آخر الأخبار

حرب غزة 2023: كشفت زيف الحضارة الغربية وأعادت تشكيل العالم

شارك

عجب الذنب لكوكبنا! دعونا نفترض أن مجموعة من سكان الكواكب الأخرى أرادوا استطلاع أحوال كوكب الأرض، والتعرف على حضارة وثقافة ساكنيه. حطت مركبتهم الفضائية على رمال كوكبنا الأزرق في مطلع عام 2023، وباستخدام كل ما يملكون من تكنولوجيا في البحث والرصد والتحقيق، سيضعون تصورا كاملا لحياة هؤلاء البشر، عالمهم، بلدانهم، مجتمعاتهم، بيئتهم، ثقافتهم، وما يعتقدون فيه.

في البداية، سيتفاجؤون بحجم التلوث والانبعاثات الغازية والمواد الكيميائية التي أنتجتها الحضارة البشرية، فتسببت في اضطراب كبير بنظامهم البيئي، وخلل في توازن مكوناته، وأزمات مناخية عنيفة، بجانب استنزاف الموارد والثروات. سيكتشفون أن سكان الأرض يتوزعون على مساحة ست قارات، و195 دولة، تشكلت حدودها وقوتها بعد حربين عالميتين في أواسط القرن الماضي. إمبراطوريتان عظميان توارتا لتخلفهما دولتان اتحاديتان، سقطت إحداهما في العقد التاسع بالقرن العشرين، وبقيت دولة واحدة تمسك بخيوط السياسة العالمية، وتزداد قوتها وثرواتها عبر الحروب التي تشعلها في المناطق الغنية بالموارد ومصادر الطاقة والثروات.

عدد هؤلاء البشر يناهز الثمانية مليارات إنسان، قرابة 1.5% منهم فقط يستحوذون على حوالي 48% من إجمالي الثروة العالمية، ويتحكمون في كثير من المقدرات. واحد من بين كل ستة أشخاص لا يؤمن بوجود خالق، ولا يعتقد في أي من الأديان. بينما عدد البشر المؤمنين الموحدين بالله لا يزيد عن ربع هؤلاء السكان، يعيش أغلبهم في حالة ضعف وتشرذم وهوان، في أشد المناطق تأزما والتهابا بالصراعات، كثير منهم تحت أنظمة قمعية فاسدة مستبدة. بينما الحضارة المهيمنة على مقاليد السياسة في العالم حضارة غربية مادية رأسمالية متوحشة، تتمدد في قارتي أوروبا وأمريكا الشمالية. حضارة تعتمد على تطور الآلة، وتستثمر في التقدم العلمي، والقوة العسكرية التي تمكنها من استضعاف الشعوب الأخرى واستعمار بلدانهم، واستغلال مواردهم الطبيعية ونهب الثروات.

ولدينا دولة عظمى تتحكم في أغلب المنظمات الأممية والمؤسسات القانونية، وتهيمن على وسائل الإعلام ومنافذ الثقافة وأدوات الترفيه، وتمتلك كبرى الصحف والمواقع الإخبارية وشركات الإنتاج الدرامي، والشاشات والفضائيات. بينما يتحكم في رسم سياساتها جماعات يهودية صهيونية متنفذة، لديها القدرة على إيصال السياسيين بها إلى كافة مراكز ومؤسسات صنع القرار. "لوبي صهيوني" يتحكم في قرارات أقوى دول العالم، ويسير مجريات الأمور بها، ويملك وحده مفاتيح منظومتها الإعلامية الجبارة، ويستخدمون هذا كله لدعم كيانهم الاستعماري، ودولتهم القائمة على الاحتلال وسرقة أراضي الغير. بخلاف دول كبرى ينظر إليها كأقطاب سياسية صاعدة، ذات حضارات مختلفة وتعداد سكاني كبير. يبدو العالم البشري متطورا علميا وتكنولوجيا، لكنه في أسوأ حالاته على المستوى البيئي والإنساني والاجتماعي، وعلى صعيد التحضر والأخلاق والدين.

لكننا، وعلى بعد رمية حجر، عقب شهور قليلة من هذا التاريخ، ستكون أرضنا على موعد مع حدث كبير، حدث سيغير موازين القوى والسياسة العالمية، وسيصنع مشهدا إعلاميا جديدا. إنها حرب طوفان الأقصى التي بدأت بهجوم عسكري في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، شنته المقاومة في فلسطين، فهاجموا عددا من المستوطنات الصهيونية التي تعرف باسم مستوطنات غلاف غزة، فقتلوا وأصابوا وأسروا عددا من الجنود الصهاينة والمستوطنين، وترافق معها ضربات صاروخية لعمق الأراضي المحتلة. فردت عليهم دولة الاحتلال الإسرائيلي بحرب مروعة، وصفتها منظمات أممية بحرب إبادة عرقية هي الأعنف في التاريخ الحديث، ولم يتوقف إطلاق النار بها، رغم الاتفاقيات الموقعة، حتى اليوم.

حرب كشفت عن الوجه الحقيقي للحضارة الغربية، وكيف انحازت بشكل سافر لكيان صهيوني إجرامي.

