قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الاثنين، إن حركة حماس لعبت دورًا مباشرًا في مساعدة إسرائيل على تحديد مكان جثة آخر رهينة إسرائيلي محتجز في قطاع غزة واستعادتها، في تصريح لافت كسر النمط التقليدي للخطاب الأميركي تجاه الحركة، وجاء محمّلًا برسائل سياسية تتجاوز الحدث الإنساني ذاته. واعتبر ترمب أن هذا التعاون، الذي وصفه بـ"النادر"، يثبت أن التواصل مع الخصوم ممكن عندما تتقاطع المصالح، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن هذه الخطوة يجب أن تُستكمل بنزع سلاح حماس بوصفه شرطًا حاسمًا لأي مستقبل لغزة.
وفي مقابلة مع موقع آكسيوس الأميركي ، قال ترمب إن حماس "عملت بجد" لتسهيل استعادة الرفات، مشيرًا إلى وجود تنسيق مباشر، أو غير مباشر، بينها وبين الجانب الإسرائيلي. وأضاف أن هذه الواقعة تشكل دليلًا عمليًا على أن الحركة قادرة على الالتزام بتفاهمات محددة عندما ترغب في ذلك، قبل أن يربط هذا السلوك بضرورة الانتقال إلى ما وصفه بـ"المرحلة التالية"، أي تفكيك البنية العسكرية للحركة. وقال ترمب بلهجة حازمة: "الآن حان وقت نزع السلاح، كما وعدوا".
وجاءت تصريحات ترمب عقب إعلان الجيش الإسرائيلي استعادة رفات الرقيب أول في الشرطة الإسرائيلية ران غفيلي، خلال عملية خاصة نُفذت في مدينة غزة استنادًا إلى معلومات استخباراتية حديثة. وبينما ركزت البيانات الإسرائيلية الرسمية على الجهد العسكري والاستخباراتي، بدت تصريحات ترمب مختلفة في نبرتها، إذ سلط الضوء بشكل غير معتاد على دور حماس في تسهيل العملية، في ما اعتبره مراقبون محاولة لإعادة صياغة المشهد السياسي المحيط بمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار.
وفي إحاطة لاحقة، عزز مسؤول أميركي رفيع المستوى رواية الرئيس ترمب، مؤكدًا أن حماس كانت "متعاونة للغاية" خلال عملية استعادة الرفات، وأنها التزمت بترتيبات جرى التفاهم عليها ضمن إطار وقف إطلاق النار. وانتقد المسؤول ما وصفه بـ"الهستيريا السياسية" التي أحاطت بملف الرهائن، معتبرًا أن التعاون الميداني، مهما كان محدودًا، أفضى إلى نتائج ملموسة لا يمكن إنكارها.
وأوضح المسؤول أن عملية الاستعادة جرت عبر "خلية تنسيق" مدعومة من الولايات المتحدة، أُنشئت مع بداية وقف إطلاق النار في تشرين الأول 2025، وضمت إسرائيل ووسطاء إقليميين، من بينهم مصر وقطر وتركيا. وقدمت إدارة ترمب هذه الآلية باعتبارها نموذجًا لـ”البراغماتية الصلبة” التي تسمح بتحقيق أهداف محددة حتى في ظل صراعات مفتوحة.
كما أشار جاريد كوشنر، صهر ترمب ومستشاره الأقدم، إلى الطابع متعدد الجنسيات لهذا التنسيق، مشيدًا بدور الولايات المتحدة وإسرائيل والدول الإقليمية، إضافة إلى ما سماه "تعاون سكان محليين في غزة"، في تسهيل إعادة جثث جميع الرهائن المتوفين. واعتبر المسؤولون الأميركيون العملية نجاحًا دبلوماسيًا ولوجستيًا، رغم التكتم على تفاصيلها.
وأقرت الإدارة الأميركية بأنها لم تكن على يقين من إمكانية استعادة جميع الرهائن، وأنها كانت مستعدة للمضي قدمًا في خطة ترمب الأوسع لغزة حتى لو بقي بعضهم في عداد المفقودين. وقال مسؤول أميركي إن النجاح الأخير جنّب الإدارة قرارات سياسية وأخلاقية شديدة الحساسية.
غير أن جوهر خطاب ترمب، وفق مسؤولين، يتمحور حول نزع سلاح حماس. فقد أكدت الإدارة مرارًا أن إعادة إعمار غزة واستقرارها مشروطان بتفكيك الجماعات المسلحة. وأشار مسؤول أميركي إلى أن الخطة الأميركية، المؤلفة من عشرين نقطة، تتضمن إمكانية منح عفو لمقاتلي حماس الذين يوافقون على نزع السلاح.
ورحبت حكومة الاحتلال الإسرائيلي بمبدأ "العفو مقابل نزع السلاح"، رغم ما أثاره من انتقادات داخلية، فيما جددت حماس رفضها العلني لأي مساس بسلاحها. ومع ذلك، يؤكد مسؤولون أميركيون أن الحركة وقّعت على تفاهمات أوسع تشمل هذا البند، محذرين من أن ترمب قد يلجأ إلى "إجراءات أخرى" في حال عدم الالتزام.
وتقول الإدارة الأميركية إنها تعمل مع إسرائيل ووسطاء إقليميين، بينهم تركيا، على برنامج منظم لنزع السلاح، بالتوازي مع ترتيبات لإعادة فتح معبر رفح، ودعم تشكيل قوة أمنية فلسطينية محلية، وتفعيل مجلس السلام الذي أطلقه ترمب مؤخرًا للإشراف على ترتيبات ما بعد الحرب.
وبحسب مصادر مطلعة، لم تكن استعادة رفات الرهينة الأخيرة بالنسبة لترمب مجرد نهاية لملف إنساني شائك، بل تحولت إلى ورقة سياسية يرى فيها دليلًا على أن الضغط يمكن أن يثمر تعاونًا، شرط أن يقود في النهاية إلى تغيير جذري في الواقع الأمني لغزة.
وتكشف تصريحات ترمب عن مقاربة أميركية جديدة تقوم على استثمار أي سلوك براغماتي من حماس لتحويله إلى مدخل سياسي أوسع، لا بوصفه اعترافًا بالحركة، بل كأداة ضغط إضافية. فالتركيز على تعاون حماس في ملف إنساني حساس يمنح واشنطن هامشًا لتبرير مطالب أكثر صرامة لاحقًا، وفي مقدمتها نزع السلاح، مع تقديم ذلك للرأي العام كمسار منطقي ومتدرج، لا كإملاء أحادي.
في المقابل، يطرح هذا الخطاب تساؤلات حول حدود البراغماتية الأميركية، وما إذا كانت واشنطن تبالغ في قراءة حادثة محدودة بوصفها مؤشرًا على استعداد حماس لتغيير استراتيجي. فالتاريخ القريب للصراع يوحي بأن التعاون التكتيكي لا يعني بالضرورة تحولًا سياسيًا عميقًا، ما يجعل رهان ترمب على نزع السلاح اختبارًا حقيقيًا لقدرة الضغط الأميركي على إعادة هندسة المشهد في غزة.
المصدر:
القدس