آخر الأخبار

مجلس السلام يمنح ترمب صلاحيات شبه مطلقة في غزة

شارك

ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأربعاء، أن ما يُعرف بـ"مجلس السلام" يستعد لمنح الرئيس الأميركي دونالد ترمب صلاحيات واسعة وغير مسبوقة تتعلق بمستقبل إدارة قطاع غزة، في خطوة تعكس انتقال الملف الفلسطيني من إطار التسويات الدولية التقليدية إلى صيغة جديدة تُدار فعليًا من البيت الأبيض. وبموجب خطة صاغتها المجموعة الدولية الناشئة، التي يتولى ترامب رئاستها، سيكون للرئيس الأمريكي القول الفصل في شؤون الحكم والأمن وإعادة الإعمار، وكذلك في تحديد ملامح “رفاهية” السكان في القطاع الذي أنهكته الحرب.

وعقد مجلس السلام اجتماعه التأسيسي الأول الأسبوع الماضي في منتدى دافوس الاقتصادي بسويسرا، حيث وقّعت الدول الأعضاء، ومن بينها أذربيجان وقطر، على ميثاق تأسيس المجلس، الذي يرفع شعار السعي إلى "سلام دائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات أو المهددة بها". غير أن هذا الشعار الفضفاض يخفي، بحسب مراقبين، تحوّلًا جوهريًا في طبيعة إدارة الصراعات، يقوم على تركيز السلطة بدل توزيعها، وعلى تجاوز الأطر الأممية بدل العمل من خلالها.

ورغم أن كثيرًا من تفاصيل المجلس لا تزال طيّ الكتمان، إلا أن مشروع قرار اطّلعت عليه صحيفة التايمز يكشف عن نية واضحة لمنح ترمب صلاحية ترشيح كبار المسؤولين الذين سيتولون إدارة غزة، وتحديد مهامهم، بل وحتى تعليق قراراتهم أو المصادقة عليها في "الظروف الطارئة". ويشمل هؤلاء مسؤولًا يحمل صفة "الممثل السامي لغزة"، إلى جانب قائد قوة دولية لتحقيق الاستقرار، يُفترض أن تتولى الجوانب الأمنية في القطاع.

ويحمل مشروع القرار تاريخ 22 كانون الثاني ، ولم يوقّعه ترمب بعد، ما يعني أنه لم يدخل حيّز التنفيذ رسميًا حتى الآن. إلا أن ثلاثة مسؤولين مطلعين أكدوا، شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، أن النص قيد النقاش الجدي داخل الإدارة الأميركية، مع الإشارة إلى احتمال إدخال تعديلات قبل اعتماده بصيغته النهائية.

وتبدو الوثيقة، من حيث الشكل والمضمون، شبيهة بقرارات مجلس الأمن الدولي، في ما يراه مراقبون محاولة واضحة من مجلس السلام لإضفاء شرعية شبه أممية على ترتيبات تُدار فعليًا خارج إطار الأمم المتحدة. وكانت فكرة إنشاء مجلس السلام قد طُرحت لأول مرة ضمن خطة ترمب ذات العشرين نقطة، التي أُعلن عنها في أيلول/سبتمبر الماضي، لإنهاء الحرب المستمرة منذ عامين بين إسرائيل وحماس.

وفي تشرين الثاني الماضي ، منح مجلس الأمن تفويضًا محدودًا للمجلس في سياق الجهود الأمريكية لتثبيت وقف إطلاق النار في غزة. غير أن إدارة ترامب أعلنت لاحقًا نيتها توسيع نطاق عمل المجلس ليشمل نزاعات أخرى، من دون توضيح المعايير أو الحدود الجغرافية لهذا التوسع.

ورغم انضمام عدد من الدول إلى المجلس بحماسة، امتنعت دول غربية وازنة، مثل فرنسا وبريطانيا، عن المشاركة. كما أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز رفض بلاده الانضمام، معتبرًا أن المجلس يستبعد السلطة الفلسطينية ويتحرك خارج الشرعية الدولية.

وسيتولى قادة الدول الموقّعة تشكيل مجلس السلام برئاسة ترمب، الذي يملك حتى صلاحية تعيين خليفته، إلى جانب مجلس تنفيذي أُعلن في 16 كانون الثاني/يناير عن أعضائه، ومن بينهم جاريد كوشنر وتوني بلير. كما كشف مشروع القرار للمرة الأولى عن ضم سوزي وايلز، رئيسة ديوان ترمب، ومارتن إيدلمان، المحامي العقاري المقرب من الرئيس.

ويؤكد النص أن الولايات المتحدة ستكون "الجهة المسؤولة" عن غزة، فيما يقتصر دور بقية الأطراف على الدعم، لا الشراكة. ويشمل القرار الإشراف على إعادة إعمار القطاع، بتكلفة تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات، وإنشاء "مناطق إنسانية" لتوزيع المساعدات، مع استبعاد أي أفراد أو مؤسسات يُشتبه بوجود صلات لهم مع حماس، وهو شرط يطرح إشكاليات واسعة بالنظر إلى تركيبة الجهاز المدني في غزة.

كما يحدد المشروع دور نيكولاي ملادينوف، المبعوث الأممي السابق، بوصفه أول ممثل سامٍ لغزة، مشرفًا على لجنة فلسطينية من التكنوقراط تتولى الإدارة اليومية والإشراف على الشرطة المحلية.

يعكس مشروع مجلس السلام تحوّلًا بنيويًا في مقاربة واشنطن للقضية الفلسطينية، حيث يجري استبدال مفهوم "الوساطة" التقليدية بدور الحاكم الفعلي. فالخطة لا تكتفي بإدارة مرحلة ما بعد الحرب، بل تعيد هندسة السلطة في غزة وفق رؤية أمريكية خالصة، تُقصي الفاعلين المحليين وتختزل "السلام" في الاستقرار الأمني. هنا، يصبح السلام وظيفة إدارية لا مسارًا سياسيًا قائمًا على الحقوق.

وبحسب الخبراء ، فإن استبعاد السلطة الفلسطينية والعمل خارج إطار الأمم المتحدة لا يمكن فصله عن مسار أوسع يهدف إلى إعادة تعريف الشرعية الدولية نفسها. فمجلس السلام، بصيغته الحالية، يشبه نموذج "الانتداب الحديث"، حيث تُدار الأقاليم المنكوبة باسم المساعدات وإعادة الإعمار، بينما تُفرغ مفاهيم السيادة والتمثيل من مضمونها. والسؤال الجوهري يبقى: هل تُبنى غزة جديدة، أم تُدار أزمة قديمة بأدوات أكثر تركيزا للسلطة.



القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا