آخر الأخبار

خطة كوشنر.. إعادة تدوير لـ"صفقة القرن"

شارك

د. دلال عريقات: خشية حقيقية من تمرير فصل قطاع غزة إداريًا وسياسيًا عن الضفة تحت غطاء لجان تكنوقراطية أو ترتيبات انتقالية

د. سهيل دياب: الخطة المطروحة تحت عنوان "إعمار غزة" تتقاطع مع "صفقة القرن" وتعكس جوهر المقاربة الأمريكية للقضية الفلسطينية

د. عقل صلاح: أحد أخطر أبعاد الخطة يتمثل في هندسة القطاع على الطريقة الأمريكية باقتطاع مساحات منه والإبقاء على السيطرة الإسرائيلية

د. تمارا حدّاد: خطة كوشنر وهم سياسي وفخ مالي وستؤدي إلى إعادة هيكلة قطاع غزة جغرافيًا وديموغرافيًا وترسيخ سيطرة الاحتلال

د. جمال حرفوش: طرح كوشنر وهم سياسي مغلف بخطاب اقتصادي وأي إعمار دون حل سياسي يبقى مؤقتًا فوق أرض قابلة للتدمير

د. سعيد شاهين: الخطة تعكس بوضوح تطلعات ترمب للسيطرة على القطاع والاستيلاء على ثرواته الطبيعية عبر ما يسمى "مجلس السلام"

رام الله – خاص بـ"القدس"-

تثير الطروحات التي قدّمها جاريد كوشنر مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وصهره، بشأن مستقبل قطاع غزة تحذيرات، على أنها لا تشكّل مسارًا حقيقيًا لإعادة الإعمار أو السلام، بل تمثّل إعادة إنتاج قديمة لفلسفة "السلام الاقتصادي" ضمن ما يعرف بـ"صفقة القرن" التي فشلت سابقًا.

ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أنه برغم اللغة الجذابة التي تُقدَّم بها خطة كوشنر، وما تحمله من وعود استثمارية وعمرانية، إلا أنها تتجاهل جوهر حرب الإبادة على قطاع غزة، وتغيب عنها أي مقاربة سياسية تضمن الحقوق الوطنية والسيادة الفلسطينية.

ويرى الكتاب والمختصون وأساتذة الجامعات أن الخطر الأكبر في هذه الخطة يكمن في محاولتها إعادة هندسة الواقع الفلسطيني، لا سيما عبر تمرير فصل إداري وسياسي لقطاع غزة عن الضفة الغربية، تحت عناوين لجان تكنوقراطية أو ترتيبات انتقالية قد تتحول إلى واقع دائم، مع تجاوز التمثيل السياسي الفلسطيني المعترف به، وشرعنة بدائل مصطنعة تُدار اقتصاديًا وأمنيًا، في لحظة إنهاك وطني وإنساني غير مسبوقة، ما يفتح الباب أمام حلول خطيرة بقبول حلول مجتزأة مقابل وقف العدوان أو تحسين الظروف المعيشية.

ويشيرون إلى أن خطة كوشنر تتقاطع بوضوح مع تجارب سابقة، أبرزها مؤتمر المنامة وصفقة القرن، من حيث تغليب البعد الاقتصادي على السياسي، واستخدام الإعمار كأداة نفوذ ووصاية لا كمبادرة إنسانية، كما تكشف عن فجوة عميقة بين الرؤية المثالية المعلنة والواقع الميداني في غزة، المتمثل في الدمار الواسع، واستمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية، وغياب أي ضمانات قانونية أو سياسية.

ويؤكدون أنه بذلك، تبدو الخطة محكومة بالفشل سلفًا، كونها لا تنطلق من إنهاء الاحتلال أو تطبيق الشرعية الدولية، بل تكرّس أوهام التنمية وتفتح أفخاخًا سياسية وديموغرافية قد تعمّق الأزمة بدل حلّها.

وتأتي هذه القراءة فيما كان تقرير لشبكة NBC NEWS الإخبارية الأمريكية أن خطة كوشنر غير واقعية وكأنها من عالم آخر في ظل ما يزال جزء كبير من قطاع غزة مدمراً جراء أكثر من عامين من الغارات الإسرائيلية، ويعيش سكانه غالباً في خيام، ولا تزال قوات الاحتلال تحتل نحو نصف القطاع.

وكان كوشنر كشف عن خطط لإنشاء "غزة جديدة" مليئة بأبراج شاهقة لامعة وشواطئ مكتظة بالسياح - وهي رؤية بحسب الشبكة، متفائلة تتناقض بشكل صارخ مع واقع منطقة مدمرة بعد عامين من الحرب.


محاولة إعادة هندسة الواقع الفلسطيني


تحذّر أستاذة الدبلوماسية وحلّ الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية، د. دلال عريقات، من مخاطر الطرح الذي يقدمه جاريد كوشنر مبعوث الرئيس الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية، معتبرة أن ما عُرض منذ حواره في جامعة هارفارد يتجاوز مفهوم "السلام الاقتصادي" إلى محاولة واعية لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني بعيدًا عن الشرعية السياسية الوطنية والتمثيل الفلسطيني المعترف به.

وتؤكد عريقات أن كوشنر كان "فجًّا وواضحًا" في استهدافه المباشر للسلطة الفلسطينية، إذ لا ينظر إليها كشريك سياسي، بل كـ"عائق وظيفي" يجب تجاوزه، وهو ما يمكن توصيفه بعقيدة كوشنر السياسية.


شرعنة بدائل مصطنعة


وتوضح عريقات أن انتقادات كوشنر العلنية للرئيس محمود عباس ولما سماه "الحرس القديم" لا تندرج في إطار النقد السياسي الطبيعي، بل تشكل مدخلًا لشيطنة القيادة الفلسطينية وشرعنة بدائل مصطنعة، مثل "مجالس سلام" محلية أو صيغ تكنوقراطية مرتبطة مباشرة بالخطة الاستثمارية المطروحة.

وتشير عريقات إلى أن كوشنر استخدم خطاب "فساد النخبة" لربط تمدد الاستيطان بما وصفه بـرفاهية القيادة الفلسطينية، في محاولة لضرب الأخلاق السياسية للمفاوض الفلسطيني، وتبرير تجاوز القيادة الرسمية والالتفاف عليها عبر التواصل المباشر مع القطاع الخاص أو شخصيات تكنوقراطية، بما يفرغ التمثيل السياسي الفلسطيني من مضمونه.


خطة في لحظة إنهاك غير مسبوقة


وتشدد عريقات على أن الخطر الأكبر يكمن في ما سمته "الفصل الواقعي بموافقة فلسطينية"، معتبرة أن طرح ما يُعرف بـ"غزة الجديدة" يأتي في لحظة إنهاك غير مسبوقة يعيشها الفلسطينيون، ما قد يدفع قطاعات منهم إلى القبول بأي حل مقابل وقف العدوان.

وتوضح عريقات أن الخشية الحقيقية تتمثل في تمرير فصل قطاع غزة إداريًا وسياسيًا عن الضفة الغربية تحت غطاء لجان تكنوقراطية أو ترتيبات انتقالية، مؤكدة أن التجربة التاريخية أثبتت أن الحلول المؤقتة غالبًا ما تتحول إلى واقع دائم مفروض على الأرض.


منطق المطوّر العقاري


وتشير عريقات إلى أن كوشنر يتعامل مع غزة كـ"قطعة أرض عقارية" مستقلة، مستخدمًا منطق المطوّر العقاري، مع حديث عن مشاريع استثمارية وتواصل جغرافي مع الضفة الغربية بصيغة اقتصادية بحتة، وبمشاركة القطاع الخاص، دون أي إطار سيادي أو وطني جامع.

