في مساهمات دول كبرى أبرزها الولايات المتحدة الأمريكية، لم يعد أزمة تقنية عابرة، بل تحوّل إلى مؤشر خطير على تآكل بنيوي يطال أحد أعمدة النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية.
ويشيرون إلى أنه لا يمكن فصل هذا الانهيار المالي عن سياق أوسع يشهد محاولات حثيثة لتهميش دور الأمم المتحدة، وشيطنة مؤسساتها، وخلق أطر بديلة خارج منظومتها، بما يهدد مكانتها كمرجعية قانونية دولية.
ومع التحذيرات من احتمال نفاد السيولة خلال الفترة المقبلة، فإن الكتاب والمحللين السياسيين يرون أن المنظمة تقف عند مفترق طرق حاسم، بين استمرارها كإطار شكلي ضعيف التأثير، أو خضوعها لإصلاحات جذرية تعيد لها الحد الأدنى من الفاعلية والاستقلال المالي في نظام دولي يتغير بسرعة.
تحول طبيعة النظام الدولي
يعتبر الباحث السياسي والأكاديمي د. أسامة عبد الله أن التحذير الذي أطلقه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن أزمة مالية وشيكة لا يمكن فهمه بوصفه أزمة تقنية أو محاسبية عابرة، بل يجب قراءته في سياق تحوّل أعمق في طبيعة النظام الدولي، وفي شكل العلاقة بين القوى الكبرى والمؤسسات متعددة الأطراف، وعلى رأسها الأمم المتحدة.
ويؤكد عبد الله أن المعطيات المالية المتراكمة تشير بوضوح إلى أن الأزمة الحالية ليست طارئة، بل هي نتيجة تراكم طويل الأمد، حيث تواجه الأمم المتحدة نقصاً حاداً في السيولة بسبب الديون غير المسددة من الدول الأعضاء، والتي بلغت خلال السنوات الأخيرة نحو 1.6 مليار دولار، وقد انعكس هذا العجز مباشرة على قدرة المنظمة على تنفيذ برامجها الأساسية في المجالات الإنسانية والتنموية وحفظ السلام.
تراجع التمويل الطوعي
ويوضح عبد الله أن الأزمة لا تقتصر على الجانب المالي، بل تتداخل مع عامل سياسي مؤثر يتمثل في تراجع التمويل الطوعي، خاصة من الولايات المتحدة، التي تُعد أكبر مساهم في ميزانية الأمم المتحدة.
ويشير عبد الله إلى أن واشنطن خفّضت تمويل عدد من الوكالات الأممية، وامتنعت في بعض الأحيان عن سداد التزاماتها، ما جعل الوضع المالي للمنظمة أكثر هشاشة، وفتح الباب أمام استخدام التمويل كأداة ضغط سياسي.
تقليص دور المنظمات الدولية التقليدية
ويرى عبد الله أن القراءة الأعمق للأزمة تكشف عن ثلاثة اتجاهات رئيسية؛ أولها وجود توجه لدى بعض القوى الكبرى نحو إعادة تشكيل النظام الدولي عبر تقليص دور المنظمات الدولية التقليدية، لصالح ترتيبات ثنائية أو تحالفات إقليمية وأطر بديلة أقل التزاماً بالقانون الدولي.
أما الاتجاه الثاني وفق عبد الله، فيتمثل في الصراع على شرعية السردية الدولية، حيث يجري استهداف وشيطنة بعض مؤسسات الأمم المتحدة، خصوصاً في ملفات حقوق الإنسان والنزاعات، ضمن معركة سياسية حول من يملك تعريف "الشرعية الدولية".
ويشير عبد الله إلى أن الاتجاه الثالث يتمثل في استخدام الضغط المالي كأداة سياسية لإعادة توجيه أجندة المنظمة أو تقييد قدرتها على التحرك في القضايا الحساسة.
مرحلة التآكل التدريجي
وحول مستقبل الأمم المتحدة، يؤكد عبد الله أن المنظمة تمر بمرحلة تآكل تدريجي أكثر من كونها على شفا انهيار مفاجئ، فالأزمة المالية الحالية، الناتجة عن ديون تتجاوز 1.6 مليار دولار وتراجع مساهمات دول كبرى، تهدد قدرتها على الاستمرار في تنفيذ برامجها، مع تحذيرات من احتمال نفاد السيولة خلال عام 2026. وبحسب عبد الله، يتزامن ذلك سياسياً مع توجه دولي، تقوده الولايات المتحدة، لإدارة الأزمات عبر تحالفات خارج إطار الأمم المتحدة، ما يعني تقليص دورها الفعلي مع الإبقاء عليها كإطار قانوني رمزي.
وفيما يتعلق بفلسطين، يحذّر عبد الله من أن ضعف الأمم المتحدة سينعكس سلباً على مستوى الدعم الإنساني والغطاء القانوني الدولي، خاصة في ظل أزمات تمويل الوكالات الإنسانية المرتبطة باللاجئين والمساعدات.
ويطرح عبد الله ثلاثة سيناريوهات محتملة للمستقبل، أبرزها سيناريو "التآكل البطيء" وهو الأرجح، حيث تبقى الأمم المتحدة قائمة شكلياً بقدرة تنفيذية ضعيفة، ما يضر بالدول الصغيرة والمتوسطة، ومنها فلسطين.
أما السيناريو الثاني وفق عبد الله، فيتمثل في "الإصلاح القسري" عبر إعادة هيكلة مالية وإدارية، وهو ممكن لكنه يتطلب توافقاً دولياً صعباً.
ويشير عبد الله إلى أن السيناريو الثالث يتمثل في "التفكك الجزئي للنظام الدولي" مع تصاعد الاعتماد على تحالفات خارج الأمم المتحدة وتراجع القانون الدولي لصالح ميزان القوة.
ويعتقد عبد الله أن الأمم المتحدة لن تختفي في المدى القريب، لكنها مرشحة للتحول إلى مؤسسة أقل تأثيراً، وهو تطور ستكون كلفته الأعلى على القضايا التي تعتمد على الشرعية الدولية أكثر من اعتمادها على موازين القوة.
تقويض مكانة الأمم المتحدة في النظام الدولي
يوضح الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن التحذيرات التي يطلقها الأمين العام للأمم المتحدة بشأن مستقبل المنظمة الدولية هي تحذيرات في محلها تماماً، في ظل وجود "ثنائي قوي" يعمل بشكل منظم على إنهاء دور الأمم المتحدة وتقويض مكانتها في النظام الدولي، في إشارة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويوضح عطا الله أن الحديث عن بدائل للأمم المتحدة، كما جرى عند طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب فكرة تشكيل مجلس أمن أو مجلس سلام بديلاً عنها، يعكس توجهاً سياسياً واضحاً لتهميش المنظمة الدولية وإفراغها من مضمونها.
ويلفت عطا الله إلى أن ما تتعرض له الأمم المتحدة اليوم لا يقتصر على تجفيف الموارد المالية، بل يشمل أيضاً تدمير مقراتها، ومنع موظفيها من أداء مهامهم، وتشويه سمعتها، والتضييق الممنهج على عملها في مناطق مختلفة، وعلى رأسها القدس خاصة وفلسطين عامة.
ويشير عطا الله إلى أن إسرائيل أقدمت على هدم مكاتب تابعة للأمم المتحدة في القدس، وشنّت حملات متواصلة ضد المنظمة، ووصفتها مراراً بأنها "معادية للسامية" و"مليئة بالكراهية لإسرائيل"، بل وهاجمت الأمين العام للأمم المتحدة شخصياً.
ويعتبر عطا الله أن هذا الموقف الإسرائيلي نابع من إدراك تل أبيب أن مجلس الأمن يشكّل لها مظلة حماية بفعل الفيتو الأمريكي، في حين أن الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث الأغلبية الساحقة من الدول، تصوّت في الغالب ضد السياسات الإسرائيلية، وهو ما تعتبره إسرائيل استهدافاً مباشراً لها.
ويؤكد عطا الله أن أحد أبرز دوافع هذا الاستهداف يتمثل في ملف اللاجئين الفلسطينيين، ودور الأمم المتحدة، وخصوصاً وكالة "الأونروا"، في الحفاظ على قضية اللجوء وإدارة شؤون المخيمات، وهو ما ترى فيه إسرائيل تهديداً استراتيجياً طويل الأمد.
ويرى عطا الله أن هذا العامل شكّل ولا يزال سبباً رئيسياً في دفع إسرائيل، مدعومة بالأذرع الأمريكية، إلى العمل على تقويض دور المنظمة الدولية.
"تجريف" السياسات والمؤسسات الدولية
ويحذّر عطا الله من أن وجود رئيس أمريكي مثل ترمب يعمل على "تجريف" السياسات والمؤسسات الدولية يثير قلقاً حقيقياً على مستقبل الأمم المتحدة، خاصة في ظل اعتماد ميزانيتها بشكل كبير على التمويل الأمريكي، الذي يشكّل أكثر من 22% من موازنة المنظمة.
ويعتقد عطا الله أن هذا الواقع يخلق حالة من القلق الدولي، في ظل تكامل واضح بين الأداء الأمريكي على المستوى العالمي، والأداء الإسرائيلي على مستوى فلسطين، بما يهدد مستقبل النظام الدولي القائم.
الفشل السياسي والمؤسسي للأمم المتحدة
يحذّر أستاذ العلوم السياسية والمختص بالشأن الأمريكي، د. حسين الديك، من أن التحذير الذي أطلقه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن الانهيار المالي الوشيك للمنظمة الدولية، لا يمكن عزله عن سياق أعمق من الفشل السياسي والمؤسساتي الذي تعانيه الأمم المتحدة منذ سنوات طويلة.
ويوضح الديك أن النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية لخدمة مصالح الدول المنتصرة آنذاك، لم يعد قادراً خلال العقدين الأخيرين على تلبية طموحات حتى هذه الدول نفسها، ما جعله نظاماً عاجزاً عن إدارة الأزمات الدولية الكبرى.
ويعتبر الديك أن هذا العجز تجلى بوضوح في سلسلة من الإخفاقات، بدءاً من سوريا، مروراً بأوكرانيا وعدد من الدول الأفريقية، وصولاً إلى ملفات تايوان وجرينلاند، فضلاً عن الغزو الأمريكي-البريطاني للعراق عام 2003 الذي جرى دون تفويض من مجلس الأمن رغم الرفض الفرنسي-الصيني-الروسي.
ويشير الديك إلى أن الفشل الأكبر والأكثر وضوحاً للأمم المتحدة تمثل في حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، حيث استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ست مرات لإسقاط مشاريع قرارات تطالب بوقف إطلاق النار، ما كشف مدى شلل مجلس الأمن وارتهانه لإرادة الدول دائمة العضوية.
وفيما يتعلق بالأزمة المالية، يؤكد الديك أن الانهيار المالي الذي حذّر منه غوتيريش سبقه انهيار سياسي ومؤسساتي، لافتاً إلى أن المنظمة لم تعد تلبي مصالح القوى الفاعلة، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا.
التمويل الأمريكي أداة ضغط سياسي
ويبيّن الديك أن التقارير الرسمية للأمم المتحدة تشير إلى أن إجمالي المبالغ المستحقة على الدول الأعضاء حتى نهاية عام 2025، يبلغ نحو مليار و800 مليون دولار، منها ما يقارب مليار و500 مليون دولار ديوناً على الولايات المتحدة وحدها، ما يعني أن ثلاثة أرباع العجز المالي تتحمله واشنطن.
ويرى الديك أن حجب التمويل الأمريكي ليس إجراءً مالياً بحتاً، بل أداة ضغط سياسي تهدف إلى شل عمل المنظمة وإفشالها.
ويشير الديك إلى خلل بنيوي في النظام المالي للأمم المتحدة، يتمثل في عدم ترحيل الفوائض المالية للسنة التالية، بحيث تعود المساهمات غير المصروفة إلى الدول المانحة مع نهاية كل عام مالي، ما يحرم المنظمة من موارد مستقرة.
ويعتقد الديك أن المنظمة تواجه اليوم ثلاثة تحديات متزامنة: الفشل السياسي، والأزمة المالية، ومحاولات خلق أطر بديلة، مثل ما يُعرف بـ"مجلس السلام" الذي طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
ويشدد الديك على أن هذا المجلس محاولة فاشلة، تفتقر إلى الشرعية الدولية، ولا تضم القوى العالمية المؤثرة، وترتبط بشخص ترمب لا بإطار قانوني مستدام.
إصلاح الأمم المتحدة لا تفكيكها
ويؤكد الديك أن المخرج الحقيقي يكمن في إصلاح الأمم المتحدة لا تفكيكها، حيث أنها بحاجة إلى إصلاحات مالية وإدارية داخلية، وإلى توسيع مجلس الأمن ليشمل قوى دولية صاعدة مثل الهند والبرازيل وتركيا واليابان وجنوب أفريقيا، بما يجعل المنظمة أكثر تمثيلاً وعدالة وتوازناً في التعامل مع القضايا الدولية.
عجز مالي متراكم في موازنة الأمم المتحدة
يحذّر الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب من أن الضغوط المتزايدة التي تتعرض لها هيئة الأمم المتحدة في المرحلة الراهنة، ولا سيما تلك الناتجة عن امتناع الولايات المتحدة الأمريكية عن تسديد التزاماتها المالية، تشكّل تهديداً حقيقياً لقدرة المنظمة الدولية على الاستمرار والقيام بدورها، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن فصلها عن تحولات عميقة في السياسة الأمريكية وتوجهاتها الدولية.
ويوضح حرب أن العجز المالي في موازنة الأمم المتحدة ليس جديداً، إذ تعاني منه المنظمة ومؤسساتها المختلفة منذ سنوات، إلا أن ما يجري حالياً يأتي في سياقين سياسيين واضحين، الأول يتمثل في التوجهات التقليدية للحزب الجمهوري، الذي ينظر إلى المؤسسات الدولية باعتبارها عبئاً مالياً على الخزينة الأمريكية، ويدعو إلى سياسات انعزالية تقلل من الانخراط والتمويل الأمريكي في الأطر متعددة الأطراف.
أما السياق الثاني، وفق حرب، فيرتبط بشكل مباشر برؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، القائمة على رفض تحمّل الولايات المتحدة أي أعباء مالية خارج حدودها، سواء تعلّق الأمر بتمويل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أو تقديم مساعدات خارجية، أو دعم منظمات دولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة.
ويشير حرب إلى أن هذه التوجهات تجلّت بوضوح خلال الولاية الأولى لترمب، ومع بداية ولايته الثانية، من خلال تقليص أو إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) عملياً، باعتبار أن نشاطها يندرج ضمن الإنفاق خارج الولايات المتحدة.
الأمم المتحدة أمام اختبار مصيري
ويعتبر حرب أن هذه السياسات تضع الأمم المتحدة اليوم أمام اختبار مصيري، كونها تشكّل الإطار الرئيسي لإنتاج قواعد القانون الدولي، والضامن للتوازنات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى دورها المحوري في تنظيم العلاقات الدولية ومنع الانزلاق نحو نزاعات وحروب تهدد الأمن والسلم الدوليين.
ويرى حرب أن الإدارة الأمريكية، إلى جانب إسرائيل، تعمل على "شيطنة" مؤسسات الأمم المتحدة، في محاولة للهروب من الالتزامات المالية المفروضة عليهما، وكذلك من الالتزام بقرارات الشرعية الدولية.
ويلفت حرب إلى أن المساعي الرامية إلى إعادة تشكيل دور مجلس الأمن أو توسيع قراراته خارج إطارها، كما في الانحراف عن القرار 2803 المتعلق بقطاع غزة، تندرج ضمن سياسة تهدف إلى تهميش الأمم المتحدة وإلغاء دورها في حفظ الأمن العالمي.
ويؤكد حرب أن غالبية القوى الدولية الكبرى ما زالت متمسكة ببقاء الأمم المتحدة، ما ينذر بفترة من الصراع والتجاذب بين الأقطاب الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، الصين، روسيا، والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تكتلات ناشئة مثل "بريكس" التي تسعى إلى تقليص الهيمنة الأمريكية، خاصة في المجال المالي، عبر البحث عن بدائل لنظام "سويفت".
