د. عمر رحال: نتنياهو سيستخدم تسهيل دخول اللجنة بنداً إضافياً على الطاولة كورقة مساومة ضمن سياسة جعل التفاصيل ملفات تفاوض
جهاد حرب: وجود لجنة التكنوقراط في غزة وبدء عملها فعلياً سيفتحان الباب أمام تنفيذ المرحلة الثانية وهو أمر لا يريده نتنياهو
نزار نزال: منع اللجنة لعدم انسجامها مع الشروط الإسرائيلية وعلى رأسها نزع السلاح وإنهاء وجود "حماس" تنظيمياً وسياسياً وإدارياً
فراس ياغي: إسرائيل تسعى إلى توجيه رسالة بأن كل ما يجري في القطاع يخضع للتوافق الأمريكي الإسرائيلي وأنها المتحكمة بالمشهد
نعمان توفيق العابد: منع لجنة التكنوقراط من دخول غزة يعكس بوضوح عدم رغبة حكومة نتنياهو في الانتقال إلى المرحلة الثانية
رام الله – خاص بـ"القدس"-
يأتي منع دخول اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة "لجنة التكنوقراط" إلى القطاع، كما يؤكد محللون سياسيون، في سياق تصعيدٍ سياسيّ إسرائيليّ يتجاوز البعد الإجرائي أو الأمني، ليعكس سياسة ممنهجة تهدف إلى إبقاء مفاتيح الحركة والعمل داخل القطاع بيد الاحتلال، وفي محاولة لتعطيل بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
ويشير الكتاب والمحللون والمختصون إلى أن الاحتلال يوظف ملف دخول اللجنة كورقة ضغط ومساومة، عبر ربطه بملفات تفاوضية أوسع، تشمل المرحلة الثانية، ووقف الحرب، وفتح المعابر، لا سيما معبر رفح، ويعكس هذا النهج رغبة إسرائيلية في تعطيل أي إدارة فلسطينية، حتى وإن كانت تكنوقراطية الطابع، خشية أن يؤدي عملها إلى تثبيت واقع سياسي وإنساني جديد في القطاع.
سياسة إسرائيلية ممنهجة
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي د. عمر رحال أن منع إسرائيل لجنة التكنوقراط من دخول قطاع غزة لا يُعد خطوة جديدة في سلوك الاحتلال، بل يندرج ضمن سياسة إسرائيلية ممنهجة تقوم على التحكم بالحركة والتنقل وعرقلة أي مسار قد يفضي إلى تغييرات سياسية أو ميدانية حقيقية.
ويبيّن رحال أن هذا المنع يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها بأن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو هو صاحب القرار النهائي، وهو من يمنح أو يمنع التصاريح، سواء للجنة التكنوقراط أو لغيرها، باعتباره المتحكم بكل التفاصيل.
أداة ضغط وعرقلة لعمل اللجنة
ويعتبر رحال أن هذه الخطوة ليست مجرد إجراء أمني، وإنما أداة ضغط وعرقلة لعمل اللجنة، ورسالة موجهة إلى جميع الأطراف المعنية، مفادها أن أي تقدم في المراحل اللاحقة، سواء على صعيد الإعمار أو الواقع الميداني في غزة، سيبقى مرهوناً بالإرادة الإسرائيلية.
ويلفت رحال إلى أن تشكيل اللجنة بحد ذاته لا يعني بالضرورة قدرتها على العمل، إذ إن دخولها إلى غزة قد يخضع لسلسلة جديدة من المفاوضات والمماطلة والاشتراطات الإسرائيلية.
الاتفاقيات مع إسرائيل تفتقر لمرجعية دولية
وعلى الصعيد الداخلي الإسرائيلي، يرى رحال أن هذه السياسة تمثل أيضاً رسالة موجهة إلى شركاء نتنياهو في الائتلاف الحكومي الحالي أو المستقبلي، مفادها بأنه الضامن لبقاء الأمور على حالها، وعدم السماح بنجاح أعمال اللجنة أو انتقال الوضع إلى مراحل متقدمة تتعلق بالإعمار أو الاطلاع المباشر على حجم الدمار في القطاع.
ويؤكد أن الاحتلال لا يحترم الاتفاقيات ولا يلتزم بمواعيد أو مواثيق، لغياب أدوات وآليات ضغط حقيقية تجبره على الالتزام، لافتاً إلى أن الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل تفتقر لمرجعية دولية ملزمة، ما يتيح للاحتلال تفسيرها وتنفيذها بما يخدم مصالحه فقط.
ويتطرق رحال إلى ما تداولته وسائل إعلام حول تعرض رئيس لجنة التكنوقراط د. علي شعث لتأخير دام نحو سبع ساعات جسر الكرامة قبل السماح له بالمغادرة نحو الأردن ثم إلى مصر، معتبراً أن هذه الحادثة تعكس طبيعة الإهانة والابتزاز السياسي.
ويرى رحال أنه كان يجب على د. علي شعث إعلان استقالته إثر تلك الحادثة ووضع الأطراف الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أمام مسؤولياتها للضغط على إسرائيل لاحترام الاتفاقات.
دخول اللجنة في نهاية المطاف
ويتوقع رحال أن تدخل اللجنة إلى غزة في نهاية المطاف، لكن بعد مماطلة إسرائيلية وفرض شروط صارمة، تشمل التحكم في مواعيد الدخول والخروج، وتحديد المناطق المسموح للجنة بزيارتها، ما سيمنعها من الاطلاع الشامل على حجم الدمار في القطاع.
ويشير رحال إلى أن أي تحرك للجنة سيبقى خاضعاً للتعليمات الإسرائيلية، مع احتمال تدخلات دولية لاحقاً لتسهيل الدخول والخروج، لكن دون ضمان حرية حركة حقيقية.
المرحلة الثانية التي لا يريدها نتنياهو
يؤكد الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب أن منع إسرائيل لجنة التكنوقراط من دخول قطاع غزة يندرج في إطار محاولاتها الواضحة لعرقلة الانتقال إلى المرحلة الثانية من التفاهمات، لما تحمله هذه المرحلة من استحقاقات سياسية وميدانية من شأنها تقويض ذرائع الاحتلال للاستمرار في الحرب والسيطرة العسكرية. ويوضح حرب أن وجود لجنة التكنوقراط في غزة وبدء عملها فعلياً سيفتح الباب أمام تنفيذ المرحلة الثانية، ولا سيما ما يتعلق بإدخال مساعدات أوسع تحت إشراف جهة مستقلة، بما ينهي الذرائع الإسرائيلية المتكررة بشأن استيلاء حركة حماس على المساعدات، وبدء المرحلة الثانية لا يريده رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.
ويبيّن حرب أن المرحلة الثانية تتجاوز مسألة المساعدات الإنسانية، لتشمل وقف الحرب بشكل كامل، رغم احتمالية استمرار خروقات إسرائيلية محدودة عبر اغتيالات أو عمليات عسكرية متفرقة.
ويلفت إلى أن هذه المرحلة تتضمن التحضير لمسألتين أساسيتين، الأولى تتعلق بتشكيل قوة استقرار دولية ودخولها إلى القطاع، والثانية البدء بعملية نزع سلاح حركة حماس، وهو ما من شأنه تجريد إسرائيل من مبرراتها للبقاء العسكري في قطاع غزة أو في ما يُعرف بالمنطقة الصفراء، إضافة إلى وقف العمليات العسكرية بحق المواطنين الفلسطينيين.
ويوضح حرب أن فتح معبر رفح يُعد من النتائج الجوهرية للمرحلة الثانية، إذ سيُحدث تحولاً نوعياً في آلية إدخال المساعدات إلى قطاع غزة، ويكسر حالة التحكم الإسرائيلي شبه الكامل بالمعابر، الأمر الذي ينعكس على الوضع الإنساني والاقتصادي في القطاع.
الإبقاء على حالة المراوحة
وحول السيناريوهات المحتملة، يشير حرب إلى أن السيناريو الأول، وهو الأسوأ، يتمثل في عدم الانتقال إلى المرحلة الثانية، والإبقاء على حالة المراوحة، بحيث لا تتمكن لجنة التكنوقراط من استلام مهامها فعلياً، مع استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في المناطق الشرقية لفترة أطول.