وفيما يتعلق بالحوكمة وحقوق الملكية، تؤكد عريقات أن الطرح يتجاهل الإنسان والقانون، ولا يتطرق إلى حقوق مئات الآلاف من أصحاب الأراضي والمنازل المدمرة، ولا يوضح كيفية تنظيم السجل المدني أو حماية حقوق المواطنين في مواجهة المستثمرين الأجانب. وتشير عريقات إلى أن الخطر لا يكمن فقط في خطة كوشنر بحد ذاتها، بل في الانجرار الفلسطيني، تحت ضغط الحرب والحصار، نحو حلول تُقسّم الجغرافيا وتنهي التمثيل السياسي الموحد مقابل وعود رفاهية بلا ضمانات قانونية أو سياسية.


جوهر المقاربة الأمريكية للقضية الفلسطينية


يؤكد أستاذ العلوم السياسية د. سهيل دياب أن خطة جاريد كوشنر التي طُرحت مؤخرًا في دافوس تحت عنوان "إعمار غزة" تتقاطع بشكل واضح مع تجربة مؤتمر المنامة سنة 2019 وما عُرف حينها بـ"صفقة القرن"، مشيرًا إلى وجود ثلاثة عناصر مشتركة جوهرية بين الطرحين تعكس جوهر المقاربة الأمريكية للقضية الفلسطينية.

ويوضح دياب أن أول هذه العناصر يتمثل في الارتكاز شبه الكامل على البعد الاقتصادي، دون تقديم أي مقاربة سياسية واضحة لمستقبل الحكم في قطاع غزة، سواء تعلق الأمر بحكم ذاتي أو سيادة فلسطينية أو دولة مستقلة، مؤكدًا أن تجاهل البعد السياسي لم يكن صدفة، وهو ما يفسر الرفض الفلسطيني المتواصل لهذه الطروحات منذ صفقة القرن وحتى اليوم.

أما العنصر المشترك الثاني، بحسب دياب، فهو إعادة إنتاج نمط أمريكي تقليدي يقوم على اعتبار التنمية الاقتصادية حلًا مركزيًا للأزمات السياسية المعقدة، مع تجاهل كامل للعناصر السياسية الجوهرية للصراع، بما في ذلك جذوره التاريخية والحقوق الوطنية الفلسطينية، وهو ما يجعل هذه الخطط منفصلة عن الواقع الحقيقي للصراع.

ويشير دياب إلى أن العنصر الثالث يتمثل في الفجوة العميقة بين الرؤية "المثالية" التي تروج لها هذه الخطط وبين الواقع الميداني القائم في قطاع غزة، معتبرًا أن هذه الفجوة تشكل الحاضنة الأساسية للأوهام والأفخاخ الكامنة في مثل هذه المشاريع.


إعمار غزة لتعميق نفوذها السياسي


ورغم هذه المشتركات، يرى دياب أن خطة كوشنر في دافوس تعكس مستوى أكثر وضوحًا وخطورة مقارنة بخطة المنامة، إذ لم تعد الولايات المتحدة تكتفي بطرح إعادة الإعمار كمسار اقتصادي، بل تسعى إلى استخدام إعمار غزة كرافعة لتعميق نفوذها السياسي، وصولًا إلى ممارسة نوع من الوصاية ووضع اليد على القطاع.

ويشير دياب إلى أن ما كان غائبًا في صفقة القرن من تصور سياسي لإدارة غزة، يجري اليوم بلورته عبر الحديث عن الحوكمة والتأثير الأمريكي المباشر.

ويؤكد دياب أن مشروع دافوس لا يُطرح كمبادرة إنسانية لإعادة الإعمار بقدر ما يُستخدم كأداة للتأثير السياسي الإقليمي والدولي.


إمكانية نجاح الخطة وفق شروط


وبشأن فرص نجاح الخطة، يوضح دياب أنها ممكنة نظريًا فقط في حال توفر أربعة شروط أساسية، هي: وقف إطلاق نار دائم، وإزالة الأنقاض والألغام، وتوفير رأس مال مالي ضخم، وإقامة هيكلية مؤسساتية واضحة للحوكمة.

غير أن هذه الشروط، وفق دياب، غير متوفرة حاليًا، ولا توجد حتى بدايات جدية لتحقيقها، خاصة في ظل غياب واقع أمني مستقر تتحكم به إسرائيل، وغياب الشرعية الفلسطينية اللازمة لإشراك سكان قطاع غزة في أي مشروع من هذا النوع، وهو ما تتحمل مسؤوليته الولايات المتحدة سياسيًا.

ويؤكد دياب أن الحديث لا يدور فقط حول أوهام اقتصادية، بل عن أفخاخ سياسية مرتبطة بتوازنات القوى الإقليمية والدولية، ومرهونة بمسار الإقليم واحتمالات التصعيد، وباتجاه النظام الدولي، سواء نحو هيمنة أمريكية متجددة أو نحو عالم متعدد الأقطاب، الأمر الذي سينعكس مباشرة على كيفية التعامل مع القضية الفلسطينية عمومًا وقطاع غزة على وجه الخصوص.


طرح نظري يتعارض مع الواقع الميداني


يعتبر الكاتب والباحث السياسي وأستاذ النظم السياسية المقارنة، د. عقل صلاح، أن خطة جاريد كوشنر تجاه قطاع غزة ليست خطة عملية قابلة للتنفيذ، بل طرح نظري يتعارض جذريًا مع الواقع الميداني والسياسي والأمني القائم في القطاع، واصفًا إياها بأنها "وعود برجوازية كاذبة" تخدم أهدافًا أمريكية وإسرائيلية ولا تمت بصلة للحل الجذري للقضية الفلسطينية.

ويوضح صلاح أن الخطة ترتبط بشكل مباشر بأجندة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي ينظر إلى غزة باعتبارها مجالًا لجمع المليارات والسيطرة على ثروات الغاز قبالة سواحلها. ويشير صلاح إلى أن الخطة تُسوَّق دوليًا كخطة تشجيعية لجذب الدعم والاستثمارات، لكنها على مستوى قطاع غزة غير قابلة للنجاح، لأن القائمين عليها ينطلقون من أهداف استثمارية ومالية خاصة، منفصلة تمامًا عن واقع الاحتلال وعن متطلبات الحل السياسي العادل.


استبدال المرجعيات الدولية


ويبيّن صلاح أن جوهر الخطة يقوم على استبدال المرجعيات الدولية وقرارات الشرعية الدولية، التي تنص على إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، بمقاربة اقتصادية تهدف إلى التغطية على استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وتبييض صورته أمام المجتمع الدولي.

ويؤكد صلاح أن للخطة عدة أهداف متداخلة، من بينها هدف اقتصادي يتمثل في الاستثمار الأمريكي، وهدف سياسي يتمثل في شرعنة الاحتلال، إضافة إلى هدف آخر يتمثل في تحسين صورة إسرائيل دوليًا، وصولًا إلى هدف مرتبط بإنقاذ رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو من الملاحقة القضائية والضغط الدولي.


هندسة غزة على الطريقة الأمريكية


ويشير صلاح إلى أن أحد أخطر أبعاد الخطة يتمثل في هندسة قطاع غزة على الطريقة الأمريكية، من خلال اقتطاع مساحات واسعة منه والإبقاء على السيطرة الإسرائيلية عليها، ما يعني تحويل غزة إلى كيان منقوص السيادة، وحرمانها من مناطقها الزراعية التي كانت تشكل عنصرًا أساسيًا في تحقيق الاكتفاء الذاتي.

ويؤكد أن خطة كوشنر، القديمة المتجددة، تقوم على فرض "الحل الاقتصادي" كبديل عن الحل السياسي، وتمكين الاحتلال من الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما يشكل جوهر التآمر على تضحيات الشعب الفلسطيني، لا سيما في قطاع غزة.

ويشير صلاح إلى تجربة "خطة المنامة" سنة 2019، التي روّج لها كوشنر تحت مسمى "السلام من أجل الازدهار" بقيمة 50 مليار دولار، والتي استهدفت عمليًا إنهاء حل الدولتين، مشيرًا إلى أن تلك الخطة لم تحقق سلامًا اقتصاديًا ولا ازدهارًا ولا حلًا سياسيًا. ويؤكد صلاح أن كوشنر عاد في سنة 2026 بالمنطق ذاته، عبر طرح تحويل غزة إلى "دبي فلسطين"، في محاولة لتحويل الصراع من قضية تحرر وطني إلى قضية خدمات ورفاه اقتصادي.

ويحذر صلاح من أن الخطة الجديدة تسعى لإحلال ما يسمى "مجلس السلام"، برئاسة ترمب، محل القانون الدولي والأمم المتحدة ووكالاتها، وعلى رأسها "الأونروا"، في خطوة تهدف إلى تصفية قضية اللاجئين وحق العودة، وربط ذلك كله بصفقة القرن واتفاقيات "أبراهام"، عبر استخدام الضغط الاقتصادي والإنساني في غزة لفرض حل اقتصادي يُنهي أي أفق لحل سياسي عادل.


فلسفة "السلام الاقتصادي"


تحذّر الكاتبة والباحثة السياسية د. تمارا حدّاد من خطورة الطرح الذي يقدّمه جاريد كوشنر بشأن مستقبل قطاع غزة، معتبرة أنه لا يشكّل مشروع سلام أو إعادة إعمار بقدر ما هو إعادة إنتاج لفلسفة "السلام الاقتصادي" التي طُرحت سابقًا في مؤتمر المنامة، وأثبتت فشلها الكامل سياسيًا ووطنيًا.

وبحسب حدّاد، فإن كوشنر يعيد تسويق تجربة المنامة بلغة جديدة، تجمع بين العمران والاستثمار والتمويل، لكن من دون أي معالجة لجوهر الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، المتمثل بالاحتلال.

وتوضح حداد أن الرؤية المطروحة تتعامل مع غزة كملف استثماري وعقاري، لا كقضية تحرر وحقوق سياسية، مشيرة إلى أن تحويل القطاع إلى "صفقة عقارية" يخدم مصالح شركات وشخصيات ذات خلفية تجارية، على رأسها كوشنر وشركاؤه، ولا يستجيب لحقوق الفلسطينيين أو تطلعاتهم الوطنية.


تحييد البعد السياسي بالكامل


وتبيّن حدّاد أن أخطر ما في هذه الخطة هو تحييد البعد السياسي بالكامل، وإنهاء أي حديث عن السيادة الفلسطينية أو الحدود الجغرافية أو إنهاء الاحتلال، مقابل تقديم الاقتصاد كبديل عن الحقوق.

وتؤكد حداد أن هذا النهج كان جوهر مؤتمر المنامة، الذي لم يُنتج سلامًا، ولم يحسّن الواقع المعيشي للفلسطينيين، بل ساهم في تهميش حقوقهم السياسية وإنكار وجودهم الوطني.

وفي ما يتعلق بالواقع الميداني، توضح حدّاد أن خطة كوشنر تتجاهل حقيقة أن قطاع غزة مدمَّر على نحو شبه كامل، وأن الاحتلال يسيطر على أكثر من نصف مساحته، في ظل حصار مستمر، وغياب أي أفق سياسي حقيقي.

وتشير حداد إلى أن الحديث عن مراحل انتقالية لا يستند إلى ضمانات أمريكية أو التزامات إسرائيلية، ما يعني عمليًا تكريس مرحلة مؤقتة تتحول إلى دائمة، مع بقاء السيطرة العسكرية الإسرائيلية.


أبعاد يموغرافية بالغة الخطورة


وتلفت حدّاد إلى أن الخطة تتضمن أبعادًا ديموغرافية بالغة الخطورة، إذ تُحدِّد أعداد السكان في المدن الرئيسية للقطاع، مثل مدينة غزة ورفح وخان يونس، ما يعني عمليًا تقليص الوجود السكاني الفلسطيني وفتح الباب أمام تهجير واسع النطاق.

وتعتبر حداد أن هذا التوجّه يشكّل جوهر الخطة، الهادفة إلى تقليل الديموغرافيا الفلسطينية تحت غطاء الإعمار والاستثمار.