حرب سيسجلها الباحثون والمؤرخون على كونها واحدة من الأحداث الفاصلة والتحولات الكبرى في التاريخ. ملامح حرب عالمية مكتملة الأركان، لكنها استثنائية في الشكل والتكوين. تحالف يضم سبع دول من أقوى دول العالم اقتصادا وتسليحا ونفوذا، تعهدوا فيها بتقديم الدعم الكامل لإسرائيل بالمال والسلاح والعتاد، والتعاون الأمني والاستخباراتي، والسماح بإرسال الجنود والمحاربين. يقاتلون، على الجانب الآخر، مقاومة شعبية من عدة آلاف من الجنود، ضُرب عليهم حصار خانق منذ 16 عاما، في بقعة جغرافية محدودة، ليست دولة ولا شبه دولة، بل مدينة صغيرة تبلغ مساحتها 360 كيلومترا مربعا. لا تملك جيشا، ولا أسطولا ولا قوة بحرية ولا جوية، ولا تملك طيرانا ولا مطارات ولا كليات عسكرية ولا دبابات، بل كل ما لديها جنود متطوعون، وباحثون سخروا علمهم لخدمة بلادهم، وورش تصنيع أسلحة بدائية بجهود ذاتية داخل أنفاق مظلمة تحت الأرض، تنتج أسلحة خفيفة إلى متوسطة. لكن أعظم ما يملكون هو إيمان راسخ بأن الحياة والأرواح والدماء رخيصة أمام هدف: تحرير الأرض من الاستعمار.

حرب كشفت عن الوجه الحقيقي للحضارة الغربية، وكيف انحازت بشكل سافر لكيان صهيوني إجرامي، قوامه مجموعات يهودية متفرقة تم تجميعها من الشتات، لتسطو على الأرض، وتزور التاريخ، وتمحو هوية المكان، مدعية لنفسها حقوقا كاذبة قائمة على وعود دينية مزعومة. حطمت بها كل ما توصلت إليه البشرية من قوانين دولية ومعاهدات ومواثيق في آخر قرنين من الزمان. فجأة، استيقظ العالم على مشاهد دموية مرعبة، تؤرق العقل، وتعصف بالمنطق، وتقوض الروح. محرقة نازية، ومذابح قادمة من العصور الوسطى، تجري فصولها في عصر التكنولوجيا والإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات، ويتم نقل مشاهدها المفزعة على مدار الساعة وعلى الهواء.

صدمة أجبرت جميع شعوب الأرض على إعادة التفكير في كل ما تم استيعابه عبر عقود على أنه حقائق ومفاهيم وبديهيات: العلمانية الغربية، عصر الحداثة، القانون الدولي، المنظمات الأممية، حقوق الإنسان. حرب جعلت العالم ينقسم إلى فريقين كبيرين: فريق يعلي من إنسانيته، ويرفض الظلم، ويدعم أهل غزة، وأغلبه من الشعوب في شتى بقاع الأرض، وفريق آخر يشمل أنظمة سياسية كبرى، وحكومات عميلة، وطغاة ومستبدين، دعموا القتلة وتواطؤوا مع إسرائيل. أما الحلف الذي نشأ بين أوروبا وأمريكا على دعم إسرائيل في حربها الدينية- كما وصفها بكل وضوح عضو الكونغرس الأمريكي ليندسي غراهام- ما لبث أن تهاوى على أعتاب الطمع الأمريكي في الاستيلاء على جزيرة غرينلاند التي تقع تحت حكم الدانمارك. ورأينا أعلى مسؤول سياسي في دولة كندا، رئيس الوزراء، يحدثنا عن انهيار النظام العالمي الحالي، وأننا سنشهد حتما ميلاد نظام عالمي جديد.

شهد العالم حراكا شعبيا واحتجاجات ومظاهرات رافضة للحرب على غزة، لم يشهد مثلها من قبل في التاريخ. انتفضت الجامعات في أغلب دول العالم دعما لغزة وتأييدا لفلسطين. وعلى مدار عامين كاملين، كانت الأحاديث عن حرب غزة تسيطر على الشوارع والميادين في عشرات الدول، وباتت هي الحدث الأبرز الذي تتمحور حوله كلمات المدعوين في الاحتفالات والتكريمات والمهرجانات. ورأينا لأول مرة وسائل إعلام عالمية تتجرأ على انتقاد الصهيونية وإدانة إسرائيل.

أما الهدية الكبرى التي قدمتها غزة لعالمنا البئيس، وسطرتها بدماء أبنائها الأبرار، فهي ملحمة الصبر واليقين، التي أعادت تقديم دين التوحيد على المحجة البيضاء للملايين، فشهدنا أكبر موجة عالمية من الإقبال على دين الإسلام. ورأينا مشاهير ومؤثرين ونشطاء من مختلف بلدان العالم صدموا متابعيهم بالإعلان عن اعتناقهم دين الإسلام، وكشفوا عن السبب الذي دفعهم ليصبحوا مسلمين، فكان انبهارهم بذلك الصبر الأسطوري لأهل غزة على ما لاقوه من أهوال وويلات. وازداد احتقان الشعوب العربية المسلمة في منطقتهم المنكوبة، وسقط النظام السوري المتوحش، وسقطت ورقة التوت عن أنظمة عربية عديدة خذلت أهل غزة وتواطأت عليهم مع إسرائيل. وكأن غزة أحيت النفوس، وأيقظت الضمائر، ومهدت الأرض، وأعادت كتابة التاريخ. وكأن الله قد أراد لها أن تكون عجب الذنَب الذي يحيي به كوكبنا، تلك العظمة الصغيرة في أجساد البشر، وتقع أسفل عمودهم الفقري، والتي لا تبلى بالوفاة، ولا تأكلها الأرض، بل تنتظر مشيئة الله لتنبت منها الحياة من جديد. وقد وصفها نبينا الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، في حديثه في صحيح البخاري قائلا: (ما بين النفختين أربعون، ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل. قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظما واحدا، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة). فسلام الله عليكم يا أهل غزة، كما أحييتم أرضنا، وغيرتم واقعنا، وصنعتم التاريخ.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا