آخر الأخبار

مفارقة غزة: جيش لاستعادة جثة وجثامين الآلاف تحت الركام

شارك

مفارقة تكشف عن "تفاوت في قيمة الإنسان" حتى في موته في مشهد يلخص ذروة التناقض الأخلاقي والإنساني في حرب غزة، سخر الاحتلال آلياته العسكرية الضخمة على مدار يومين كاملين، مرتكبا انتهاكا صارخا لحرمة الموتى عبر نبش وتجريف أكثر من 250 قبرا في مقبرة "البطش" بحي التفاح شرقي غزة، كل هذا الدمار والاستنفار كان لهدف واحد فقط: العثور على جثمان جندي واحد، "ران غفيلي"، المفقود منذ أكتوبر 2023. هذه العملية، التي احتفت بها تل أبيب بوصفها "إنجازا غير مسبوق"، عرت في المقابل حقيقة مؤلمة ومفارقة لا يمكن تجاهلها، تطرح سؤالا مدويا: ماذا عن كرامة أكثر من 10 آلاف شهيد فلسطيني لا يزالون مدفونين تحت الأنقاض منذ شهور، دون أن يحرك العالم ساكنا لإكرامهم بدفن لائق؟

انتهاك 250 قبرا فلسطينيا.. والعالم يصمت وتحت غطاء ناري كثيف، لم تتورع قوات الاحتلال عن جرف مئات القبور التي تضم رفات شهداء وموتى فلسطينيين، في سلوك وصفه حقوقيون بأنه اعتداء سافر على الكرامة الإنسانية حتى بعد الموت. وفيما يبذل الاحتلال جهودا استخباراتية وعسكرية هائلة لاستعادة رفات قتلاها، تترك جثامين آلاف الفلسطينيين، بينهم نساء وأطفال، لتتحلل تحت ركام المباني المدمرة، في ظل عجز دولي عن فرض هدنة إنسانية تسمح بإخراجهم، إنها مفارقة تكشف عن "تفاوت في قيمة الإنسان" حتى في موته، حيث يصبح جثمان واحد أولوية قومية وعسكرية، بينما يهمل عشرات الآلاف من الضحايا على الطرف الآخر.

الموتى كأوراق مساومة سياسية لم تقف المفارقة عند حدود التنفيذ العسكري، بل كشفت التقارير عن تواطؤ سياسي داخل حكومة بنيامين نتنياهو، فرغم توفر معلومات دقيقة عن موقع جثمان "غفيلي" منذ أسابيع – وهي معلومات قدمتها المقاومة للوسطاء – إلا أن المستوى السياسي للاحتلال أخر "الضوء الأخضر" للعملية. ويشير محللون إلى أن هذا التأخير كان متعمدا لربط قضية الجثمان بمساومات سياسية أخرى، مثل عرقلة فتح معبر رفح أو التلاعب بملف صفقة التبادل، مما حول القضية من بعدها الإنساني المزعوم إلى أداة ضغط سياسي رخيصة.

وهم "الضغط العسكري" وفي الوقت الذي يحاول فيه الاحتلال تسويق هذه العملية كدليل على نجاعة "الضغط العسكري" في استعادة الأسرى، تكذب الأرقام هذا الادعاء، فالخيار العسكري لم ينقذ سوى 8 أسرى أحياء فقط منذ بداية الحرب، بينما أدى إلى مقتل 41 أسيرا إسرائيليا آخرين، بعضهم بنيران جيشهم. في المقابل، نجحت المفاوضات والوساطات في استعادة 126 أسيرا، مما يؤكد أن العمليات العسكرية، مثل نبش مقبرة التفاح، غالبا ما تكون استعراضية ومدمرة أكثر من كونها منقذة للأرواح. تبقى صورة المقبرة المجرفة في غزة شاهدا على زمن بات فيه حتى حق الموتى في الراحة الأبدية خاضعا لمعايير مزدوجة وحسابات سياسية لا ترحم.

مفارقة تكشف عن 'تفاوت في قيمة الإنسان' حتى في موته.

شهادات من قلب المأساة أحمد المصري (50 عاما) من سكان حي التفاح يقول بكلمات من الوجع، "جئت لأتفقد قبر أخي وأطفالي.. لم أستطع حتى الاقتراب، كل شيء مدمر ورماد، لا أصدق كيف يمكن أن يكون هناك جهد هائل للعثور على جثة جندي، بينما أقاربنا وذوونا تحت الركام، رأيت القبور محطمة وكأن الموت لم يعد يحترم نفسه.. كل ذكرى ممحوة، هذا شعور لا يوصف، ألم وحزن وغضب في الوقت ذاته، أين كرامة الميت؟".

ويضيف بعد تنهيدة تصف حجم القهر، "أبنائي مدفونون بمقبرة البطش شرق مدينة غزة، وجدت قبورهم محفورة ومهدمة بالكامل، شعرت بالعجز والخذلان، العالم يشاهد ويصمت بينما أرواحنا تعامل وكأنها لا شيء، كيف يمكن أن يخصص جيش كامل لجثة واحدة ويترك آلاف الموتى بلا أي احترام؟ أصوات القصف والغبار تذكرنا أن الموت في غزة ليس له حدود".

أما الوجع لا يختلف كثيرا عن المواطنة ميسون إبراهيم، تعبر: "والدتي كانت مدفونة في مقبرة البطش منذ سنوات، وتفاجئنا أن قبرها مدمرا بالكامل ولم نجد أي أثر، كأن الذاكرة نفسها قد محيت، أشعر بغصة لا تفارق قلبي، ففقدانها أصبح أثقل وسط هذا الدمار".

"النبش والجرافات والدمار جعلوني أشعر بالعجز التام، كأن حياتنا كلها تعامل وكأنها لا شيء، فالموتى يحتاجون للكرامة حتى بعد رحيلهم".

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا