من المنتظر أن يستضيف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم ، الخميس، حفل توقيع خاصاً لإطلاق "مجلس السلام" الذي سبق أن طرح فكرته على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. وتشير المعطيات الأولية إلى أن أكثر من عشرين دولة قبلت حتى الآن الانضمام إلى هذا المجلس، فيما لا يزال الغموض يلف موقف الحلفاء الأوروبيين الرئيسيين للولايات المتحدة، إذ لم يعلن أيٌّ منهم التزاماً رسمياً، بل إن بعض الدول عبّر عن رفضه للفكرة أو تحفّظه العميق تجاهها.
وفي هذا السياق، أعلنت ثماني دول عربية وإسلامية، في بيان مشترك صدر من العاصمة القطرية الدوحة الأربعاء، ترحيبها بدعوة ترمب للانضمام إلى "مجلس السلام". وقد صدر البيان عن وزراء خارجية كل من قطر وتركيا ومصر والأردن وإندونيسيا وباكستان والسعودية والإمارات، حيث أكدوا قبولهم الدعوة الموجهة إلى قادة بلدانهم، وتوافقهم على الشروع في المسارات الرسمية اللازمة لاستكمال الانضمام وفق الأطر القانونية والإدارية التي يعتمدها كل بلد.
وأشار البيان إلى أن بعض هذه الدول، ومن بينها مصر وباكستان والإمارات، بدأت بالفعل اتخاذ خطوات عملية باتجاه إجراءات الانضمام الرسمية. كما شدد وزراء الخارجية على دعمهم للجهود السياسية التي تقودها الولايات المتحدة، مؤكدين استعدادهم للمساهمة في تنفيذ مهام المجلس بوصفه إطاراً انتقالياً، كما ورد في الخطة الشاملة لإنهاء نزاع غزة، وهي الخطة التي حظيت بتأييد مجلس الأمن الدولي بموجب القرار رقم 2803.
وفي موازاة ذلك، صرّح المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، يوم الأربعاء، بأن ما يصل إلى 25 دولة وافقت على دعوة الانضمام، قائلاً في مقابلة تلفزيونية (على شبكة ABC): إن عدد القادة الذين استجابوا إيجاباً يتجاوز عشرين وقد يقترب من خمسة وعشرين. وبحسب مسؤولين أميركيين، فقد تم توجيه الدعوات خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى أكثر من خمسين من قادة العالم، فيما توقع مسؤول في البيت الأبيض أن يصل عدد المنضمين إلى قرابة ثلاثين دولة.
ورغم هذا الزخم، فقد قابلت المبادرة مواقف حذرة من عدد من حلفاء واشنطن، إذ لم يبدوا دعماً صريحاً للمجلس أو قبولاً سريعاً لدعوة ترمب، وسط تساؤلات جدية حول الحاجة إلى هيئة دولية جديدة يمكن أن تُفهم بوصفها منافساً للأمم المتحدة أو بديلاً عنها. وفي حديثه الأربعاء، وصف ترمب المجلس بأنه سيكون "الأكثر هيبة على الإطلاق"، معتبراً أنه سيقوم بعمل كان ينبغي للأمم المتحدة أن تقوم به، مضيفاً أن التعاون مع الأمم المتحدة سيظل قائماً، لكنه أكد في الوقت ذاته أن المجلس سيكون "مميزاً" وقادراً على "تحقيق السلام". وعندما سُئل عن إمكانية أن يحل المجلس محل الأمم المتحدة، لم يستبعد ذلك قائلاً: "ربما".
ومن بين الدول الأوروبية التي رفضت الفكرة أو أبدت تحفظات كبيرة، برزت فرنسا والنرويج والسويد، فيما بقي موقف دول أخرى مثل ألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا متردداً دون التزام واضح. كما وجّهت دعوة إلى روسيا، وهو ما أكده الكرملين هذا الأسبوع رغم استمرار الحرب على أوكرانيا. ونقلت وسائل إعلام رسمية عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قوله إن الاقتراح يرتبط أساساً بتسوية ملفات الشرق الأوسط، والبحث عن حلول للمشكلات الملحة للشعب الفلسطيني، لا سيما الأزمة الإنسانية في قطاع غزة.
أما قائمة الدول التي قيل إنها قبلت الدعوة، فتضم إسرائيل وكوسوفو والإمارات والمجر وبيلاروسيا وأذربيجان ومصر وأرمينيا وتركيا وباكستان وقطر والأردن. وقد صرّح ترمب للصحفيين في دافوس بأن المجلس هو "أعظم مجلس تم تشكيله على الإطلاق"، مضيفاً أن الجميع يرغب في الانضمام إليه، وأنه يضم شخصيات "مثيرة للجدل" لكنها قادرة على إنجاز المهام ولها "نفوذ هائل". ولم ينشر البيت الأبيض القائمة الكاملة للدول المدعوة، كما لا يزال غير واضح عدد الدول التي ستوقع فعلياً خلال الحفل المرتقب يوم الخميس.
وتشير المعلومات إلى أن فكرة مجلس السلام طُرحت للمرة الأولى العام الماضي على أساس تفويض من مجلس الأمن لمدة عامين، بهدف إدارة وإعادة إعمار غزة، غير أن مسودة ميثاق المجلس لا تذكر غزة بصورة مباشرة. وبحسب نسخة من المسودة التي اطلعت عليها إحدى الشبكات الإخبارية الأمريكية، فإن المجلس صُمم ليحمل ولاية أوسع بكثير باعتباره "منظمة دولية" و"هيئة لبناء السلام"، تسعى إلى فض النزاعات حول العالم وتأمين سلام دائم، بما يجعله أقرب إلى بديل تقوده الولايات المتحدة في مواجهة نموذج الأمم المتحدة التقليدي.
وتكشف المسودة كذلك أن ترمب، المتوقع أن يرأس المجلس، قد يشغل هذا المنصب مدى الحياة، إذ يمكنه الاستمرار حتى يقرر الاستقالة منه، وفق ما نقل عن مسؤول أمريكي. وأضاف المسؤول أن رئيساً أمريكياً مستقبلياً قد يختار تعيين ممثل جديد للولايات المتحدة داخل المجلس. كما تنص المسودة على أن الدول التي تقبل الدعوة ستحصل على عضوية تمتد لثلاث سنوات، بينما تمنح العضوية الدائمة للدول التي تقدم مساهمات نقدية تفوق مليار دولار خلال السنة الأولى. وأكدت الإدارة الأميركية أن هذه المساهمات "طوعية" ولا ينبغي اعتبارها رسوماً للانضمام، مشددة على أن المجلس سيلتزم بمعايير رقابة مالية وإشراف صارمة في حال تقديم التمويل.
وفي تطور لافت، اقترح بوتين أن تدفع روسيا مبلغ المليار دولار من الأصول التي جمدتها الولايات المتحدة بسبب حرب أوكرانيا. كما تضمن الحديث عن تشكيل لجنة تنفيذية تشرف على المجلس، تضم رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، إلى جانب ستيف ويتكوف وصهر ترمب جاريد كوشنر.
تطرح فكرة "مجلس السلام" سؤالاً جوهرياً حول منطق إنشاء أطر دولية جديدة في زمن تتراجع فيه ثقة كثير من الدول بمؤسسات الحوكمة العالمية. فحين يقدم ترمب المجلس بوصفه أكثر فاعلية من الأمم المتحدة، فإنه لا ينتقد بيروقراطية المنظمة الدولية فقط، بل يلمح إلى رغبة أميركية في امتلاك أدوات نفوذ أسرع وأقل تقييداً بالشرعية الجماعية. غير أن ذلك قد يفتح باباً للاستقطاب بدلاً من التوافق.
انضمام دول عربية وإسلامية وازنة يمنح المجلس ثقلاً سياسياً ورمزياً، لكنه يضع هذه الدول أيضاً أمام اختبار مزدوج: كيف توازن بين دعم مسار دولي جديد تقوده واشنطن، وبين حماية استقلال قرارها وعدم الارتهان لأجندات متغيرة بتغير الإدارات الأميركية؟ فالتجارب السابقة في الشرق الأوسط تُظهر أن المبادرات التي تفتقر إلى ضمانات واضحة وآليات شفافة قد تتحول من مشاريع سلام إلى أدوات ضغط، خاصة عند احتدام الأزمات.
وأكثر ما يثير الجدل في بنية المجلس المقترحة هو المزج بين "السلام" و"التمويل"، عبر ربط العضوية الدائمة بمساهمة مالية ضخمة. هذا الشرط يخلق انطباعاً بأن النفوذ داخل المجلس قد يُشترى، لا أن يُكتسب عبر المسؤولية السياسية أو الالتزام بالقانون الدولي. كما أن منح الرئاسة مدى الحياة يضعف فكرة التداول المؤسسي ويجعل المجلس أقرب إلى مشروع شخصي. لهذا ستظل شرعيته محل سؤال دائم.
المصدر:
القدس