تشهد الضفة الغربية المحتلة تصعيدًا ملحوظًا في اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين ضد المدنيين الفلسطينيين، وسط تحذيرات متزايدة من منظمات حقوقية ودولية من خطورة هذه الظاهرة على حياة السكان المدنيين ومستقبل الاستقرار في المنطقة. وقد أعاد هذا التصعيد تسليط الضوء على ملف العنف الاستيطاني، في ظل اتهامات بتقاعس سلطات الاحتلال عن محاسبة المتورطين، وتزايد الانتقادات داخل الولايات المتحدة بشأن الدعم العسكري غير المشروط المقدم لإسرائيل
وفي هذا السياق، قال السيناتور الأميركي كريس فان هولن، (من ولاية ماريلاند)، في تغريدة نشرها على منصة X يوم الأربعاء، إن "المستوطنين العنيفين في الضفة الغربية يحرقون القرى الفلسطينية ويعتدون على السكان بالضرب دون محاسبة"، معتبرًا أن هذه الاعتداءات تجري "في ظل صمت من إدارة ترمب والحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو". وأضاف فان هولن أن دافعي الضرائب الأميركيين "لا ينبغي أن يمنحوا حكومة نتنياهو شيكًا مفتوحًا بقيمة ثلاثة مليارات دولار سنويًا لشراء الأسلحة"، في إشارة إلى المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل.
وتأتي تصريحات السيناتور الأميركي في وقت تؤكد فيه تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان تسجيل ارتفاع غير مسبوق في هجمات المستوطنين، شملت إحراق منازل وممتلكات، الاعتداء الجسدي على سكان القرى، وتخريب الأراضي الزراعية، خصوصًا في المناطق القريبة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية غير القانونية. وتشير هذه التقارير إلى أن كثيرًا من هذه الهجمات وقعت بحضور قوات الاحتلال أو دون تدخل فعّال لوقفها، ما يعزز اتهامات "الإفلات من العقاب".
من جانبها، قالت فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بفلسطين، في تغريدة على منصة "إكس": "دعونا نتوقف عن تسميته عنف المستوطنين. إنه إرهاب المستوطنين. هؤلاء المجرمون يجوبون الضفة الغربية دون حسيب ولا رقيب، والعالم يلتزم الصمت".
وتُعد مناطق جنوب الضفة الغربية، ولا سيما القرى الواقعة في محيط مسافر يطا، من أكثر المناطق تعرضًا للاعتداءات خلال الفترة الأخيرة. وفي هذا الإطار، أثارت حادثة الاعتداء العنيف على المواطن الفلسطيني أبو أيوب في قرية فخيت موجة واسعة من الغضب والاستنكار، بعد تداول مقاطع مصورة التقطتها كاميرات مراقبة، تظهر تعرضه لاعتداء مباشر أدى إلى إصابته بكسور خطيرة في الجمجمة، استدعت نقله إلى المستشفى وإجراء عملية جراحية طارئة. ولا يزال أبو أيوب يتلقى العلاج وسط مخاوف على وضعه الصحي.
ويرى مراقبون أن هذه الحادثة تعكس نمطًا متكررًا من العنف المنظم، يهدف إلى ترهيب السكان الفلسطينيين ودفعهم إلى مغادرة أراضيهم، ضمن سياق أوسع من التوسع الاستيطاني وتغيير الواقع الديمغرافي في الضفة الغربية. وتؤكد منظمات حقوقية أن الاعتداءات لا تقتصر على حالات فردية، بل تمثل سياسة ممنهجة تترافق مع توسع البؤر الاستيطانية وشق الطرق الالتفافية، ما يؤدي إلى تقليص المساحات المتاحة للفلسطينيين وتهديد مصادر رزقهم.
على الصعيد السياسي، أثارت تصريحات فان هولن نقاشًا متجددًا داخل الكونغرس الأميركي حول طبيعة المساعدات العسكرية لإسرائيل، وإمكانية ربطها بشروط تتعلق باحترام حقوق الإنسان. ويشير محللون إلى أن هذا الجدل يعكس انقسامًا متزايدًا داخل الساحة السياسية الأميركية، حيث بات عدد متنامٍ من المشرعين يطالب بمراجعة السياسة التقليدية الداعمة لإسرائيل دون قيود، في ضوء التقارير المتكررة عن انتهاكات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
في المقابل، تحذر منظمات دولية من أن استمرار العنف الاستيطاني دون محاسبة يهدد بتقويض أي فرص لتحقيق تسوية سياسية عادلة، ويعمق حالة عدم الاستقرار في الضفة الغربية. وتؤكد هذه الجهات أن حماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات، واحترام القانون الدولي الإنساني، تشكل عناصر أساسية لمنع مزيد من التصعيد.
ويُجمع خبراء في القانون الدولي على أن الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة يُعد غير قانوني بموجب اتفاقيات جنيف، وأن الاعتداءات على المدنيين والممتلكات قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة تستوجب المساءلة. كما يحذرون من أن غياب الإجراءات الرادعة يشجع على تكرار هذه الانتهاكات، ويزيد من معاناة السكان الفلسطينيين اليومية.
وفي ظل هذا المشهد، تبقى قضية العنف الاستيطاني في صلب الاهتمام الدولي، مع تصاعد الدعوات إلى اتخاذ خطوات عملية لوقف الاعتداءات وضمان حماية المدنيين. وتبرز تصريحات السيناتور كريس فان هولن كمؤشر على تنامي الأصوات داخل الولايات المتحدة المطالبة بإعادة النظر في السياسات القائمة، وربط الدعم السياسي والعسكري بمعايير واضحة تحترم حقوق الإنسان والقانون الدولي، في محاولة لكبح دوامة العنف المتصاعدة في الضفة الغربية المحتلة.
المصدر:
القدس