رفض شعبي لهياكل مفروضة


وتؤكد حداد أن الشارع الفلسطيني في غزة لا يُبدي أي رضا عن الطروحات المتعلقة بـ"مجلس السلام" أو "المجلس التنفيذي" أو "اللجنة الإدارية"، إذ يُنظر إليها على أنها هياكل فُرضت بضغط أمريكي–إسرائيلي وبدعم من أطراف إقليمية، من دون توافق أو تمثيل فلسطيني حقيقي.

وتوضح حداد أن حالة الشك والرفض الشعبي تتزايد، في ظل قناعة متنامية بأن الهدف النهائي هو التهجير، وليس إعادة الإعمار.

وتؤكد حدّاد أن ما يطرحه كوشنر ليس سوى مزيج من الوهم السياسي والفخ المالي، يقوم على جمع الأموال من المانحين، ولا سيما دول الخليج، لنقل عبء تدمير غزة من الاحتلال إلى المجتمع الدولي، فيما يبقى الفلسطينيون الضحية، محذّرة من أن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى إعادة هيكلة غزة جغرافيًا وديموغرافيًا، وترسيخ سيطرة الاحتلال، بدل إنهائه.


تجاهل جوهر الصراع


يؤكد أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل، د. جمال حرفوش، أن الموقف الذي عبّرت عنه وسيلة إعلام أمريكية بشأن عدم نجاح تجربة جاريد كوشنر في قطاع غزة، لا يمكن فهمه بمعزل عن التجربة السابقة لكوشنر في مؤتمر المنامة عام 2019، الذي شكّل الركيزة الاقتصادية لما عُرف حينها بـ"صفقة القرن".

ويوضح حرفوش أن الدلالة الأهم في الطرح الحالي تكمن في إعادة إنتاج المنهج نفسه الذي اعتمده كوشنر سابقًا، والقائم على فصل الاقتصاد عن السياسة، والتنمية عن الحقوق، والإعمار عن السيادة.

ويشير حرفوش إلى أن مؤتمر المنامة قدّم مليارات الدولارات كبديل عن إنهاء الاحتلال، وتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها أزمة معيشية قابلة للحل عبر الاستثمار، لا قضية تحرر وطني وحقوق غير قابلة للتصرف، وهو ما قاد إلى فشل سياسي وأخلاقي ورفض فلسطيني واسع، بسبب تجاهله جوهر الصراع المتمثل في الاحتلال والأرض والسيادة وحق تقرير المصير.

ويؤكد حرفوش أن الطرح الحالي لما يُسمّى "غزة الجديدة" يعكس المنطق ذاته، لكن بواجهة عمرانية مختلفة، موضحًا أنه في المنامة جرى الترويج لأموال بلا دولة، وفي غزة يجري الحديث عن أبراج بلا سيادة، وفي الحالتين هناك تغييب متعمد للفاعل الفلسطيني الحقيقي. ويعتبر حرفوش أن الخطورة تكمن في أن الطرح الجديد أكثر تجريدًا من الواقع من مؤتمر المنامة نفسه، خاصة أن غزة اليوم ليست فقط تحت الاحتلال والحصار، بل مدمّرة، ومنزوعة البنية التحتية، ومثقلة بالأنقاض والذخائر غير المنفجرة، ويعيش أهلها في ظروف إنسانية قاسية داخل خيام.


وهم سياسي مغلف بخطاب اقتصادي


ويؤكد حرفوش أن ما يُعرض اليوم يمكن توصيفه كوهم سياسي مغلف بخطاب اقتصادي جذاب، وقد يتحول إلى فخ مزدوج.

يتمثل الفخ الأول وفق حرفوش، في وهم القابلية للتنفيذ، حيث يجري الحديث عن ناتج محلي بمليارات الدولارات وموانئ ومطارات وأبراج، في تجاهل لحقائق موثقة، أبرزها وجود أكثر من 60 مليون طن من الأنقاض، والحاجة إلى سنوات لإزالة الركام وتطهير الذخائر، إضافة إلى غياب السيطرة الفلسطينية على الحدود والبحر والجو واستمرار الاحتلال في أجزاء واسعة من القطاع.

أما الفخ الثاني، بحسب حرفوش، فيكمن في التمويل بلا ضمانات سياسية، إذ يحذر حرفوش من استجلاب أموال دولية دون التزام واضح بإنهاء الاحتلال ودون ضمان السيادة الفلسطينية على الأرض والمشاريع، ما يحول المال من أداة إنقاذ إلى أداة لإدارة الأزمة.

ويشير حرفوش إلى أن أي إعمار لا يسبقه أو يوازيه حل سياسي حقيقي، يبقى إعمارًا مؤقتًا فوق أرض قابلة لإعادة التدمير.


لغة إعلامية جذابة دون مضمون سياسي


يعتبر أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الخليل د. سعيد شاهين أن الخطة التي طرحها جاريد كوشنر خلال ملتقى دافوس الأسبوع الماضي، تبدو "جميلة وطموحة" من الناحية التسويقية والإعلامية، لكنها في جوهرها تفتقر لأي مضمون سياسي حقيقي يضمن مستقبل سكان قطاع غزة وحقوقهم الوطنية، محذرًا من أنها ليست أكثر من حبر على ورق.

ويوضح شاهين أن الخطة صيغت بلغة إعلامية جذابة توحي لمن لا يعرف طبيعة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي بأن سكان غزة، الذين يواجهون حرب إبادة مستمرة بوتيرة متفاوتة، سيُكافأون بمستقبل مزدهر مليء بالفرص والأمل.


تجاهل مستقبل الفلسطينيين


إلا أن الخطة، وفق شاهين، تتجاهل بشكل كامل مستقبل الفلسطينيين السياسي، ولا تتضمن أي إشارة لحقهم في التحرر أو إنهاء التبعية للاحتلال أو حتى الوصاية الدولية، بل تحمل في تفاصيلها المخفية ما يسلبهم حقوقهم ويقضي على أي أفق وطني.

ويشير شاهين إلى أن الخطة تعكس بوضوح تطلعات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في السيطرة على قطاع غزة والاستيلاء على ثرواته الطبيعية، عبر ما يسمى "مجلس السلام"، الذي لم يلبِّ حتى الآن سوى جزء ضئيل من احتياجات قطاع غزة الإنسانية، مع الحفاظ على الهدف الأساسي للحرب، والمتمثل في إزالة أي تهديد لإسرائيل، والتحكم الأمني الكامل في تفاصيل حياة الفلسطينيين من خلال غرفة قيادة أمريكية–إسرائيلية مشتركة.

ويوضح شاهين أن إسرائيل تسعى، من خلال هذه الخطة، إلى فرض سيطرة أمنية دائمة والإبقاء على مساحات واسعة من القطاع فارغة، لضمان ما تصفه بأمن حدودها الجنوبية، تحت غطاء دولي وقرارات أممية، بينما يُروَّج للخطة على أنها مشروع إعادة إعمار.


أرباح استثمارية بغلاف الإعمار


ويبيّن شاهين أن الجانب المالي للخطة يقوم على جمع الأموال باسم الإعمار، في حين أنها عمليًا تهدف إلى جني أرباح استثمارية، خصوصًا في القطاع العقاري، تعود ملكيتها لترمب وصهره بالدرجة الأولى، لا لسكان غزة.

ويحذر شاهين من أن الخطة تستهدف إنهاء أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أو تحقيق تواصل جغرافي مع الضفة الغربية، التي يجري فيها تنفيذ مخطط موازٍ لتكريس السيطرة الإسرائيلية.

ويؤكد شاهين أن أي خطة لا تنطلق من إنهاء الاحتلال وفق الشرعية الدولية ومقرراتها تبقى عقيمة، مشددًا على أن ما يُروَّج له اليوم ليس سوى أوهام سياسية تمهّد لاستكمال السيطرة الإسرائيلية على كامل الأرض الفلسطينية وفرض أمر واقع دائم.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا أمريكا دونالد ترامب إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا