كشفت صحيفة نيويورك تايمز، استنادًا إلى وثائق حكومية داخلية رُفع عنها السرّية بأمر قضائي يوم الجمعة، أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وافق شخصيًا، العام الماضي، على قرارات ترحيل خمسة طلاب وناشطين أجانب، على خلفية مشاركتهم في احتجاجات جامعية مؤيدة للفلسطينيين وكتاباتهم المنتقدة للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. وتفتح هذه الوثائق نافذة نادرة على الكيفية التي تعاملت بها إدارة الرئيس دونالد ترامب مع حرية التعبير في الجامعات الأميركية، عندما تقاطعت مع السياسة الخارجية والانحياز لإسرائيل.
الوثائق، التي تمتد على مئات الصفحات، كُشفت بعد أن وافق القاضي الفيدرالي ويليام جي. يونغ، المعيّن من الرئيس الأسبق رونالد ريغان، على طلب تقدّمت به نيويورك تايمز ومؤسسات إعلامية أخرى، معتبرًا أن نشرها يخدم المصلحة العامة. وكانت الحكومة قد طالبت سابقًا بختم هذه الملفات بدعوى احتوائها على تفاصيل تتعلق بتحقيقات فيدرالية حساسة.
وتتعلق القضية بخمسة طلاب أجانب هم: محمود خليل (فلسطيني)، ورُمَيْسَة أوزتورك (تركية)، ومُحسن مهداوي (فلسطيني)، وبدر خان سوري (هندي)، ويونسو تشونغ (صينية). جميعهم كانوا يقيمون في الولايات المتحدة بشكل قانوني، وبرزوا في احتجاجات جامعية منددة بالعدوان الإسرائيلي على غزة. ومع ذلك، جرى توقيفهم في ربيع العام الماضي، وواجهوا تهديدًا مباشرًا بالترحيل.
وتبيّن الوثائق أن وزارة الأمن الداخلي رفعت مذكرات رسمية إلى وزارة الخارجية توصي بترحيل الطلاب الخمسة، مستندة في معظمها إلى نشاطهم الاحتجاجي وكتاباتهم العلنية. وتُظهر المذكرات أن الإدارة اعتبرت هذه الأنشطة، في سياقها السياسي، تعبيرًا عن "دعم للإرهاب" أو "خطاب معادٍ للسامية"، رغم الإقرار الداخلي بأن هذه التوصيفات قد لا تصمد أمام التدقيق القضائي.
وفي واحدة من أكثر النقاط دلالة، حذّرت مذكرة خاصة بحالة محسن مهداوي، وهو طالب جامعي في جامعة كولومبيا وحاصل على بطاقة الإقامة الدائمة (الغرين كارد)، من أن القضاء قد يرى في أفعاله تعبيرًا محميًا بموجب التعديل الأول للدستور الأميركي. وجاء في المذكرة أن "المحاكم على الأرجح ستدقق بشدة في الأساس القانوني لهذا القرار".
وخلص القاضي يونغ، الذي اطّلع على الوثائق واستمع إلى إفادات الشهود خلال محاكمة عُقدت في ماساتشوستس في يتموز الماضي، إلى أن إدارة ترمب استهدفت الطلاب بصورة غير قانونية بسبب آرائهم السياسية. واعتبر أن ما جرى يشكّل انتهاكًا صريحًا لحرية التعبير، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بمعارضة سياسات الحكومة الإسرائيلية وعملياتها العسكرية في غزة.
وفي حكم لافت اللهجة، وصف القاضي سلوك وزير الخارجية ماركو روبيو ووزيرة الأمن الداخلي كريستي نوم بأنه "مؤامرة غير دستورية" تهدف إلى "اصطياد" عدد محدود من الطلاب، لإرسال رسالة ترهيب إلى آلاف الباحثين والأكاديميين غير الأميركيين. وقال من على منصة المحكمة: "هؤلاء الوزراء أخفقوا في واجبهم الدستوري في حماية حرية التعبير".
من جهتها، دافعت وزارة الخارجية عن قراراتها، معتبرة أن ما قام به روبيو يندرج في إطار حماية الأمن القومي. وأكد متحدث باسم الوزارة أن "التأشيرة امتياز وليست حقًا"، وأن الولايات المتحدة لن تسمح، بحسب تعبيره، بإيواء من يشتبه بدعمهم للإرهاب.
غير أن الوثائق تكشف تناقضًا صارخًا في الموقف الحكومي، إذ أقرّ مسؤولو الأمن الداخلي بأنهم لم يجدوا، في معظم الحالات، أي أساس قانوني واضح للترحيل، باستثناء الاستناد إلى قانون نادر الاستخدام يعود إلى عام 1952، يمنح وزير الخارجية صلاحية اعتبار الأجانب قابلين للترحيل لأسباب تتعلق بالسياسة الخارجية. وأكدت المذكرات صراحة أن الوكالة "لم تحدد أي أساس آخر للإبعاد"، بما في ذلك تهم الدعم المادي لمنظمات مصنفة إرهابية.
وفي حالة الباحثة رميسة أوزتورك من جامعة تافتس، أقرّ المحققون بعدم وجود أي دليل على تورطها في نشاط معادٍ للسامية أو داعم للإرهاب. ومع ذلك، أوصوا بإلغاء تأشيرتها استنادًا إلى "مجمل الظروف"، التي تمحورت في الواقع حول مقال رأي كتبته في صحيفة طلابية دعت فيه إلى مقاطعة الاستثمارات المرتبطة بإسرائيل.
أما الملفات الخاصة بمحمود خليل ويونسو تشونغ، وكلاهما من جامعة كولومبيا، فركّزت على مشاركتهما في احتجاجات وُزّعت خلالها منشورات تتضمن عبارات منسوبة إلى حركة حماس، من دون أي دليل على أنهما كانا مسؤولين عن إعدادها أو توزيعها.
وتكشف الوثائق أيضًا أن فريقًا خاصًا داخل جهاز الهجرة والجمارك، عُرف باسم "فريق النمر"، راجع ملفات أكثر من خمسة آلاف طالب مرتبطين باحتجاجات مؤيدة لفلسطين، مستعينًا بمعلومات من مواقع إلكترونية مثل "كاناري ميشن" و"بيتار يو إس"، وهما وكالتين إسرائيليتين معروفتين بملاحقة، ونشر بيانات شخصية عن ناشطين مؤيدين للقضية الفلسطينية.
وفي ختام القضية، أصدر القاضي يونغ قرارًا يسمح بالطعن الفوري في أي محاولة مستقبلية لترحيل أعضاء المنظمات الأكاديمية التي رفعت الدعوى، واضعًا عبئًا قانونيًا على الحكومة لإثبات أن إجراءاتها لا تنطوي على انتقام بسبب الرأي أو النشاط الأكاديمي.
وبذلك، لا تكشف هذه القضية فقط عن استهداف طلاب بعينهم، بل تضع إدارة ترمب أمام اتهام أوسع: استخدام أدوات الهجرة والأمن القومي لقمع حرية التعبير، حين تتعارض مع الخط السياسي الرسمي للولايات المتحدة تجاه إسرائيل، في سابقة خطيرة تهدد جوهر الحريات الأكاديمية في الجامع.
المصدر:
القدس