ويرى حرب أن استمرار النهج الأمريكي الحالي، قد يقود إلى تفكك الأمم المتحدة على غرار ما حدث مع عصبة الأمم، وهو سيناريو يحمل مخاطر جسيمة قد تفتح الباب أمام حروب عالمية أكثر تدميراً، في ظل امتلاك القوى الكبرى ترسانات عسكرية غير مسبوقة.
سياسية ممنهجة لإضعاف الأمم المتحدة
تحذّر الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة من أزمة مالية غير مسبوقة تواجه الأمم المتحدة، وهو ما يفسر التحذيرات التي أطلقها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من انهيار مالي وشيك قد يطال عمل المنظمة الدولية ومؤسساتها المختلفة.
وتوضح عودة أن جوهر هذه الأزمة يعود بالأساس إلى الانسحاب الأمريكي من عدد من المؤسسات الأممية ووقف التمويل عنها، إلى جانب خطوات سياسية ممنهجة تستهدف إضعاف دور الأمم المتحدة، خصوصاً في الملفات المرتبطة بحقوق الإنسان والقضية الفلسطينية.
وتبيّن عودة أن الولايات المتحدة انسحبت خلال السنوات الأخيرة من مؤسسات أممية بارزة، من بينها منظمة الصحة العالمية، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ما ألحق ضرراً مباشراً بالبنية المالية للمنظمة الدولية.
وتشير عودة إلى أن الأزمة تفاقمت بشكل أكبر بعد توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في يناير/كانون الثاني 2026، على مذكرة رئاسية تقضي بوقف المشاركة والتمويل لـ31 كياناً تابعاً للأمم المتحدة، وهو ما انعكس سلباً وبصورة مباشرة على ميزانية الأمم المتحدة وقدرتها على تنفيذ برامجها الإنسانية والتنموية.
وتشير عودة إلى أن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) تعرضت لهجمة إسرائيلية شرسة ومنظمة، شملت استهداف مكتبها في القدس، الأمر الذي أضعف قدرتها على حشد التمويل اللازم لبرامجها في فلسطين ومخيمات اللجوء في الشتات.
وبحسب عودة، فإنه نتيجة لذلك، اضطرت الوكالة إلى إنهاء عقود عدد كبير من موظفيها، خاصة أولئك الذين غادروا قطاع غزة خلال الحرب، ما أثر بشكل بالغ على خدماتها الأساسية المقدمة للاجئين الفلسطينيين.
ضغط على الأمم المتحدة لتغيير مواقفها
وترى عودة أن ما تتعرض له مؤسسات الأمم المتحدة يمكن قراءته في إطار حصار مالي أمريكي يهدف إلى الضغط عليها لتغيير مواقفها، ولا سيما تلك المتعلقة بحقوق الإنسان وحرب الإبادة في غزة والقضية الفلسطينية بشكل عام، إلى جانب ابتزاز إسرائيلي مباشر يستهدف إنهاء دور الأونروا، انطلاقاً من اعتقاد إسرائيلي مفاده بأن انهيار الوكالة سيؤدي إلى شطب ملف اللاجئين الفلسطينيين.
وعلى صعيد مستقبل الأمم المتحدة، تؤكد عودة أن المنظمة الدولية، رغم محاولات "الحفر تحتها" لإضعافها أو استبدالها بأطر بديلة، لا تزال تتمتع بثقة واسعة من غالبية المجتمع الدولي، خاصة الاتحاد الأوروبي، والدول الآسيوية الكبرى مثل الصين واليابان.
رغم ذلك.. لا يمكن أن تنهار بسهولة
وتشدد عودة على أن الأمم المتحدة تُعد جزءاً راسخاً من النظام السياسي والإنساني الدولي، ولا يمكن أن تنهار بسهولة أو يتم استبدالها بهيئات ناشئة مثل "مجلس السلام" الذي أسسه ترمب، والذي تفتقر عضويته للاتحاد الأوروبي والدول الأفريقية، ولا يمتلك أذرعاً إنسانية أو وكالات قادرة على تنفيذ برامج إغاثية وتنموية واسعة النطاق.
وتستبعد عودة سقوط الأمم المتحدة، لكنها ترجّح أن تشهد المرحلة المقبلة تقليصاً لبعض برامجها في عدد من الدول إلى حين تجاوز أزمة التمويل، ومع تغيّر الإدارة الأمريكية مستقبلاً بما يخفف من الضغوط السياسية والمالية المفروضة على المنظمة الدولية.
إضعاف المنظمة الدولية وشيطنتها
يوضح مدير مركز القدس للدراسات السياسية، عريب الرنتاوي، أن ما تتعرض له الأمم المتحدة اليوم من تجفيف متعمّد لمواردها المالية لا يمكن فهمه بمعزل عن مسار سياسي متكامل بدأ مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الأولى، ويتواصل ويتكثف حالياً بهدف إضعاف المنظمة الدولية، وشيطنتها، وإخراجها من معادلات العلاقات الدولية بوصفها رمزاً للنظام العالمي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية.
ويوضح الرنتاوي أن الولايات المتحدة قادت خلال السنوات الأخيرة حملة منظمة لتقليل شأن الأمم المتحدة والتشكيك بدورها، وصلت إلى حد اتهام بعض مؤسساتها بدعم "الإرهاب"، الأمر الذي تُرجم عملياً بسلسلة انسحابات أمريكية واسعة من منظمات دولية تابعة للأمم المتحدة.
ويشير الرنتاوي إلى أن واشنطن انسحبت، بمرسوم رئاسي واحد، من 39 منظمة أممية من أصل 66، إضافة إلى انسحابات من أطر دولية أخرى غير تابعة للأمم المتحدة، في خطوة تعكس توجهاً أمريكياً واضحاً لتفريغ المنظمة من مضمونها.
ويعتبر الرنتاوي أن الحملة الشرسة على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" تمثل دليلاً إضافياً على الرغبة الأمريكية في تدمير أي دور أممي في معالجة القضية الفلسطينية.
ويلفت الرنتاوي إلى أن الاتهامات التي وُجهت للأونروا ووضعتها في مصاف "المنظمات الإرهابية" جاءت من دون أي دليل، وبخلاف نتائج تحقيقات دولية مستقلة ومحايدة نفت المزاعم الإسرائيلية والأمريكية بشأن ضلوع الوكالة في دعم حركة حماس.
محاولة خلق نظام عالمي موازٍ
ويشير الرنتاوي إلى أن ترمب حاول، عبر القرار 2803، التسلل لإقامة ما يُسمى "مجلس سلام عالمي" مختص بغزة والشرق الأوسط، مع السعي لمنحه أبعاداً دولية وصلاحيات تتجاوز هذا الإطار، في محاولة لخلق نظام عالمي موازٍ للأمم المتحدة، وربما تمهيداً ليكون بديلاً عن المنتظم الدولي والشرعية الدولية.
ويؤكد الرنتاوي أن أداء واشنطن داخل الأمم المتحدة اتسم تاريخياً بالسلبية، حيث تُعد من أكثر الدول استخداماً لحق النقض "الفيتو"، خصوصاً ضد القضايا الإنسانية والعادلة، وبشكل مطلق لدعم إسرائيل.
ويوضح الرنتاوي أن الولايات المتحدة باتت تشعر بعزلة متزايدة داخل المجتمع الدولي، ولا تجد إلى جانبها سوى إسرائيل وبعض الأنظمة اليمينية المتطرفة، مقابل اتساع دائرة الدول الداعمة للحق الفلسطيني، خاصة بعد "طوفان الأقصى"، بما في ذلك دول غربية حليفة تقليدياً لواشنطن.
ويلفت الرنتاوي إلى أن هذه السياسات لا تعبّر عن قوة أمريكية بقدر ما تعكس محاولة يائسة لتأخير انبثاق نظام عالمي جديد قائم على التعددية القطبية، ومنع قوى صاعدة مثل الصين وروسيا ودول "بريكس" والاقتصادات الناهضة في الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا من لعب دور مؤثر في صياغة النظام الدولي.
ويرى الرنتاوي أن ما نشهده اليوم قد يكون "الطلقة الأخيرة" في مسار الهيمنة الأمريكية، التي ستستمر تداعياتها لسنوات، لكنها لا تشكّل دليلاً على تعافي أو صعود الإمبريالية الأمريكية بقدر ما تعكس مأزقها العميق.
المصدر:
القدس