ويعتبر حرب أن هذا الخيار يخدم رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو سياسياً وانتخابياً، في ظل توجهه نحو انتخابات مع نهاية العام الجاري، وسعيه لتوظيف الحرب ضمن معركته السياسية الداخلية، والبقاء حتى نهاية دورة الكنيست الحالية مع ائتلاف يميني متطرف.
أما السيناريو الثاني، وفق حرب، فيقوم على السماح بدخول لجنة التكنوقراط وبدء عملها، ما يفتح المجال لإدارة شؤون قطاع غزة وحوكمة الحكم فيه، ويؤدي إلى تصاعد المطالبات الدولية بإطلاق عملية إعادة الإعمار، بالتوازي مع نزع السلاح وانسحاب إسرائيلي متدرج من المنطقة الصفراء.
ويشير حرب إلى سيناريو ثالث أقل ترجيحاً، يتمثل في تنفيذ مخطط لإعادة الإعمار في المناطق الشرقية فقط، وفق تصورات أمريكية – إسرائيلية سابقة، تقوم على عزل السكان الفلسطينيين أو إدارة حماس في المناطق الغربية، معتبراً أن هذا الاحتمال بات ضعيفاً في ضوء المؤشرات الحالية، وعلى رأسها تشكيل لجنة التكنوقراط والمجلس التنفيذي لإدارة قطاع غزة وبدء تشكيل مجلس السلام بقيادة أمريكية.
رسائل متعددة
يوضح الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي وقضايا الصراع نزار نزال أن منع الاحتلال الإسرائيلي اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة "لجنة التكنوقراط" لا يمكن فهمه بوصفه إجراءً تقنياً أو أمنياً، بل يأتي في سياق سياسي واضح يحمل رسائل متعددة تعكس الرؤية الإسرائيلية لمستقبل القطاع وطبيعة السيطرة المفروضة عليه.
ويشير نزال إلى أن الرسالة الأولى التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها تتمثل في نزع الشرعية عن أي إدارة فلسطينية لا تخضع لشروطها المسبقة، لافتاً إلى أن إسرائيل تريد تأكيد مقولة مفادها أنه "لا سلطة في غزة دون موافقة إسرائيلية كاملة".
ويرى أن رفض السماح بدخول اللجنة إلى قطاع غزة، رغم طابعها التكنوقراطي، يعود إلى عدم انسجامها مع الشروط الإسرائيلية، وعلى رأسها نزع سلاح حركة حماس والمقاومة الفلسطينية نزعاً فعلياً، والعمل ضمن مظلة أمنية إسرائيلية، وإنهاء وجود حماس تنظيمياً وسياسياً وإدارياً داخل القطاع.
ويبيّن نزال أن الرسالة الثانية تتعلق بإفشال "الإدارة الرمادية"، حيث تمثل لجنة التكنوقراط حلاً وسطاً لا يخضع لحماس ولا للسلطة الوطنية الفلسطينية، وهو نموذج ترفضه إسرائيل لأنه يبقي غزة فلسطينية الهوية، ويمنع فرض ترتيب أمني طويل الأمد.
ويعتبر نزال أن إسرائيل من خلال هذا المنع ترسل رسالة مفادها بأن الخيارات المطروحة محصورة بين نموذج إسرائيلي كامل أو فراغ يتم التحكم به بالقوة.
ويشير إلى أن الرسالة الثالثة موجهة للوسطاء الدوليين والإقليميين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة ومصر وقطر، حيث تسعى إسرائيل إلى رفع سقف شروطها والضغط على واشنطن لفرض ترتيبات تتناغم مع الرؤية الإسرائيلية.
أما الرسالة الرابعة، بحسب نزال، فتتمثل في منع تكريس أي مرجعية فلسطينية في غزة حتى لو كانت بلا لون أو برنامج سياسي، في حين تستهدف الرسالة الخامسة الداخل الإسرائيلي، عبر التأكيد على سياسة "لا تنازلات، ولا إدارة فلسطينية، ولا عودة لتجارب الماضي".
إمكانية الاكتفاء بإدارة إغاثية محدودة
وحول السيناريوهات المتوقعة، يرجّح نزال سيناريو استمرار المنع مع إدارة الأمر الواقع، بما يعني غياب لجنة التكنوقراط والسلطة، والاكتفاء بإدارة إغاثية محدودة وسيطرة أمنية غير معلنة، محذراً من أن هذا المسار سيؤدي إلى استنزاف طويل وانفجار محتمل يعيد القطاع إلى مربع الحرب.
ويتحدث عن سيناريو ثانٍ يقوم على تعديل اللجنة وفق شروط إسرائيلية صارمة، ما يحولها إلى لجنة شكلية خدمية بلا صلاحيات سيادية، مع فشل متوقع على المدى المتوسط. أما السيناريو الثالث وفق نزال، فيتمثل بفرض إدارة أو وصاية دولية أمنية انتقالية، وهو سيناريو يحمل مخاطر الرفض الشعبي والصدام الميداني وإعادة إنتاج الفوضى.
رمزية معبر رفح وفك الحصار
تعتقد الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن منع دخول أعضاء لجنة التكنوقراط إلى قطاع غزة لا يرتبط بملاحظات إسرائيلية على آلية عمل اللجنة أو على تركيبتها وشخصياتها، وإنما يتصل بشكل أساسي برمزية فتح معبر رفح وفك الحصار عن القطاع.
وتوضح أن جميع أعضاء اللجنة حصلوا مسبقاً على موافقات أمنية إسرائيلية قبل الإعلان الرسمي عن تشكيلها، مؤكدة أنه لا يمكن للإدارة الأمريكية الإعلان عن اللجنة دون تنسيق مسبق مع إسرائيل.
وتبيّن عودة أنه حتى الآن لم تصدر أي اعتراضات إسرائيلية رسمية تتعلق باللجنة، ما يعزز فرضية أن سبب المنع لوجيستي بالدرجة الأولى، ويتمثل في آلية الدخول إلى غزة عبر معبر رفح.
وتشير عودة إلى أن إسرائيل ما زالت تعترض على فتح المعبر في الاتجاهين، تحت ذريعة عدم استلام الجثة الأخيرة، مشيرة إلى أن الاحتلال يرفض فتح المعبر استثنائياً أمام أعضاء اللجنة، خشية أن يتحول ذلك إلى ضغط سياسي وإنساني يفرض استمرار فتحه أمام سكان قطاع غزة.
وحول السيناريوهات المحتملة، تتوقع عودة في السيناريو الأول أن يتم التوصل إلى حل لمشكلة معبر رفح، بما يتيح السماح لأعضاء اللجنة بدخول غزة وبدء عملهم من داخل القطاع، بالتنسيق مع حركة حماس.
وتشير عودة إلى أن عمل اللجنة في هذه الحالة سيقتصر على الملفات الإنسانية والإغاثية دون الجوانب الأمنية، مع محاولة استيعاب موظفي حكومة حماس ضمن إدارة اللجنة.
استمرار استهداف عناصر "حماس"
وترجّح عودة استمرار الاستهداف الإسرائيلي لعناصر حماس، في إطار سياسة استنزاف تدريجي، مقابل بقاء حماس مسؤولة عن إدارة الوضع الأمني مؤقتاً، إلى حين موافقة دول عربية وأجنبية على إرسال قوات للإشراف الأمني بالتنسيق مع لجنة التكنوقراط، مع سعي حماس للحفاظ على وضع سياسي وعسكري مشابه لنموذج حزب الله في لبنان في حال توقفت العمليات الإسرائيلية ضدها.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل –بحسب عودة– في استمرار إغلاق معبر رفح، وبقاء عمل لجنة التكنوقراط عن بُعد من مصر، مع تفويض مهامها لنواب عنها داخل غزة ينسقون مع حماس لإعادة هيكلة القطاع الحكومي.
وتحذّر عودة من أن هذا السيناريو قد يترافق مع إعلان إسرائيلي عن نية نزع سلاح "حماس" بالقوة في حال رفضت ذلك طوعاً، ما قد يؤدي إلى عودة الحرب على قطاع غزة، ولو بشكل جزئي.
قبول مبدئي بشروط
يوضح الكاتب والمحلل السياسي فراس ياغي أن تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة "لجنة التكنوقراط" جاء بعد مخاض طويل وحصل مسبقاً على موافقات من الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يعني أنها حظيت منذ البداية بقبول مبدئي، لكن هذه الموافقة لم تكن مطلقة، بل ارتبطت بشروط سياسية وأمنية أوسع تتعلق بالمرحلة الثانية من الخطة الأمريكية.
ويبيّن أن التفاهمات التي جرت بين رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترمب حول أطر المرحلة الثانية، أكدت أن ما تم حتى الآن يندرج في إطار إجراءات شكلية لا تمس القضايا الجوهرية.
ويشير ياغي إلى أن أي خطوات عملية داخل قطاع غزة، بما في ذلك بدء عمل اللجنة الوطنية، تتطلب اتفاقاً جديداً ومباشراً بين واشنطن وتل أبيب، مؤكداً أن تشكيل اللجنة لا يعني عملياً الشروع في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترمب.
رسالة من إسرائيل بتحكمها بالقطاع
ويوضح ياغي أن إسرائيل تسعى من خلال منع اللجنة دخول غزة إلى توجيه رسالة واضحة مفادها أن كل ما يجري في القطاع يخضع للتوافق الأمريكي–الإسرائيلي، وأنها الجهة المتحكمة بالمشهد ميدانياً وسياسياً.
ويستشهد برفض الاحتلال فتح معبر رفح إلا بشروط، أبرزها العثور على جثة الأسير الإسرائيلي راني غويلي، إضافة إلى شروط أمنية تتعلق بآليات التفتيش وأعداد الداخلين والخارجين عبر المعبر بحيث يكون عدد المغادرين أكبر من القادمين.
ويوضح ياغي أن إسرائيل طرحت مقترحات تشمل إنشاء نقطة مراقبة إلكترونية بين الجانب الفلسطيني والمصري من معبر رفح للمراقبة عن بعد، وفتح مسلك إضافي بعد الجانب الفلسطيني من المعبر يخضع لإشرافها المباشر، إلى جانب اشتراط أن يكون عدد المغادرين من غزة أكبر من عدد القادمين إليها.
ويعتبر ياغي أن هذه الشروط تعكس إصرار الاحتلال على تكريس سيطرته الكاملة، وإبقاء لجنة التكنوقراط في إطار لجنة خدمية إدارية بلا صلاحيات فعلية.
إطالة أمد الأزمة وتهيئة التهجير
ويؤكد ياغي أن المماطلة الإسرائيلية في الانتقال إلى المرحلة الثانية تهدف إلى إطالة أمد الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، وتهيئة الأرضية لسيناريو التهجير.
ويلفت إلى أن إسرائيل ما زالت تتحدث عن خطط عسكرية محتملة، في حال لم يتم نزع سلاح حركة حماس خلال فترة زمنية محددة، وفق ما يتم تداوله حول "مجلس السلام" الذي يُتوقع أن يعلنه ترمب.
وحول السيناريوهات المحتملة، يشدد ياغي على أن مستقبل غزة بات مرتبطاً بالرؤية الأمريكية للمنطقة ككل، التي تتقاطع مع الرؤية الإسرائيلية في مسألة نزع السلاح وإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا.
ويشير ياغي إلى تصريحات ترمب التي تحدث فيها عن رغبة أعداد كبيرة من سكان غزة بمغادرتها، معتبراً ذلك جزءاً من مشروع سياسي أوسع يستهدف خلق كيان فلسطيني جديد بلا سيادة، وقيادة فلسطينية لا ترتبط لا بحركة حماس ولا بالسلطة الفلسطينية، في إطار ما وصفه نتنياهو بـ"نزع التطرف"، وهو ما يجعل التهجير السيناريو الأكثر حضوراً في المرحلة المقبلة.
غياب النية الحقيقية لتنفيذ الالتزامات
يؤكد الكاتب والباحث السياسي والمختص في العلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم تكن في أي مرحلة معنية بوقف العدوان على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ولا بإنهاء الحرب أو التخلي عن مخططات إعادة الاحتلال والاستيطان، وأفكار التهجير والتطهير العرقي وتصفية القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن أي مسار يقود إلى وقف إطلاق النار يتعارض جوهرياً مع عقيدة هذه الحكومة وأهدافها السياسية.
ويوضح أن هذا الموقف يفسر محاولات نتنياهو المستمرة لعرقلة أي تحرك سياسي أو ميداني يؤدي إلى إنهاء العدوان، مشيراً إلى أن عدم التزام الاحتلال بتطبيق المرحلة الأولى من الاتفاق، رغم كونها المرحلة الأسهل من حيث إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين وجثثهم، يعكس غياب النية الحقيقية لدى الحكومة الإسرائيلية لتنفيذ التزاماتها كما نصت عليها الاتفاقات.
ويبيّن العابد أن المرحلة الثانية من الاتفاق تحمل التزامات تتناقض كلياً مع نهج حكومة نتنياهو، وفي مقدمتها الانسحاب من قطاع غزة من الخط الأصفر إلى الخط الأحمر، وهو ما ترفضه الحكومة الإسرائيلية، إضافة إلى تثبيت الشعب الفلسطيني في أرضه عبر التصدي لمخططات التهجير، وإطلاق مسار إعادة الإعمار والانتعاش الاقتصادي من خلال مؤتمرات المانحين، فضلاً عن دور لجنة التكنوقراط الفلسطينية، التي يرى الاحتلال أنها تتعارض مع أهدافه.
رفض أي شكل من الحكم الفلسطيني
ويشير العابد إلى أن حكومة نتنياهو لا تريد أي شكل من أشكال الحكم الفلسطيني في غزة، بغض النظر عن الجهة التي تتولى الإدارة، موضحاً أن معارضتها لا تقتصر على حركة حماس أو السلطة الوطنية الفلسطينية، بل تمتد إلى رفض مبدئي لأي سيادة أو إدارة فلسطينية على القطاع.
ويؤكد أن التدخل الدولي، سواء عبر دعم أو الإشراف على لجنة التكنوقراط، أو من خلال المجلس التنفيذي الوسيط، أو حتى عبر وجود قوات دولية، يُعد من وجهة نظر حكومة نتنياهو تهديداً لنهجها القائم على الانفراد بالقرار الفلسطيني، والسعي لفرض رؤيتها عبر الإدارة الأمريكية.
ويحذر العابد من وجود خشية فلسطينية وعربية من أن تتحول بعض الأطر المطروحة، وعلى رأسها مجلس السلام، إلى بديل عن الهيئات الدولية، بما قد يضر بالقضية الفلسطينية.
مرحلة جديدة من المماطلة
ويؤكد العابد أن منع لجنة التكنوقراط الفلسطينية من دخول غزة يعكس بوضوح عدم رغبة حكومة نتنياهو في الانتقال إلى المرحلة الثانية، وعدم التزامها بتطبيق مخرجات قمة شرم الشيخ، محذراً من أن ذلك سيقود إلى مرحلة جديدة من المماطلة والتسويف، وتعطيل الاستحقاقات اللاحقة.
ويربط العابد هذا السلوك بالأزمة السياسية الداخلية التي يعيشها نتنياهو، وسعيه لاستخدام التشدد تجاه القضية الفلسطينية كأداة دعاية انتخابية مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.
ويشير العابد إلى أن السيناريو الأرجح في المرحلة المقبلة يتمثل بمحاولة حكومة نتنياهو إبقاء الوضع في غزة على ما هو عليه، ومواصلة السيطرة والتقسيم، إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، ما لم يطرأ ضغط دولي حقيقي، ولا سيما من الإدارة الأمريكية والوسطاء والضامنين العرب والدول الفاعلة، لفرض تنفيذ الاتفاقات كما تم التوافق عليها.
المصدر:
القدس